خارج النص - كتب حلمي الأسمر لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث في فلسطين؟ بل: ماذا سيحدث للعرب إذا سقطت فلسطين بشكل كامل –لا سمح الله؟ فلسطين اليوم لم تعد مجرد أرض محتلة، ولا قضية قومية مؤجلة، ولا ملفًا سياسيًا يُستدعى عند الحاجة ويُركن عند الملل. فلسطين تحولت إلى اختبار تاريخي شامل: اختبار لمعنى السيادة، وحدود القوة، ومصير الشعوب في عالم يُعاد تشكيله بالقوة العارية لا بالقانون. ما يجري في غزة ليس فصلًا دمويًا معزولًا، بل إشارة إنذار مبكر لعالم جديد يولد من تحت الركام. عالم تُدار فيه الصراعات بلا أقنعة، وتُسحق فيه القيم حين تتعارض مع المصالح. ومن يظن أن هذا النموذج سيتوقف عند حدود فلسطين، لم يفهم طبيعة اللحظة ولا منطق المرحلة. غزة كشفت الكذبة الكبرى غزة كشفت أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية—بكل شعاراته عن حقوق الإنسان والقانون الدولي—لم يعد يعمل إلا انتقائيًا. حين تُحاصر مدينة، وتُجوّع، وتُدمّر أمام الكاميرات، ولا يُحاسَب الفاعل، فهذا يعني أن العالم القديم انهار أخلاقيًا حتى لو ظل قائمًا مؤسساتيًا. الأخطر أن هذا الانهيار لم يُقابل فقط بالصمت، بل بمحاولات منظمة لإعادة تعريف الجريمة: تحويل الإبادة إلى "نزاع”، والاحتلال إلى "حق دفاع عن النفس”، والضحية إلى عبء أخلاقي على المتفرج. هنا لم تعد فلسطين مجرد مأساة، بل مرآة يرى فيها العالم صورته الحقيقية. من غزة إلى فنزويلا: حرب واحدة بأدوات متعددة من يظن أن ما يجري في فلسطين منفصل عما حدث في فنزويلا، أو عما يجري في أوكرانيا، أو عما يُحضَّر في آسيا، يقرأ الأحداث بعيون قديمة. الحقيقة أن العالم يعيش حربًا واحدة متعددة الساحات، عنوانها الأكبر: صراع على النظام الدولي، وخصمها المركزي هو الصين بوصفها تهديدا تجارية لهيمنة الرجل الأبيض، والحضارة العربية الإسلامية بوصفها تهديدا وجوديا للمدنية الغربية، ولا نقول "الحضارة" الغربية. فنزويلا لم تكن مجرد دولة "مأزومة” في خاصرة أميركا اللاتينية، بل حلقة في صراع الطاقة العالمي. النفط الفنزويلي ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ورقة في معركة أوسع تهدف إلى خنق الخصوم الصاعدين، وفي مقدمتهم بكين. حين تُضغط فنزويلا، لا يُضغط مادورو وحده، بل يُضغط شريان من شرايين الطاقة التي تحتاجها الصين لتشغيل اقتصادها الصناعي العملاق. بهذا المعنى، ما جرى في كاراكاس لم يكن حدثًا معزولًا، بل بروفة: اختبار أدوات، قياس ردود فعل، وتثبيت قواعد اشتباك جديدة في حرب لا تُعلن رسميًا، ولكنها تجري على الأرض. العرب: من مركز العالم إلى ساحة اختبار البلاد العربية اليوم ليست خارج هذا الصراع، بل في قلبه الجغرافي، وخارج دائرته السياسية. نحن نعيش في أكثر مناطق العالم حساسية للطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد، والأهم نملك دينا هاضم للآخر، يستعصي على الذوبان، بل لديه القدرة على تذويب الآخرين، ومع ذلك لا نملك قرار الحرب ولا شروط السلام. السبب ليس الفقر ولا نقص الموارد، بل تفكك الإرادة أنظمة تخشى شعوبها أكثر مما تخشى خصومها، وشعوب أُنهكت حتى باتت ترى البقاء الفردي إنجازًا، ونخب تتصرف وكأن العالم سيتوقف احترامًا لحساباتها الداخلية. في هذا السياق، تُقدَّم فلسطين أحيانًا كعبء على "الاستقرار”. والحقيقة العكس تمامًا: فلسطين هي آخر خطوط الدفاع عن أي معنى للأمن القومي العربي. ومن يتخلّى عن هذا الخط، يفتح الباب لتآكل كل ما بعده. التطبيع: الاسم الناعم للهزيمة المؤجلة أخطر ما واجهته فلسطين لم يكن السلاح وحده، بل تطبيع الهزيمة في الوعي العربي. لم يعد المطلوب تبرير الاحتلال، بل التعايش معه، التعامل معه كأمر واقع، كجار لا بد من التفاهم معه. هكذا تتحول الإبادة إلى "خلاف”، والضحية إلى "طرف”، والمجرم إلى "شريك أمني"! التطبيع ليس اتفاقيات سياسية فقط، بل عملية إعادة برمجة شاملة للوعي الجمعي: إقناع الشعوب بأن فلسطين عبء، وأن الصمت حكمة، وأن النجاة فردية. لكن التاريخ يعلّمنا أن من يبيع بوصلته اليوم، لن يجد طريقه غدًا حين تتغير الخرائط. إذا سقطت فلسطين: ماذا ينتظر العرب؟ إذا سقطت فلسطين بالكامل –لاسمح الله-، فلن يكون ذلك حدثًا محليًا ولا هزيمة رمزية، بل سابقة استراتيجية وأخلاقية ستُعمَّم. سقوط فلسطين بمقاومتها وصمود شعبها على أرضه، يعني تثبيت منطق الإبادة بوصفه أداة ردع مشروعة، ويعني أن الجغرافيا العربية كاملة ستُقرأ كفراغ قابل لإعادة التشكيل. في عالم ما بعد فلسطين، لن يُسأل العربي عمّا يريد، بل عمّا يُسمح له به. ستُعاد صياغة السيادة باعتبارها امتيازًا لا حقًا. وسيُقال للجميع، بصيغ مختلفة: ما جرى هناك يمكن أن يجري هنا. من التالي بعد مادورو؟ السؤال ليس إن كان هناك "التالي”، بل أين ومتى. المنطق الذي استُخدم في فنزويلا، ويُختبر في فلسطين، لن يتوقف عند شخص أو نظام بعينه. كل دولة تقع على تقاطع الطاقة، أو الممرات، أو التحالفات الجديدة، وكل نظام يحاول الخروج من عباءة الهيمنة الأحادية، سيكون مرشحًا للضغط أو التفكيك أو العزل، وفلسطين اليوم بشعبها الصامد ومقاومتها العنيدة، هي خط الدفاع الأول ليس عن الأمة فقط، بل -ولا نبالغ- عن آخر ما بقي من المعاني الإنسانية على سطح هذا الكوكب! في منطقتنا، الدول الأكثر هشاشة سياسيًا، أو الأكثر استقلالًا نسبيًا في قرارها، أو تلك التي تقع على مفاصل جيوسياسية حساسة، هي أول من سيدفع الثمن. البكاء القادم لن يكون بالضرورة على شاشات الأخبار، بل داخل غرف القرار حين يُكتشف أن الدور قد وصل، ولا أحد في الخارج مستعد للدفاع. ماذا علينا أن نفعل؟ على مستوى الشعوب: إعادة فلسطين إلى مركز الوعي، لا كقضية موسمية بل كبوصلة دائمة. كسر التطبيع النفسي قبل السياسي. الضغط المنظم طويل النفس، لا الانفجار العاطفي العابر. بناء خطاب عربي مستقل لا يستعير لغة من يبرر القتل. على مستوى الأنظمة: الإدراك أن الحياد وهم، وأن الوقوف في المنتصف لم يعد خيارًا آمنًا. فهم أن الشرعية الداخلية هي خط الدفاع الأول في زمن الاضطرابات الكبرى. إعادة تعريف الأمن القومي: فلسطين ليست عبئًا عليه، بل شرط بقائه. تنويع التحالفات وعدم رهن المصير لقوة واحدة يتآكل نفوذها. في الختام، فلسطين ليست امتحانًا أخلاقيًا فقط، بل اختبارًا عمليًا لمكانة العرب في عالم يتغير بعنف. ما يجري هناك لن يُغلق بوقف إطلاق نار، ولن يُمحى بتسوية شكلية، لأنه كشف اختلالًا أعمق في ميزان القوة والمعنى معًا. الدفاع عن فلسطين اليوم لا يعني مغامرات غير محسوبة، ولا شعارات بلا أدوات، بل يعني أولًا إعادة امتلاك القرار: قرار الوعي، وقرار الاصطفاف، وقرار عدم التسليم بمنطق الإبادة كأمر واقع. من يفشل في هذا الاختبار لن يخسر فلسطين وحدها، بل سيخسر القدرة على الدفاع عن نفسه حين تتغير الخرائط وتُعاد كتابة القواعد. أما من يفهم اللحظة ويتحرك بعقل بارد وإرادة واضحة، فربما لا يغيّر مسار العالم، لكنه على الأقل لن يُمحى منه. فلسطين، في النهاية، ليست ما يُطلب منا أن نبكي عليه، بل ما يُطلب منا أن نحدد من خلاله. من نكون… وأين نقف… وإلى أي عالم نريد أن ننتمي؟ .
مشاهدة إذا سقطت فلسطين hellip ماذا ينتظر العرب عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إذا سقطت فلسطين ماذا ينتظر العرب عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.