محاصرة مصر من الجنوب.. صوماليلاند والنيل والهندسة الجيوسياسية الإسرائيلية ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

ترك برس

استعرض مقال للكاتب والمحلل التركي نجم الدين أجار، التحرك الإسرائيلي في صوماليلاند بوصفه جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف تطويق مصر جيوسياسيًا عبر القرن الأفريقي وحوض النيل، لا مجرد مناورة تكتيكية ضد تركيا أو امتدادًا للقضية الفلسطينية.

يربط الكاتب في مقاله بمجلة كريتيك باكيش بين سد النهضة، تفكك السودان، عدم الاستقرار في ليبيا، وباب المندب، باعتبارها حلقات في تصميم يهدف إلى إخراج القاهرة من موقعها التاريخي كدولة محورية في الشرق الأوسط.

ويشير الكاتب إلى التحول القسري في موقع مصر الاستراتيجي، من ركيزة توازن في المشرق العربي إلى دولة منشغلة بأزمات المياه والحدود في أفريقيا. ويجادل بأن هذا التحول ليس نتيجة خيار مصري حر، بل نتاج هندسة جيوسياسية تقودها إسرائيل بدعم غربي، تستثمر في هشاشة الاقتصاد المصري لإعادة ضبط موازين القوة الإقليمية.

وفيما يلي نص المقال:

لا ينبغي النظر إلى العملية التي تمتد من الاعتراف بصوماليلاند إلى سد النهضة، ومن عدم الاستقرار في السودان وليبيا إلى التوترات على طول مضيق باب المندب، على أنها سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل كهندسة جيوسياسية شاملة تحاصر مصر تدريجياً. ويكمن جوهر هذه الهندسة في هدف إسرائيل المتمثل في تخفيف قبضتها على بلاد الشام وإدانة مصر بتفاقم مشاكل الأمن والتنمية على طول محوري النيل والسويس.

وقد فُسِّرت إسرائيل، باعتبارها أول دولة تعترف بصوماليلاند، في البداية على أنها جبهة جديدة في التنافس بين تركيا وإسرائيل يمتد إلى القرن الأفريقي، أو على أنها استمرار لسياسة نفي الفلسطينيين إلى صوماليلاند. ونظراً لأن الصومال تستضيف قاعدة عسكرية تركية وتعمل بشكل وثيق مع أنقرة، فقد اعتُبرت هذه الخطوة أيضاً ”بحثاً عن ميزة استراتيجية في الحرب الباردة التركية-الإسرائيلية“ من خلال استهداف سلامة أراضي الصومال. ومع ذلك، فإن هذا الإطار لا يفسر التصميم الجيوسياسي الأوسع الذي يتشكل على أرض الواقع.

في الواقع، ينبغي النظر إلى قرار إسرائيل بشأن صوماليلاند على أنه جزء من بنية جيوسياسية أكثر شمولاً تركز على حوض النيل والقرن الأفريقي، وتتجاوز الديناميكية التنافسية المحدودة مع تركيا أو البحث عن منطقة جديدة يمكن نفي الفلسطينيين إليها. من خلال تحركها بشأن صوماليلاند، لا تجعل تل أبيب الصومال عرضة للتفكك الفعلي فحسب، بل تعمق أيضًا الهشاشة في حوض النيل الأعلى، وتبني استراتيجية حصار تحاصر مصر في مشاكل طويلة الأمد ناشئة في أفريقيا.

عند النظر إلى أزمة سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، والتقسيم الفعلي للسودان، والحرب الأهلية المستمرة فيه، يظهر تصميم جيوسياسي يركز على إسرائيل ويحصر مصر في دائرة متقلصة من عدم الاستقرار حول جنوب وشرق أفريقيا. الهدف الأساسي من هذا التصميم هو إزالة مصر من موقعها كـ ”دولة محورية“ في الشرق الأوسط وتقليصها إلى ”دولة أفريقية مضطربة“ غارقة في الأزمات الداخلية. بعبارة أخرى، فإن تحرك إسرائيل في صوماليلاند ليس مجرد جبهة جديدة في المنافسة التركية-الإسرائيلية أو امتدادًا للقضية الفلسطينية؛ بل هو عنصر أساسي في استراتيجية تهدف إلى إغراق مصر في المشاكل الأفريقية وتحييد أحد أهم العقبات الإقليمية التي تعترض خطط إسرائيل في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

