ترك برس
تناول تقرير بصحيفة يني شفق التركية تفكيك ما جرى في فنزويلا بوصفه حلقة متأخرة من مشروع انقلابي طويل تقوده الولايات المتحدة للسيطرة على النفط، مستعرضًا آليات «الاحتلال الهجين» التي تجمع بين الضغط الاقتصادي، والحرب الإعلامية، والتدخل السياسي المباشر.
يربط كاتب المقال أرسين تشيليك، الحالة الفنزويلية بسجل تاريخي من الانقلابات والاغتيالات في دول غنية بالموارد، مستندًا إلى شهادات جون بيركنز حول منطق «الشركة–الحكم»، ليخلص إلى أن ما يحدث ليس استثناءً، بل نموذجًا متكررًا تحكمه لعنة النفط والعقلية الإمبريالية المستمرة.
وفيما يلي نص المقال:
إن قراءة ما جرى في فنزويلا الأسبوع الماضي بوصفه مجرد عملية غير متوقعة تعني تفويت فهم التاريخ القريب. فقد شاهدنا، بعد ساعات قليلة فقط من تصريح ترامب، على شاشات البث المباشر اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو من منزله في كراكاس ونقله إلى نيويورك.
هذه العملية التي قدّمتها الولايات المتحدة للرأي العام العالمي تحت غطاء "مكافحة الإرهاب المرتبط بالمخدرات" لم تكن في حقيقتها سوى الفصل الأخير من انقلاب تأخر اثنين وعشرين عامًا، ومن عملية نهب للطاقة بقيت ناقصة.
ولفهم هذا الاحتلال الهجين الذي نشهده اليوم، لا بد من التذكير بكيفية اصطدام النظام الإمبريالي بجدار صلب في فنزويلا عامي 2002 و2003. فالملف الفنزويلي لم يُغلق يومًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ بل جرى فقط انتظار اللحظة المناسبة. وأخيرًا، تجاوز دونالد ترامب الحدود السياسية المتعارف عليها، وغير الأسلوب، وأقدم على تعطيل قيادة دولة كاملة، في خطوة صدمت العالم بأسره.
فنزويلا ليست مجرد بلد يطفو على بحر من النفط ويعيش فقط على عائداته بل هي على العكس من ذلك، بلد يتعثر باستمرار بسبب ما يمكن تسميته لعنة النفط التي يمتلكها.
وفي الحقيقة، نشاهد المشهد نفسه يتكرر بصور مختلفة على امتداد خط طويل يبدأ من إيران ويمرّ بتشيلي، والإكوادور، والعراق، وبنما، وصولًا إلى ليبيا. فكل حالات الفوضى هذه تعود في جوهرها إلى سؤال واحد يتكرر دائمًا: من يسيطر على النفط ومشتقاته من الموارد تحت الأرض؟
هناك اسم واحد يقدّم إجابة لا تقدّر بثمن عن هذا السؤال الجوهري، استنادًا إلى تجاربه الشخصيةوهو جون بيركنز.
بيركنز هو أحد المحفزات الاقتصادية»للولايات المتحدة. ويعرّف طبيعة عمله قائلًا:
"المحفزات الاقتصادية هم محترفون ينهبون دولًا مختلفة حول العالم بمبالغ تصل إلى تريليونات الدولارات، ويجنون من ذلك أرباحًا طائلة. يقومون بتحويل الأموال من حسابات البنك الدولي، ووكالة التنمية الدولية الأمريكية ، وغيرها من مؤسسات المساعدات الدولية، إلى خزائن الشركات العملاقة التي تسيطر على الموارد الطبيعية للكوكب، وإلى جيوب عدد محدود من العائلات الثرية. ويستخدمون في ذلك أدوات مثل التقارير المالية المزورة، والانتخابات المفبركة، والرشوة، والابتزاز، والجنس، والاغتيالات. اللعبة التي يمارسونها قديمة قدم الإمبراطوريات، لكنها في عصر العولمة بلغت مستويات أكثر حداثة ورعبًا".
