واديًا وتلًّا كنا نسير ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

سليمان سيفي أوغون - يني شفق

كان المرحوم تيومان دورالي يكتب ويقول دائمًا — بإصرار — إن اللغة التركية تتعرّض لـ«إبادة».قد يكون هذا الوصف — بالنسبة للبعض — قاسيًا. لكن لا بدّ من الاعتراف بأنّه يعبّر بوضوح صادم عن حالة التدهور التي وصلنا إليها في مسألة اللغة.

هناك معايير متعدّدة يمكن استخدامها لقياس ثراء أي لغة. أحد أهم هذه المعايير هو عدد الكلمات التي تبدو مترادفة ظاهريًا، لكنها تحمل فيما بينها فروقًا دقيقة. كلمة «مترادف» في أصلها اللاتيني تعبّر بالضبط عن هذا. وكل من يريد التعمّق في أي لغة، يصل في مرحلة ما إلى الحاجة لامتلاك معجم للمترادفات.

وعندما يتناقص عدد الكلمات — وخاصة المترادفات — تبدأ الانسدادات في العلاقات الإنسانية بالظهور. بمعنى آخر: فقر اللغة يفسد العلاقات. نصبح عاجزين عن التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا. وكلما ضاقت إمكانيات التعبير، ازدادت صعوبة حلّ المشكلات، بل وتظهر مشكلات جديدة فوقها.

لم ألاحظ دراسات جادة كثيرة حول هذا الأمر، لكنني أعتقد أن هناك علاقة بين فقر اللغة وتصاعد العنف في الحياة اليومية. فحين تعجز اللغة، يترك الناس الحلول المتحضّرة جانبًا، ويلجؤون إلى سحق الآخر — بل إلغائه — للوصول إلى النتيجة. وهكذا تتحول خسارة اللغة إلى خسارة حضارية أخطر بكثير.

الثقافة العالمية السائدة اليوم تزيد هذا الوضع سوءًا. المجتمعات المكوّنة من أفراد نرجسيين يحوّلون مشاعرهم المضطربة إلى أفعال قاسية بأسرع الطرق. الأنظمة تدفع الأفراد باستمرار إلى صراعات الحياة اليومية تحت لافتة «النجاح القائم على المنافسة». وهذا في الحقيقة الشكل الأقصى من «الداروينية الاجتماعية».

كل منافسة تقوم على سحق المنافسين وإقصائهم. وهذا السلوك اللاإنساني يُقدَّم على أنه طبيعي و«ضروري» للتقدّم، بل ويُجمَّل ويُمجّد. أما الخسائر والانهيارات التي يتسبب بها هذا «النجاح المقدّس» فلا أحد يلتفت إليها. فالنجاح، سواء كان فرديًا أو جماعيًا، يظل دائمًا حالة فردية — ومعنى ذلك: خسارة التعدّد.

ابتداءً من ستينيات القرن الماضي، انتشرت ثقافة المنافسة التي بدأت في العالم الأنجلوسكسوني — خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي — حتى أصبحت أيديولوجيا مهيمنة في العالم. هذه الثقافة دمّرت الكتل العامة التي كانت — ولو جزئيًا — تؤدي وظيفة مقاومة تاريخية ضد الاختلالات التي تخلقها المنافسة المتوحشة. قلة قليلة فقط حذرت يومها من العواقب السيئة لهذه المسيرة، ودعت إلى نماذج عامة جديدة، لكن جرى السخرية منهم ووصمهم بالجمود والديناصورية.

من الجوانب الحرجة كذلك تدهور معايير النجاح. فالنماذج التي كانت مرتبطة بالثراء العقلي والروحي سقطت بسرعة، وتحول النجاح إلى مفهوم اقتصادي مادّي بحت، لا معنى له إلا في الاستهلاك. وهنا يأتي «رأسمالية الاستهلاك» لتعبّر عن نفسها بوضوح. ومع الوقت صار النجاح الفردي لا يُترجم اجتماعيًا إلا عبر الاستهلاك، بينما فُتح الطريق مباشرةً أمام المنافسة، وأصبح الأمر كله يقوم على إنقاص الآخرين.

اللغة — داخل هذه الثقافة الاستهلاكية الوحشية — تُعتبر عبئًا زائدًا. لا حاجة إلى الدقة والظلال اللغوية. فهناك دائمًا صراخ، وشتائم، وضحك هستيري، وبكاء شديد… فما الحاجة إذن إلى اللغة؟

وليس من المستغرب أن يقود هذا في النهاية إلى جنون إنساني شامل. شيئًا فشيئًا ندرك أن النظام الاقتصادي العالمي وثقافته المسيطرة يتعارضان مع الفطرة الإنسانية. الأرقام العالمية تظهر أننا نعيش مرحلة غير مسبوقة من اللامساواة والفقر. ومع ذلك، فإن الذين صنعوا هذا النظام نفسه بدأوا بدورهم يخسرون — لكنهم لا يتعلمون — بل يزدادون تشددًا ويعرّون لغة الاقتصاد أكثر.

ما نعيشه اليوم ليس إلا استمرارًا لنفس الموجة، لكن بأسلاك مكشوفة بدل الأسلاك المعزولة. شخصية مثل ترامب ليست انحرافًا عن المسار — بل هي نتيجته الطبيعية. ومن المؤشرات الأكثر دلالة: تلاشي لغة الدبلوماسية، واستبدال الدبلوماسيين برجال الأعمال.

باختصار: نحن نمرّ بعصرٍ بلا لغة — وعنيفٍ في الوقت نفسه.

هل كانت الحكايات محقّة؟ هل مشينا «الجبال والسهول» ولم نتقدم قيد أنملة؟

هل ما زالت في داخلنا جينات آكلة اللحوم حيّة؟…

مشاهدة وادي ا وتل ا كنا نسير

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ وادي ا وتل ا كنا نسير قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، واديًا وتلًّا كنا نسير.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار