كتب - أ. د. محمد تركي بني سلامة في لحظات التحوّل الكبرى من تاريخ البشرية، لا تنهض الشعوب من فراغ، بل تنهض من الذاكرة. والذاكرة ليست أرشيفًا باردًا نعود إليه في المناسبات، بل هي سلاحٌ حيّ، يشتعل كلما حاولت إمبراطوريةٌ ما أن تكتب "القانون” على مقاسها، وتفرض على العالم أن يطيع بلا سؤال. والذاكرة اليوم تصرخ… تصرخ بأسماءٍ ظنّ المستعمرون أنهم دفنوها، فإذا بها تعود أشد حضورًا من الدبابات والأساطيل، وأقوى من العقوبات والحصار، وأكثر فتكا بجبروت الهيمنة من كل الخطب الرسمية. نحن نعيش زمنًا تتعرّى فيه الهيمنة الامبريالية بلا مساحيق. زمنًا تُقدَّم فيه لغة الإملاء والنهب والعقوبات وكأنها "قانون طبيعي”، ويُطلب من الدول أن تقبل الوصاية باعتبارها "استقرارًا”، وأن تبتلع الإذلال على أنه "شراكة”. في هذا الزمن تحديدًا، يصبح استدعاء رموز التحرر الوطني فعلَ مقاومةٍ بحد ذاته، لأنه يذكّر العالم بحقيقة واحدة: الاستعمار لا يختفي… إنه يغيّر قناعه فقط. حين نذكر باتريس لومومبا، فإننا لا نستحضر رجلًا اغتيل في الكونغو فحسب، بل نستحضر فكرةً اغتيلت لأنها قالت للأوروبي بوضوح جارح: لسنا قُصّرًا في حضارة الآخرين. لومومبا لم يكن خطرًا لأنه حمل بندقية فقط، بل لأنه حمل خطابًا يوقظ الشعوب: خطاب السيادة والكرامة. لقد أراد وطنًا لا تُدار ثرواته من وراء البحار، ولا تُكتب قراراته في سفارات القوى الكبرى. لذلك كان الثمن دمه… لأن الاستعمار يخاف من الزعيم الذي يعلّم شعبه أن يقول: "لا”. وحين نستحضر هو تشي منه، فنحن لا نروي حكاية فيتنامية بعيدة، بل نعيد التأكيد على حقيقة أرعبت الإمبراطوريات قديمًا وحديثًا: الفلاح الواعي أخطر من الجنرال المدجّج بالسلاح. هو تشي منه جعل الاستقلال مشروعًا يوميًا، وحوّل الإرادة الشعبية إلى آلة صلبة تكسر الاستعمار ، وتُفشل رهانه على الزمن والإنهاك. لقد قال للعالم إن الأرض لا يحررها "الدبلوماسية وحدها” إن كانت الدبلوماسية تُدار من غرف القوة، وإن التحرر يبدأ حين يقتنع الناس أن لهم حقًا غير قابل للبيع أو التأجيل. ومن المهاتما غاندي، الذي هزم الإمبراطورية البريطانية بلا رصاصة واحدة، إلى عمر المختار، الذي واجه الفاشية الإيطالية بالحقيقة المجرّدة: نحن لا نستسلم… ننتصر أو نموت—تتشكّل سلسلة أخلاقية واحدة تقول إن الاستعمار، مهما تغيّرت لغته وأدواته، ينهزم حين ترفض الشعوب الركوع. غاندي علّم العالم أن العصيان المدني ليس "ضعفًا”، بل قوة أخلاقية تُسقط شرعية المستعمر أمام نفسه وأمام البشرية. أما عمر المختار فكتب بدمه درسًا خالدًا: أن القوة المتوحشة قد تكسب معركةً بالسلاح، لكنها تخسر الحرب أمام شعبٍ يرى الحرية مسألة وجود لا تفاوض. ثم تأتي الجزائر—ذاكرة النار والرماد—ومعها أحمد بن بلة كأحد وجوه الثورة التي حطّمت أسطورة "الاستعمار المتحضّر” الفرنسي. لقد كانت الجزائر فضيحةً كبرى للخطاب الغربي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان نهارًا، ويمارس القمع والقتل والتجويع ليلًا. بن بلة ورفاقه لم يقاتلوا استعمارًا على الأرض فقط، بل قاتلوا أكذوبةً عالمية تقول إن الاحتلال يمكن أن يكون "رسالة حضارية”. وكانت الإجابة الجزائرية واضحة: لا حضارة في السوط، ولا تقدم في مصادرة الإنسان. وفي غانا يطل كوامي نكروما لا كقائد استقلال فحسب، بل كعقلٍ استراتيجي سبق زمانه حين صرخ مبكرًا: احذروا الاستعمار الجديد… فهو أخطر من القديم. الاستعمار الجديد لا يحتاج إلى أعلام على القصور، يكفيه أن يمسك بالمفاتيح الاقتصادية: القروض، الأسواق، الشركات، والوصاية المشروطة. نكروما فهم أن التحرر السياسي إذا لم يتبعه تحرر اقتصادي، يصبح الاستقلال مجرد تبديل لافتة فوق باب الدولة، بينما القرار الحقيقي يُكتب في الخارج. ثم تبلغ السلسلة ذروةً رمزية مع نيلسون مانديلا، الذي