ترك برس
تناول مقال للكاتب والمحلل التركي سليمان سيفي أوغون، قراءة تحليلية لمسارات الشرق الأوسط السياسية والاقتصادية والعسكرية من خلال استعارة موسيقية تقوم على التمييز بين السيمفونية والكونشرتو، حيث تُقارب «خطة إبراهيم» بوصفها عملاً أوركستراليًا تقوده الولايات المتحدة كـ«مايسترو»، وتؤدّيه دول الإقليم كآلات متفاوتة الوزن والتأثير.
ويجادل الكاتب بأن واشنطن والمؤلفين يفضّلون صيغة «الكونشرتو» التي تتقدّم فيها إسرائيل كعازف منفرد، مقابل رغبة قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية في عمل أقرب إلى السيمفونية المتوازنة. كما يحلل اختلالات «الضبط» بين اللاعبين، وتوتر العلاقة بين القائد والعازف المنفرد، واحتمالات التدخّل الخارجي (خصوصًا في ظل تجربة أوكرانيا).
يخلص أوغون إلى أن سوء توزيع الأدوار يهدّد بانهيار الحفل برمّته، مع تحذير أخير من الانزلاق نحو «موسيقى اللا–تون» بوصفها استعارة تاريخية للفوضى التي تسبق الحروب الكبرى. وفيما يلي نص المقال الذي نشرته صحيفة يني شفق:
السيمفونية والكونشرتو هما النموذجان الأكثر شهرة في الموسيقى الأوركسترالية الغربية. يعرف ذلك من لديهم اطّلاع بهذا المجال، لكن لا بأس أن نذكّر بإيجاز: السيمفونية تعني أداء العمل الموسيقي من قِبل الأوركسترا فقط تحت قيادة المايسترو. أمّا في الكونشرتو، فهناك أيضًا أوركسترا وقائد، غير أنّ آلة موسيقية منفردة تدخل إلى الواجهة. فإذا كان العمل «كونشرتو بيانو» برز البيانو إلى المسرح، وإذا كان «كونشرتو كمان» تقدّم الكمان. في الكونشرتو يتقدّم العازفون المنفردون أحيانًا على الأوركسترا، فتسكت الأخيرة أو تكتفي بالمرافقة. وخلاصته: بخلاف السيمفونية، تؤدّي الأوركسترا في الكونشرتو دورًا أكثر تكميلية.
والآن — إن شئتم — فلننظر إلى المسار السياسي والاقتصادي والعسكري للشرق الأوسط من خلال هذه المقارنة.
لنبدأ أولًا بتأمّل المسرح الذي سيُقام عليه الأداء: نحن أمام جغرافيا تبدأ من المحيط الهندي، مرورًا بالخليج العربي–الفارسي، ممتدةً إلى البحر الأحمر، ثم تنفتح أخيرًا على شرق المتوسط. ومن طرف آخر تصل بحر قزوين بشرق المتوسط. (ولْنتذكّر تصريحات باراك). باختصار: نحن أمام مسرحٍ هائل.
ثانيًا، لنعلن اسم العمل الذي سيُعزف: اسم العمل هو “خطة إبراهيم”.
ويمكن أن نعدّ الدول المنتمية إلى هذه الجغرافيا بمثابة أعضاء الأوركسترا، ولكلٍّ وزنُه وأداتُه الموسيقية. فمثلًا: ما الذي يمكن أن تكونه الأردن هنا؟ في أحسن الأحوال، واحدة من آلات الإيقاع. ولبنان — إن وُجد — فربما يكون الصنج. يظهران قليلًا داخل العمل، ونسمعهما فقط في مقاطع محدودة. ضمن عائلة الوتريات، يمكن النظر إلى تركيا وقطر بوصفهما كَمَانات، ومصر بوصفها فيولا، والسعودية أو الكويت باعتبارهما تشيللو. أمّا ضمن النفخيات، فيمكن عدّ الإمارات وسوريا والعراق مثل آلات الأوبوا مثلًا.