مصر كمركز ثقل في المنطقة

مصر هي دولة كانت مركز القوة والجاذبية في الشرق الأوسط منذ العصور القديمة بسبب تاريخها وتراثها الثقافي وموقعها الجيوسياسي وديموغرافيتها. حكمت مصر حوض النيل وشرق البحر الأبيض المتوسط منذ العصر الفرعوني، وشنت حملات عسكرية شكلت المناطق المحيطة بها من خلال إنشاء جيوش قائمة على القوة البرية والبحرية. في فترة ما بعد الإسلام، تولت مصر القيادة العسكرية على نطاق واسع، من الحروب الصليبية إلى زحف المغول، ومن النضالات المناهضة للاستعمار في فترة ما بعد العثمانيين إلى العصر الحديث، مروراً بالعائبة والمماليك، حيث لعبت دوراً مركزياً في الدفاع عن العالم الإسلامي.

مع ظهور الدول القومية في الشرق الأوسط الحديث، جعل هذا الإرث التاريخي والخبرة العسكرية دور مصر الإقليمي أكثر أهمية. في منطقة محاطة بأنظمة ذات شرعية اجتماعية هشة، وقدرة ديموغرافية محدودة، ومزايا جيوسياسية ضعيفة، ومضطرة للاعتماد على الغرب في مجال الأمن، تظل مصر، التي تتميز بخبرتها الحربية في الفترات ما قبل الإسلامية والإسلامية، أحد المحاور الرئيسية للمعادلة الإقليمية، ومن المتوقع أن تضطلع بدور مؤسسي في بنية الأمن في الشرق الأوسط.

أدى إنشاء إسرائيل في عام 1948 وتحولها نحو سياسة توسعية تنقيحية إلى جعل الجهات الفاعلة ذات القدرات العسكرية العالية والخبرة القتالية لا غنى عنها في المعادلة الإقليمية. في هذه الأجواء، برزت مصر ليس فقط باعتبارها مركز الثقل التاريخي للشرق الأوسط، بل أيضاً باعتبارها أقوى خط مقاومة ضد التنقيح الإسرائيلي.

في حروب 1948 و1956 و1967 و1973، كانت مصر الفاعل الرئيسي، حيث خاضت في كل مرة حربًا مباشرة مع إسرائيل على خط المواجهة. على الرغم من أنها عانت في كثير من الأحيان من هزائم عسكرية، إلا أن مقاومة القاهرة السياسية والعسكرية للاتجاهات التوسعية الإسرائيلية، التي كانت تتحدى باستمرار الحدود القائمة والوضع الراهن، حدّت من قدرة تل أبيب على تشكيل المنطقة من جانب واحد. من بين العواصم العربية، وضعت مصر نفسها كأهم حاجز أمام النزعة الإصلاحية الإسرائيلية، سواء من حيث مستوى تنظيمها العسكري أو قدرتها على التعبئة الاجتماعية والسياسية. وبالتالي، على الرغم من أن مصر لم تحقق دائمًا النجاح العسكري المرجو من حيث النتائج، إلا أنها ظلت أقوى وأكثر نقاط المقاومة استقرارًا في الشرق الأوسط ضد محاولات إسرائيل إعادة تعريف النظام الإقليمي من جانب واحد.

أدى عدم القدرة على تعويض التكلفة الاقتصادية الباهظة للهزائم العسكرية بشكل مستدام إلى فتح الباب أمام عملية جديدة وأكثر إضعافًا لمصر. في أعقاب الحروب التي خسرتها على الجبهات، تحمل الاقتصاد الهش بالفعل عبئًا ثقيلًا. أدت نفقات الحرب وتدمير البنية التحتية وتضخم ميزانية الدفاع وعدم القدرة على تحويل الموارد إلى القطاعات الإنتاجية إلى جر مصر إلى أزمة اقتصادية متفاقمة. على الرغم من خبرتها العسكرية التاريخية وقدرتها على التعبئة الاجتماعية، كانت القاهرة تفتقر إلى الوسائل المالية والمؤسسية لتعويض هذا الضعف الاقتصادي.

