منذ قيام الجمهورية الإسلامية في العام 1979، لم تكن الاحتجاجات ظاهرة طارئة في المشهد الإيراني، بل جزءًا بنيويًا من العلاقة المتوترة بين الدولة والمجتمع. تاريخيًا، اتبعت معظم موجات الغضب الشعبي نمطًا متكررًا: شرارة أولى تتمثل بجريمة، أو تزوير انتخابي، أو انهيار اقتصادي، تليها احتجاجات واسعة بلا قيادة واضحة، ثم ردّ أمني يعيد فرض النظام من دون معالجة الأسباب، لتتكرّر الدورة بعد سنوات.
من الأزمة الاقتصادية إلى تحدّي الشرعية
ورغم أنّ هذه الاحتجاجات تُعدّ الأوسع منذ عام 2022، فإنها لا تزال، من حيث الحجم، دون مستوى الانتفاضة الوطنية الشاملة. معظم التظاهرات تضم مئات، وبعضها آلاف، وتتركّز في مدن طرفية بعيدة عن المركز. المصانع والإدارات الحكومية ما زالت تعمل، والعاصمة لم تدخل بعد في حالة عصيان مفتوح، رغم بعض الحراكات وأعمال الحرق والتخريب الآخذة في التصعيد مع دخول التظاهرات أسبوعها الثالث. ومع ذلك، يبدو النظام أكثر ارتباكًا مما توحي به الأرقام: انتشار كثيف لشرطة مكافحة الشغب في أحياء طهران الخلفية، تفريق استباقي للتجمعات، وإغلاق المدارس والجامعات بذريعة تلوّث الهواء، في محاولة واضحة لمنع تشكّل كتلة احتجاجية مركزية.
من زاوية القراءة الأميركية، لا يمكن فصل هذا الحراك عن سياق أوسع من الاستنزاف الاستراتيجي. فالنظام الإيراني يواجه تراكم نكسات إقليمية وضغوطًا داخلية متزامنة: من تراجع نفوذ حلفائه في أكثر من ساحة، إلى سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وصولًا إلى حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/يونيو 2025 على إيران نفسها. كل ذلك يضعف، في نظر واشنطن، قدرة النظام على امتصاص الصدمات كما فعل في السابق.
ورغم تصاعد الحديث عن التدخل الخارجي، سعت طهران إلى خفض منسوب هذا الاحتمال رسميًا. فقد قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن احتمال التدخل العسكري الأجنبي «ضئيل للغاية»، متهمًا الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة دفع الاحتجاجات من مسارها المطلبي إلى مسار «انقسامي وعنيف». وكشف عن زيارة مرتقبة لوزير خارجية سلطنة عُمان إلى طهران، في إشارة إلى بقاء قنوات الوساطة مفتوحة، حتى في ذروة التصعيد.
ميدانيًا، تكشف أحداث إيران عن عمق الأزمة أكثر مما تكشف عن قرب الحسم. مواجهات دامية في ملكشاهي، احتجاجات في آبدانان، إطلاق نار قرب مستشفى الإمام الخميني، واقتحام متظاهرين متجرًا مرتبطًا بالحرس الثوري ونثر الأرز في الشوارع من دون نهبه، كلّها مؤشرات على غضب اجتماعي يتجاوز البعد المطلبي إلى بعد أخلاقي ورمزي.
«إن السبب الجذري للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، وحتى البيئية، لا يكمن في هذه الحكومة أو تلك، ولا في هذا البرلمان أو ذاك، بل في البنية الانسدادية لولاية الفقيه المطلقة، وفي السياسات المدمّرة لإيران والمُنهِكة للشعب التي ينتهجها خامنئي».
كما يحضر اسم رضا بهلوي في التداول، الذي كتب على منصة «إكس»: «لم يعد هدفنا مجرد النزول إلى الشوارع، بل الاستعداد للسيطرة على مراكز المدن والاحتفاظ بها».
في موازاة ذلك، لجأت السلطات إلى تصعيد تقني عبر قطع شبه شامل للإنترنت. وأفادت منظمات مختصة بانخفاض الاتصال إلى نحو 1 في المئة من مستوياته الطبيعية، مع تعطّل الاتصالات الخارجية. ولم يصدر الاعتراف الرسمي الأول بوقوع الاحتجاجات إلا عبر التلفزيون الرسمي، الذي تحدّث عن أعمال عنف من دون تقديم أدلة مستقلة.
من منظور السلطة الإيرانية، لا تُقرأ الاحتجاجات بوصفها تعبيرًا اجتماعيًا مستقلًا، بل كجزء من حرب مركّبة. فقد وصف مجلس الأمن القومي الإيراني ما يجري بأنه «حرب هجينة» متواصلة، معتبرًا أن إسرائيل، منذ حرب الأيام الاثني عشر، تواصل استهداف الإيرانيين عبر أدوات غير عسكرية. ورأى أن الاحتجاجات التي بدأت على خلفية عدم استقرار السوق «جرت هندستها» نحو الفوضى الأمنية، مستشهدًا بتصريحات ترامب باعتبارها دليلًا على «تصميم مشترك» لزعزعة الاستقرار.
في المقابل، تحاول حكومة الرئيس مسعود بزشكيان السير على حبل مشدود: خطاب يدعو إلى التهدئة، وإجراءات اقتصادية قاسية، كإلغاء سعر الصرف التفضيلي وتوحيد الأسعار، التي فاقمت الغضب الشعبي بدل احتوائه. التحويلات النقدية المقترحة للناس (سبعة دولارات للفرد شهريًا) تبدو رمزية أمام انهيار الريال وارتفاع أسعار السلع الأساسية، فيما يعترف رأس السلطة التنفيذية نفسه بعجزه عن تقديم حلول سريعة.
بين 1978 و1979… والآن
اليوم، يحاول النظام الإيراني الجمع بين نفي خطر الحرب، ورفع منسوب التعبئة الأمنية، وفتح قنوات وساطة محدودة، في معادلة تعكس ارتباكًا أكثر مما تعكس ثقة. السؤال لم يعد ما إذا كانت هذه الموجة ستُسقط النظام، بل كم جولة إضافية يستطيع تحمّلها قبل أن يتحوّل الاستنزاف المزمن إلى كسر بنيوي، شبيه بذلك الذي أنهى نظام الشاه بعد 37 عامًا من الحكم.
وفي هذا السياق تحديدًا، قد يكون المسار الأقل كلفة هو الانتقال من منطق إدارة الاستنزاف إلى تسوية استباقية تنطلق من الإقليم، لا من الداخل وحده. تسوية تبدأ بإعادة تموضع محسوبة مع القوى الإقليمية الأساسية -تركيا، السعودية، مصر، وباكستان- بوصفها دولًا قادرة على إنتاج شبكة توازنات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة، ومن خلالها يمكن توفير ضمانات متبادلة للولايات المتحدة، لا على قاعدة الاشتباك ولا على قاعدة الاستسلام، بل ضمن إطار ضبط الصراع ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة، وصولًا إلى كبح التغوّل الإسرائيلي المتصاعد في الإقليم برمّته.
هذه التحوّلات لم تعد خيارًا سياسيًا مؤجّلًا، بل ضرورة يفرضها تغيّر بنية النظام العالمي نفسه. ما جرى في فنزويلا، وما يُلمَّح إليه اليوم في غرينلاند، يعكسان عالمًا أقلّ التزامًا بالقواعد القديمة، وأكثر استعدادًا لإعادة تعريف مناطق النفوذ بالقوة أو بالضغط المركّب. في عالم كهذا، لا الاشتباك المفتوح خيار عقلاني، ولا الاستسلام ممكن أو مستدام. المطلوب هو إعادة حسابات شاملة، وتموضع ذكي، يسمح لإيران بالخروج من موقع الاستنزاف الدائم إلى موقع الفاعل المتكيّف، قبل أن تُفرض عليها تسوية خارجية بشروط أشد قسوة وأضيق هامشًا.
مشاهدة الاحتجاجات في إيران لحظة الاختبار السياسي الأخيرة المدن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الاحتجاجات في إيران لحظة الاختبار السياسي الأخيرة المدن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على Tayyar.org ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الاحتجاجات في إيران: لحظة الاختبار السياسي الأخيرة؟ (المدن).
في الموقع ايضا :