الانسجام في الضبط (الأكورد) بين الآلات مسألة بالغة الأهمية؛ إذ إنّ فشل تحقيقه يعرّض الأداء للخطر. وفي أوركسترا الشرق الأوسط اليوم آلات لا تقبل الضبط أصلًا. ولعلّ وضع إيران — التي تمثّل مجموعة آلات تعترض على العمل نفسه — يشير بوضوح إلى ذلك. (كما نرى أنّ روسيا — وهي آلة قوية — قد أُبعدت عن الأوركسترا، ومع ذلك تترصّد الفرص للعودة عبر الثغرات). أُخرجت إيران من الأوركسترا، لكنها — بوجودها — لا تزال تهدّد وحدة الانسجام.
هناك آلات بلغت توافقًا تامًا؛ فالدول المنضمّة حاليًا إلى «اتفاق إبراهام» تمثّل تلك التي “جاءت على الأكورد”، والإمارات أبرز مثال. وإلى جانب ذلك، توجد مجموعات آلات تُظهر عدم انسجام بسبب أوضاعها الواقعية، مثل العراق وسوريا ولبنان. وهذا الخلل يهدّد أحيانًا ضبط آلات أخرى جاءت أصلًا منسجمة؛ فالانسدادات في سوريا وغزة تُربك حتى أكورد تركيا. والسعودية تفرض شروطًا معيّنة للقبول بالانسجام، بل وتبتعد عن أقرب شركائها — كالإمارات — وقد تصل إلى المواجهة كما في اليمن. ومصر بدورها تعترض على الجزء الذي يُطلب منها أداؤه في حلّ مسألة غزة. وهكذا: العمل واضح، لكن الأوركسترا تعاني أزمة ضبط خطيرة.
أما المؤلّفون فهم مجموعة من صنّاع القرار، تبرز بينهم أسماء من طراز كوشنر.
وأما قائد الأوركسترا فليس بحاجة إلى كثير شرح: المايسترو هو الولايات المتحدة بلا منازع. ويبدو أن صراع القيادة خمد مؤقتًا. الصين — التي طمحت إلى إدارة الأوركسترا بعمل مختلف تمامًا — تراجعت قليلًا، لكن تأثيراتها لا تزال فاعلة. فجزء من تفكير السعوديين ما يزال معلّقًا بذلك “اللحن البديل”، وربما لهذا السبب يتباين انسجامهم عن الإمارات. وعلى أي حال، فالولايات المتحدة أمسكت بالعصا.
تبقى قضية جوهرية تتعلّق بطبيعة العمل نفسه:
بعض الآلات تريد لهذا العمل أن يكون سيمفونية — مثل تركيا والسعودية — وتصرّ على هذا الشكل. لكن المسار يشير إلى أنّ المؤلفين والمايسترو يفضّلون أن يكون العمل «كونشرتو». فمن سيكون العازف المنفرإذن؟ من الواضح أنه إسرائيل. لا بأس، لكن هنا أيضًا توجد مشكلات خطيرة؛ إذ يبدو أن إسرائيل قد بالغت في دور العازف المنفرد، وراحت تصطدم بغيرها من المجموعات.
أما الكمان الأول — وهو موقع بالغ الأهمية في الأوركسترا — فأراه تركيا. وإسرائيل لا تتردّد في مخاصمتها. (والسعوديون — على الأرجح — غير مرتاحين لذلك). إلى حدّ أن الأداء نفسه والحفل برمّته يبدوان مهدّدين. فهي تعترض على توزيع الأدوار في العمل، وتحاول الاستحواذ على أجزاء مخصّصة لآلات أخرى، بل وتصل تدخّلاتها حدّ التشكيك في موقع المايسترو نفسه، واضعةً عينها على عصاه. ينشأ — تبعًا لذلك — توتر شديد بين القائد والعازف المنفرد. وما جرى في قمة نتنياهو–ترامب الأخيرة كان إشارة واضحة إلى هذا الصراع. كيف سينتهي؟ الزمن كفيل بالإجابة. لكن رأيي الشخصي أنّ إسرائيل ستُعاد — بطريقة ما — إلى حدود الدور. وقد رأينا أن ترامب فرض ثقله في تلك القمة، وحوّل نتنياهو إلى «قطٍّ مطأطئ الرأس».