كان هذا الضعف هو الذي خلق الظروف التي جعلت مصر تتعرض للضغط على طاولة المفاوضات إلى الحد الذي لم يكن من الممكن هزيمتها في ساحة المعركة. من خلال زيادة الاعتماد المالي للبلاد، وزيادة عبء ديونها، وتحويل حاجتها إلى التنمية إلى وسيلة للضغط، تم دفع مصر تدريجياً نحو ”سلام قسري“. ينبغي قراءة اتفاقيات كامب ديفيد الموقعة في عام 1979 على أنها النتيجة المتبلورة لهذا المسار: لم يضطر الضعف الاقتصادي لمصر البلد إلى توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل فحسب، بل حصره أيضاً في إطار جعل سياسته الخارجية تتماشى إلى حد كبير مع أولويات إسرائيل الأمنية. وهكذا، فإن مصر، التي كانت تاريخياً أقوى نقطة مقاومة لإسرائيل في المجال العسكري، دفعت تدريجياً إلى موقف الاستسلام تحت ضغط هشاشتها الاقتصادية.

دفع مصر نحو أفريقيا كاستراتيجية جديدة لإحاطة إسرائيل

مصر، التي كانت نقطة المقاومة الأكثر أهمية للتنقيح الإسرائيلي منذ بدايته، أصبحت طرفًا يحافظ على ”سلام قسري“ مع إسرائيل منذ الثمانينيات. بينما تفسر بعض الدوائر هذا الوضع على أنه خيار سياسي واعٍ من جانب القاهرة، ”تغيير واقعي في الاتجاه“، فإنه في الواقع ينبغي فهم هذه الضرورة على أنها نتيجة حتمية للضعف الاقتصادي المزمن لمصر.

تكافح مصر، التي شكلت أقوى حصن في المنطقة ضد المراجعة الإسرائيلية من حيث التاريخ العسكري والقدرات وقوة التعبئة الاجتماعية، من أجل الحفاظ على هذه المقاومة بسبب ضعفها الاقتصادي. إن أعباء الديون المتزايدة، والاعتماد على المساعدات الخارجية، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية تجبر القاهرة على قبول إطار السلام الموقع مع إسرائيل بعد عام 1979 كشرط ”لا غنى عنه“ تقريبًا للأمن والاستقرار المالي.

لكن اليوم، فإن العملية التي جعلت مصر أحد الضامنين الأساسيين لأمن إسرائيل في الثمانينيات تصل إلى عتبة جديدة؛

هذا التصميم الجيوسياسي، الذي لا يجعل مصر عاجزة عن مقاومة النزعة الإصلاحية الإسرائيلية فحسب، يهدف إلى إخراج البلاد من المحور التأسيسي للسياسة الشرق أوسطية ودفعها إلى موقع ”دولة أفريقية مضطربة“ تعاني من أزمات المياه والهشاشة الجيوسياسية على طول حدودها.

بالنسبة لأولئك المطلعين على تاريخ مصر وجغرافيتها السياسية، لا جدال في أن نهر النيل هو ”شريان الحياة“ الحقيقي للبلاد. من الزراعة إلى مياه الشرب، ومن إنتاج الطاقة إلى أنماط الاستيطان السكاني، يشكل نهر النيل أساس الأمن الاقتصادي والاستقرار السياسي لمصر.

مع افتتاح قناة السويس في عام 1869، اكتسبت مصر أهمية استراتيجية جديدة. فبينما يغذي النيل الحيوية الاقتصادية الداخلية للبلاد، أصبحت قناة السويس أحد الشرايين الرئيسية للتجارة العالمية. وقد وفرت هذه الطريق، التي تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، وبالتالي أوروبا بآسيا، لمصر نفوذاً جيوسياسياً فريداً. واليوم، فإن عائدات العبور، وأمن الطاقة وطرق التجارة، والتوازن الهش للاقتصاد المصري، تجعل الدور الحاسم لقناة السويس أكثر وضوحاً.