حوّل السجن إلى منصة أخلاقية، وأسقط أحد أبشع أشكال الاستعمار الاستيطاني. مانديلا أثبت أن الحرية قد تُسجن لكنها لا تُهزم، وأن الأنظمة العنصرية مهما تسلحت بالقانون والقمع، ستسقط أمام إصرار شعبٍ لا يقبل أن يكون "ضيفًا” في وطنه. لقد كان مانديلا درسًا عالميًا في أن الكرامة ليست شعارًا… بل مشروع صبرٍ طويل، وإرادةٍ لا تتآكل. ومن آسيا يعود أحمد سوكارنو، مؤكدًا أن الاستقلال لا يكتمل دون عدم الانحياز، وأن الشعوب ليست أدوات في صراع الكبار. سوكارنو لم يكن مجرد قائد تحرر من الاستعمار الهولندي، بل صاحب رؤية تقول إن العالم لا يجب أن يُقسَّم إلى تابعٍ ومتبوع، ولا إلى ساحات نفوذ تُدار من العواصم الكبرى. لقد حاول أن يفتح طريقًا ثالثًا: طريق السيادة المستقلة، لا الخضوع لهذا المعسكر أو ذاك. أما في أمريكا اللاتينية، فالصوت أعلى لأن التجربة أكثر مرارة. هناك كتب سيمون بوليفار فصل التحرر القاري من الاستعمار الإسباني، محولًا التحرر إلى حلم وحدة تخشاها الإمبراطوريات حتى اليوم. بوليفار فهم مبكرًا أن الاستعمار لا يُهزم بتحرير مدينةٍ هنا وأخرى هناك، بل بتحرير القارة من تفتتها… لأن التفتت هو الفرصة الذهبية للمستعمر. ثم يأتي خوسيه مارتي—الثائر الشاعر—ليطلق التحذير الذي يبدو وكأنه كتب لزماننا: الاستعمار قد يرحل بزيّ ويعود بآخر. مارتي جعل الكلمة بندقية، والفكرة متراسًا، وعلّم أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي؛ لأن من يخسر وعيه يوقّع صك عبوديته بيده وهو يبتسم. وفي غرب إفريقيا ينهض أميلكار كابرال، ليقول إن التحرر لا يكون بالبندقية وحدها، بل بتحرير الوعي أولًا. كابرال كان يرى أن الاستعمار يسرق الإنسان قبل أن يسرق ثروته: يسرق ثقته بنفسه، ويُقنعه أنه عاجز دون وصاية. لذلك جعل معركة الهوية والمعرفة جزءًا من معركة الاستقلال، لأن الاستقلال الذي لا يحرسه الوعي يعود في أول منعطف على شكل تبعية جديدة. ومع تشي غيفارا تتحول الثورة إلى ضميرٍ أمميّ لا يعترف بالحدود حين تكون الكرامة على المحك. غيفارا كان رسالة تقول إن الظلم إذا تمدد عالميًا فلا بد أن تكون المقاومة عالمية في روحها. وقد لا يتفق الناس على خياراته كلها، لكنهم يتفقون على أن صورته صارت رمزًا لرفض الخضوع، ورفض تحويل الشعوب إلى أرقام في دفاتر الشركات الكبرى. اليوم، ونحن نشهد عودة الاستعمار بوجهٍ صريح—استعمار لا يحتاج إلى احتلالٍ مباشر بقدر ما يحتاج إلى عقوبات، وبنوك، وإملاءات—تصبح الاستقالة من التاريخ جريمة. الهيمنة التي تُقدَّم باسم "الاستقرار” لا تصنع أمنًا، والتي تُفرض باسم "النظام” لا تصنع سلامًا. إنها وصفة لتفجير القانون الدولي، ونسف الأمن والسلم الدوليين، وتحويل العالم إلى غابة تُدار بمنطق القوة: الأقوى يأخذ… والأضعف يبرر هزيمته بالكلمات. إن النداء الذي يخرج من ذاكرة هؤلاء الأبطال ليس دعوة للعنف، بل دعوة لثورة وعي عالمية: ثورة ترفض الإملاء، وتقاوم التبعية، وتستعيد حق الشعوب في القرار والثروة والسيادة. فالتاريخ علّمنا أن الاستعمار لا يربح لأن سلاحه أقوى فقط، بل لأنه يجد من يصدّق أنه قدر. وحين تكف الشعوب عن تصديق هذه الكذبة، تبدأ الإمبراطوريات بالانكسار. هؤلاء لم يكونوا أسماءً في كتب التاريخ، بل صفارات إنذار. كل واحدٍ منهم قال لشعبه—بل للعالم كله—جملة واحدة بمئات الصيغ: الاستعمار لا يرحل لأنه شاخ… بل لأنه يُواجَه. ومن لا يتعلّم من تجاربهم، سيكتشف متأخرًا أن الاستعمار الجديد—مهما لبس بدلة وربطة عنق—لا يقل وحشية عن القديم… بل ربما أشد. .
مشاهدة من لومومبا إلى غيفارا نداء الشعوب في وجه إمبراطورية الغطرسة عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من لومومبا إلى غيفارا نداء الشعوب في وجه إمبراطورية الغطرسة عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.