أرى من المناسب هنا التنبيه إلى تشويشٍ ذهني شائع:
بعض التقييمات ترى الإدارة الأمريكية «دمية بيد إسرائيل». نعم — إذا استعَرْنا تعبيرًا من يالجين كوتشوك — فإسرائيل في الولايات المتحدة أقوى مما هي في إسرائيل نفسها. لكن لا ينبغي المبالغة؛ ففي نهاية المطاف، الولايات المتحدة قوّة مهيمنة عالميًا. وقوة المايسترو تغلب دائمًا العازفين المنفردين. وإذا ضاق المايسترو ذرعًا، قد يُقصي العازف المتدلّل بجرة قلم. لذلك يمكن لمن يطرحون تلك الرؤية أن يعيدوا النظر بالعودة إلى تقسيم الأدوار في هذه الاستعارة الموسيقية: وجود قائدٍ مطلقٍ للأوركسترا حقيقة ثابتة. لا توجد قيادة موازية أو «قيادة خفية» ضد القائد. صحيح أن القادة لا يضحّون بالعازفين المنفردين بسهولة، لكن لترفّعات العازف وحدوده.
وهنا أودّ لفت الانتباه — أساسًا — إلى أمر آخر قد يهدّد الحفل برمّته:
في الأعلى، يجري مسار مختلف في أوكرانيا؛ إذ رأينا الولايات المتحدة تنسحب من دورها في حفلٍ بدأ بالفعل، وتوقف الأداء. وإذا غاب القائد، انتهى الحفل بفضيحة — وهو ما حدث في أوكرانيا تمامًا. وبُذلت جهود طويلة لإعادة الولايات المتحدة إلى منصة القيادة. وكان تحرّك القادة الأوروبيين نحو واشنطن تجسيدًا لذلك — لكن بلا جدوى. المملكة المتحدة، المايسترو السابق ذو التاريخ الطويل، خرجت مجروحة بشدة. ومع أنها «سابقة»، فإن لها وزنًا معتبرًا. فهل تفكّر — انتقامًا من التخلّي عنها في أوكرانيا — في عرقلة «حفل إبراهيم»، إن لم يكن إفشاله تمامًا؟ وهل يدور شيء ما بين العازف المتغطرس والمايسترو السابق؟
لقد استلهمتُ هذه المقالة من رواية «حفل الخارجية» لصديقي العزيز، أحد ألمع وجوه مدرسة «مُلكيّه» في عالم الدبلوماسية الأكاديمية التركية، الأستاذ الدكتور طاشانسو توركر. عرضتُ عليه هذه المقارنة، فأضاف إضافة لطيفة:
قال: «لا ننسَ أن بين الحربين العالميتين انتشرت موسيقى اللا–تون (اللاتوافقية)». وهو محقّ: بيرغ، شونبرغ، سترافينسكي… ألا يدعو التأمّل في الصلة بين تلك القطيعة الموسيقية — التي بدّلت بنية الموسيقى — وبين الحروب، إلى التفكير فعلًا؟
مشاهدة الأكورد المختل لماذا يعاني الشرق الأوسط من فوضى الضبط
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأكورد المختل لماذا يعاني الشرق الأوسط من فوضى الضبط قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأكورد المختلّ.. لماذا يعاني الشرق الأوسط من فوضى الضبط؟.
في الموقع ايضا :