في هذا السياق، لا يمثل النيل والسويس مجرد معلمين جغرافيين، بل ركيزتين لا غنى عنهما للأمن الاقتصادي للبلاد وعقيدة الدفاع العسكري. يجب النظر إلى نظام المياه في النيل وأمن السويس على أنهما شريانان رئيسيان يحددان بشكل مباشر ازدهار مصر الوطني واستقلاليتها الاستراتيجية وقدرتها على الصمود في أوقات الحرب.

يمكن تفسير الخط الذي تتبعه إسرائيل والولايات المتحدة منذ عام 2000 إلى حد كبير على أنه استراتيجية لتطويق مصر من خلال خلق أزمات جيوسياسية على طول خطوط أعالي النيل وباب المندب. دعم الولايات المتحدة، وخاصة إسرائيل، لسد النهضة (GERD) الذي شيدته إثيوبيا على نهر النيل، وتقسيم السودان وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية عميقة عبر الإمارات العربية المتحدة، وعدم الاستقرار الذي تسببه الميليشيات المدعومة من الإمارات في ليبيا، وأخيراً اعتراف إسرائيل بصوماليلاند كدولة مستقلة، هي تطورات تكشف عن الحصار الجيوسياسي المفروض على مصر.

وينبغي النظر إلى هذه الصورة على أنها جزء من مخطط جيوسياسي يركز على إسرائيل وليس مجموعة عشوائية من الأزمات. والهدف من ذلك هو إجبار مصر على التركيز على القضايا الأمنية على طول حدودها وتعميق الاختناقات الاقتصادية من خلال خلق أزمات أمنية مائية في حوض النيل الأعلى ومخاطر أمنية تجارية وبحرية حول باب المندب والسويس. وبالتالي، يتم إبعاد مصر عن دورها التاريخي التأسيسي والموازن في بنية الأمن في الشرق الأوسط؛ ويتم دفعها إلى موقف دولة تعاني من أزمات المياه والحدود والاستقرار الداخلي وسبل العيش، محاصرة في ”مشاكل أفريقية“.

في صميم هذه الاستراتيجية تكمن أهداف إسرائيل التحريفية في منطقة المشرق العربي. إن استبعاد القاهرة التدريجي من ملف المشرق العربي سيفتح مجالاً أكثر مرونة وأقل تكلفة لإسرائيل في شرق البحر الأبيض المتوسط وعلى طول الخط الفلسطيني-السوري. بعبارة أخرى، فإن عدم الاستقرار في منطقتي أعالي النيل والسويس سيدفع مصر نحو أفريقيا، بينما سيساهم في إزالة أحد أكثر الحواجز التاريخية والقوية التي تعترض مراجعة إسرائيل في بلاد الشام.

وبالتالي، فإن العملية التي تمتد من الاعتراف بصوماليلاند إلى سد النهضة، ومن عدم الاستقرار في السودان وليبيا إلى التوترات على طول خط باب المندب، يجب أن تُقرأ ليس كأزمات منفصلة، بل كهندسة جيوسياسية متماسكة تحاصر مصر تدريجياً. ويكمن في صميم هذه الهندسة هدف تخفيف قبضة إسرائيل على بلاد الشام وإدانة مصر بتعميق مشاكل الأمن والتنمية على طول محوري النيل والسويس. إن تآكل الدور المحوري التاريخي لمصر في بنية الأمن في الشرق الأوسط لا يعني فقط إضعاف القاهرة، بل أيضاً إضعاف التوازن والاستقرار الإقليميين. لذلك، فإن السؤال الأساسي هو: من يستفيد من محاصرة مصر جيوسياسياً سيشكل إلى حد كبير مستقبل الشرق الأوسط الهش وفقاً لرؤيته.

مشاهدة محاصرة مصر من الجنوب صوماليلاند والنيل والهندسة الجيوسياسية الإسرائيلية

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محاصرة مصر من الجنوب صوماليلاند والنيل والهندسة الجيوسياسية الإسرائيلية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محاصرة مصر من الجنوب.. صوماليلاند والنيل والهندسة الجيوسياسية الإسرائيلية.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار