كتب - زياد فرحان المجالي لم تكن مينيسوتا مجرّد خبرٍ أمريكيّ داخلي عن اشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدرالية، ولا كانت حادثة قتل أمّ لثلاثة أطفال مجرّد "واقعة أمنية” تُضاف إلى سجل الحوادث المعقّدة في بلدٍ واسعٍ مثل الولايات المتحدة. ما حدث – وما يتوسع كل يوم – أقرب إلى امتحان حقيقي لما تبقى من روح الفدرالية الأمريكية، ولحدود سلطة الحكومة المركزية على الولايات، ولمدى قدرة رئيسٍ – مثل ترامب – على تحويل السياسة إلى "أمن”، وتحويل الأمن إلى ذريعة لضرب المجتمع من الداخل. القصة بدأت من حادثة مقتل رينيه نيكول غود، لكن ما تلاها كان أخطر من الرصاصة: تصعيدٌ غير مسبوق، احتجاجات، استخدامٌ للغاز المسيل للدموع، ثم انتقالُ المواجهة إلى مستوى أعلى: دعوى قضائية رفعتها ولاية مينيسوتا وانضمت إليها مينيابوليس وسانت بول ضد إدارة ترامب ووزارة الأمن الداخلي. هنا… لم يعد الأمر "هجرة”، بل صار سؤالًا وجوديًا في الديمقراطية الغربية: عندما تتواجه ولاية بأكملها مع الحكومة الفيدرالية… من يحكم من؟ ومن يملك الأرض؟ ومن يملك الحقيقة؟ 1) ماذا يعني أن ترفع ولاية دعوى ضد رئيس؟ في النظام الأمريكي، رفع ولاية دعوى ضد الإدارة الفيدرالية ليس مشهدًا مستغربًا؛ لكنه حين يأتي في ذروة اشتباك سياسي/أمني، يصبح علامة على تحوّل الأزمة من خلاف سياسي إلى أزمة "توازن سلطات”. مينيسوتا تقول: إن حملة الهجرة تجاوزت حدود إنفاذ القانون، وتحولت إلى ممارسة قسرية تمس حقوقًا دستورية أساسية، على رأسها التعديل الأول (حرية التعبير والتجمع). بينما الإدارة الفيدرالية تدافع عن نفسها بمنطقٍ واحد: "نحن نطبق القانون”، وتتهم الولاية بأنها تعرّض السلامة العامة للخطر. هذا يعني أن الأزمة ليست أزمة مهاجرين فقط، بل أزمة تفسير للدستور نفسه: هل يُسمح للدولة الفيدرالية أن تتحول إلى "قوة ميدانية” تعمل كجيش داخل المدن؟ 2) لماذا مينيسوتا تحديدًا؟ ولماذا الآن؟ بعض التحليلات ترى أن اختيار مينيسوتا ليس تفصيلاً إداريًا، بل جزء من خطاب سياسي واسع يتعامل مع الولايات التقدمية كخصم، خصوصًا الولايات التي تُعرف بأنها أكثر ترحيبًا بالمهاجرين وتميل للديمقراطيين. التعهد بإرسال أكثر من 2000 عنصر، ووصف العملية بأنها الأضخم، يجعل الصورة أقرب إلى عملية "إظهار قوة” داخلية. إنها رسالة: نحن لا نتفاوض، نحن ننفّذ. وفي السياسة، حين يُستبدل التفاوض بالتنفيذ، فهذه ليست إدارة خلاف… هذه إدارة إخضاع. 3) هل ما يحدث مجرد "إنفاذ قانون” أم "هندسة دولة”؟ المؤشر الأخطر في قضية مينيسوتا هو أن أدوات الدولة المستخدمة ليست أدوات إصلاح إداري، بل أدوات قمع/ردع: انتشار أمني واسع اشتباكات مع متظاهرين غاز مسيل للدموع توسيع عمليات الاعتقال (قيل أكثر من 2000 اعتقال منذ ديسمبر) هذه ليست طريقة "دولة قانون” تهدئ الشارع، بل طريقة دولة تحاول إعادة هندسة الشارع نفسه، بحيث يصبح الاعتراض عبئًا، والتجمع تهديدًا، والمطالبة بالعدالة "فوضى”. وهنا ندخل إلى السؤال الأخطر: هل ترامب يريد تغيير الفدرالية الأمريكية؟ 4) ما هي الفدرالية الأمريكية أصلًا؟ ولماذا هي عائق أمام ترامب؟ الفدرالية الأمريكية تعني أن الولايات ليست محافظات تابعة، بل كيانات لها سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في كثير من الملفات. ترامب – تاريخيًا – بنى خطابه السياسي على كسر "القيود”، وتحويل الدولة من شبكة توازنات إلى مركز قيادة، ومن بيروقراطية توافقية إلى قيادة صدامية. بمعنى أدق: الفدرالية تمنع "الانفراد”. وهذا ما لا يحبه ترامب. لذلك، حين تتمدد وزارة الأمن الداخلي داخل ولاية، وتتعامل كأنها سلطة فوق محلية، فإنها عمليًا تقضم من روح الفدرالية: لأنها تقول للولاية (ضمنيًا): السيادة هنا ليست لك. 5) هل يستطيع ترامب قانونيًا تغيير قواعد الفدرالية؟ الجواب العلمي: ليس بسهولة… ولا بقرارٍ واحد. تغيير قواعد الفدرالية يحتاج: تشريعات كبرى توافقات في الكونغرس أحكام قضائية وأحيانًا تعديلات دستورية (وهذا شبه مستحيل سياسيًا) لكن… ترامب لا يحتاج إلى تغيير الدستور لكي يغيّر "الواقع”. وهنا الخطورة. 6) تغيير الدستور ليس لازمًا… يكفي تغيير "الممارسة” في التاريخ السياسي، كثير من الأنظمة لم تُسقط الدساتير؛ بل أفرغتها من مضمونها عبر: توسيع صلاحيات الأجهزة إضعاف رقابة الولايات خلق عدو داخلي دائم ربط الاعتراض بالأمن القومي مينيسوتا تقدم نموذجًا واضحًا لهذا المسار: مواجهة داخلية تُقدَّم على أنها "حملة أمنية”، ثم تتحول إلى سياسة دولة. وهذا هو جوهر مشروع ترامب: تحويل ملفات السياسة إلى ملفات أمنية. 7) أين يقف القضاء؟ وهل سيوقفه؟ القضاء الأمريكي تاريخيًا عنصر فرملة قوي أمام تجاوزات السلطة التنفيذية، خصوصًا في الملفات الدستورية والحريات. ونقطة قوة دعوى مينيسوتا أنها لا تتحدث عن خلاف إداري، بل عن: التعديل الأول الحقوق الدستورية حرية التعبير والتجمع أي أنها تضع الملف مباشرة في قلب "الشرعية”. لكن… حتى لو كسبت مينيسوتا القضية لاحقًا، فإن ما يحدث اليوم يخلق واقعًا جديدًا: الخوف، والإرهاق، وتآكل الثقة. 8) هل يستطيع ترامب "كسر الولايات”؟ لا يستطيع رسميًا أن يلغي سلطات الولايات، لكنه يستطيع: إنهاكها أمنيًا إغراقها في النزاعات القضائية شيطنتها إعلاميًا تحميلها مسؤولية الفوضى تحويلها إلى "ساحة” اختبار لإعادة ضبط المجتمع وهذا تحديدًا ما نراه: ولاية تتهم الإدارة باستهدافها سياسيًا، والإدارة ترد بخطاب يقول إن الولاية تهدد الأمن العام. 9) لماذا رد الفعل الشعبي كبير؟ لأن حادثة قتل رينيه غود ليست حادثة عادية في الوعي الأمريكي. فهي تقع في سياق حساس: المجتمع الأمريكي يعيش منذ سنوات على جرح عميق متعلق بالشرطة والعنف وحقوق الإنسان. هنا، حين يُقتل مواطن/مواطنة برصاص عنصر فيدرالي، ثم يقال للناس: "هي تهديد”، وتُواجه رواية الإدارة بفيديوهات تُفندها، يصبح الصراع صراع رواية لا صراع حادثة. والشعوب – حين تفقد ثقتها بالرواية – لا يبقى في يدها إلا الشارع. 10) أين تتجه الأزمة؟ السيناريوهات الثلاثة السيناريو الأول: احتواء سياسي تراجع تكتيكي، تخفيف وجود، تسوية إعلامية، دون تغيير جذري. السيناريو الثاني: تصعيد محكوم استمرار وجود العناصر، مع فرض قواعد ميدانية، وإدامة الضغط. السيناريو الثالث (الأخطر): تعميم النموذج أي تحويل "مينيسوتا” إلى نموذج قابل للتكرار في ولايات أخرى، خصوصًا تلك التي تعارض سياسات ترامب. الخلاصة: هل ترامب يغيّر الفدرالية؟ نعم… ليس على الورق بل على الأرض. هو لا يُعدّل الدستور، لكنه يحاول تعديل ميزان القوى، وتوسيع الدولة الأمنية، وإعادة تعريف معنى "السيادة” داخل الاتحاد. الفدرالية الأمريكية صمّام حماية من الاستبداد المركزي؛ وترامب – في عقله السياسي – يرى فيها عقبة، لا حماية. ومينيسوتا ليست مجرد احتجاجات… إنها إنذار مبكر: إما أن ينتصر منطق الدستور، أو ينتصر منطق القوة. وفي دولةٍ تؤمن بأنها "زعيمة العالم الحر”، حين يتقدم الغاز المسيل للدموع على الحوار… فهذه ليست أزمة ولاية، بل أزمة نموذج. .
مشاهدة مينيسوتا hellip اختبار الفدرالية الأخير هل يصنع ترامب ldquo دولة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مينيسوتا اختبار الفدرالية الأخير هل يصنع ترامب دولة أمنية فوق الولايات عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.