بدأت رحلة بيركنز عام 1968 عندما أُرسل إلى غابات الأمازون في الإكوادور لإنشاء تعاونيات ادخار وقروض. وبعد ذلك، تولّى مهام بالغة الحساسية لصالح البنك الدولي، والأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية، وشركات فورتشن 500. أما أنشطته الاستشارية في أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط، فلم تكن في جوهرها سوى انقلابات اقتصادية مخططة باسم بلاده.
وفي مطلع الألفية الجديدة، دوّن بيركنز تجاربه ليصبح كاتبًا معروفًا، واشتهر بسلسلة كتبه المعنونة اعترافات محفّز اقتصادي. وقد أُعيد نشر خمسة من كتبه في تركيا وأعدتُ قراءتها منذ اليوم الذي اغتصبت فيه الولايات المتحدة فنزويلا سياسيًا. هذه الكتب، التي حطمت أرقام المبيعات في أكثر من أربعين دولة، تكشف بالتفصيل كيف تُصنع الأزمات العالمية، وتفضح شيفرات اقتصاد الموت الأمريكي، وأدوار الدول والشركات واحدة تلو الأخرى. وبين السطور، يوضح جون بيركنز أيضًا لماذا لم تكن الأحداث التي تشهدها فنزويلا اليوم مفاجئة على الإطلاق.
الشركة-الحكم والتاريخ الدموي
عندما يفشل المحفزون الاقتصاديون في إغراق الدول الغنية بالنفط في مستنقع الديون، يدخل إلى المشهد قتلة سياسيون أو مدبّرو انقلابات. ويصف بيركنز هذه الآلية بمفهوم الشركة-الحكم. ومنذ إعلان مالكي المال سيطرتهم بعد الحرب العالمية الثانية، امتلأ تاريخ الانقلابات بأمثلة دامية، من بينها:
إيران 1953: أول عملية نفطية كبرى تُنفذ هنا. عندما قام رئيس الوزراء محمد مصدق بتأميم النفط، أُطيح به بانقلاب مدعوم من وكالة الاستخبارات المركزية، ونُصّب الشاه رضا بهلوي مكانه. وبقي النفط بعيدًا عن الشعب الإيراني حتى ثورة الخميني عام 1979.
تشيلي 1973: عندما سعى سلفادور أليندي إلى وضع المناجم والموارد الطبيعية في خدمة الشعب، قُصف القصر الرئاسي، وقُتل أليندي، وجيء بالجنرال أوغستو بينوشيه. ذهبت الديمقراطية، وتدفقت الموارد نحو الولايات المتحدة.
بنما والإكوادور 1981: في بعض الدول لم تكن هناك حاجة لانقلاب عسكري. في بنما، قُتل عمر توريخوس بتحطم طائرة بعد فترة قصيرة من استعادته قناة بنما من الولايات المتحدة. وفي الإكوادور، لقي الرئيس خايمي رولدوس المصير نفسه بعد ثلاثة أشهر فقط من تبنّيه سياسة وطنية معادية لشركات النفط. كلا الزعيمين أُزيحا عبر اغتيالات صُوّرت كحوادث عرضية.
العراق 200): جرى الاستيلاء على نفط العراق أمام أنظار العالم. خُنق صدام حسين بالعقوبات، ثم احتُل البلد بذريعة أسلحة الدمار الشامل. لم تُعثر على الأسلحة، لكن النفط بقي في مكانه الصحيح. انهارت الدولة، لكن تدفق النفط إلى الاقتصاد الأمريكي لم يتوقف.
ليبيا 2011: عندما بدأ معمر القذافي بالتشكيك ليس فقط في النفط، بل في نظام الدولار نفسه، بدأ قصف الناتو. جرى قتل القذافي، وتحولت ليبيا إلى دولة فوضوية، لكن أصحاب النفط ظلوا معروفين.
وسط هذا المشهد الدموي، لم يقترب أحد من خامس أكبر منتج للنفط في العالم: السعودية. بقي النظام آمنًا دائمًا، لأن النفط كان مُدلرًا ويتدفق إلى العنوان الصحيح.
فنزويلا الحلقة المقاومة في السلسلة
أما فنزويلا، فقد أصبحت الحلقة المقاومة في هذه السلسلة. عندما وصل هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1998، كانت البلاد قد أُفقرت بفعل وصفات صندوق النقد الدولي. اتخذ تشافيز موقفًا ثوريًا، لكنه في الواقع كان يحاول استعادة حقوق بلاده المنهوبة. وهنا تحديدًا كانت المشكلة بالنسبة إلى واشنطن.
الآلية التي وصفها بيركنز طُبقت في فنزويلا حرفيًا ضغط اقتصادي، ثم عمليات إعلامية وحرب إدراك، ثم تحركات سياسية.
وبالاستناد إلى التسلسل الزمني الذي يقدمه بيركنز، يمكن تلخيص محاولات الانقلاب خلال 22 عامًا على النحو الآتي:
11 نيسان/أبريل 2002: في الصباح، بدأت المعارضة مسيرة في كراكاس باتجاه قصر ميرافلوريس. عند الظهر سُمعت أصوات إطلاق نار، وبدأت القنوات الخاصة بطمس الصور. مساءً، جرى الترويج لكذبة استقالة تشافيز، وفي منتصف الليل اختطفه الانقلابيون.
12 نيسان/أبريل 2002: أعلن رجل الأعمال بيدرو كارمونا نفسه رئيسًا مؤقتًا. جرى حل البرلمان وتعليق الدستور. وبدأت الولايات المتحدة بتلميع المشهد والترويج لـ"العودة إلى الديمقراطية".
13 نيسان/أبريل 2002: انقلبت الصورة فجأة. خرج الشعب الفنزويلي إلى الشوارع، وتحرك جنود لم يشاركوا في الانقلاب. فر كارمونا، وعاد تشافيز إلى منصبه قبل مرور 72 ساعة، وقال كلمة واحدة فقط: أنا هنا.
انتقام بعد 22 عامًا
بحلول عام 2003، كانت أمام واشنطن ثلاثة ملفات: أفغانستان، والعراق، وفنزويلا. وبعد صدمة 11 أيلول، لم تكن تملك القدرة على خوض حروب متزامنة على ثلاث جبهات، فتم تجميد الانقلاب غير المكتمل في فنزويلا.
حتى عام 2019. حينها أطلقت الولايات المتحدة مناورة خوان غوايدو. كان أول من اعترف بغوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا، هو الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب. لكن مادورو، مستندًا إلى دعم شعبه، صمد. ومع خسارة ترامب الانتخابات عام 2020، انتهى مشروع غوايدو.
غير أن الملف لم يُغلق. عاد ترامب إلى السلطة عام 2024، وأكمل هذه المرة الانقلاب الذي فشلت إدارة بوش في تنفيذه قبل 22 عامًا، والذي حاول هو نفسه تمريره عبر بيادق في ولايته الأولى، ولكن بأسلوب مباشر: اختطاف رئيس دولة. وكما يقول بيركنز: قد تتغير الأساليب، لكن لعنة النفط وهدف الشركة-الحكم لا يتغيران أبدًا.
أما الولايات المتحدة والعقلية الإمبريالية، فلا تتغير أبدًا. فلعنة النفط تواصل، على الخريطة، العثور على الدول، والقادة، والشعوب البريئة، لتدميرهم وحرقهم. وأضحى من الواضح أن الدور قد وصل إلى جارنا إيران!
مشاهدة الانقلابات التي لا ت علن من التقارير المزورة إلى خطف الرؤساء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الانقلابات التي لا ت علن من التقارير المزورة إلى خطف الرؤساء قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الانقلابات التي لا تُعلن.. من التقارير المزورة إلى خطف الرؤساء.
في الموقع ايضا :