يلحظ راصد المشهد الثقافي (عربيّاً) أن مستقبل الثقافة غدا رهن مهارة التسليع والتسويق، التي يجيدها المشاهير خصوصاً في عالم التواصل الحامل مفاجآت لا تتوقف، وتقذف بالزبد الذي يذهب جفاءً دون أن يترك أثراً إيجابياً على الانتماء والهويّة، ويبدو أن المسؤولين عن الثقافة استمرأوا الظاهرة، إن لم يكونوا سبباً رئيساً لحدوثها، ومباركين لنتائجها؛ فيما نخبة معنيّة بالهم الثقافي يحاولون وينددون أحياناً؛ وهنا نستضيف كُتّاباً يقرأون الظاهرة ويعللون أسبابها؛ وهم على اطلاع تام، ودراية كاملة بالواقع، في محاولة تشخيص وتلمّس بقع الضوء في نفق الميديا المهجوسة بالتسليع والتسويق؛ فيرى الناقد أسامة بن يحيى الواصلي، أنّ السؤال الواجب طرحه؛ ليس: هل ترهن الثقافة مستقبلها لميديا المشاهير؟ بل: هل تملك الثقافة اليوم «آلية تداول» تنافس آلية المشاهير؟ موضحاً أنه يقصد بـ«آلية التداول» هنا: الطريقة التي تُوزَّع بها الأفكار، وتُمنح عبرها الشرعية وتتحول بها المعرفة إلى حضور عام مؤثر، ويؤكد الواصلي أن الثقافة تاريخياً لم تكن تنتصر لأن مضمونها أعمق فحسب، ولكن لأنها امتلكت مؤسسات التوزيع والشرعية: ناشراً، ومجلةً، وجامعةً، ومنبراً نقدياً، وأرشيفاً، ومناهج... وعدّها «خوارزميتها» القديمة.ولفت الواصلي إلى أنّ المشكلة ليست في «ميديا المشاهير» باعتبارها فضاءً جديداً، وإنما في الفراغ المؤسسي الذي تركته الثقافة خلفها، ثم عابت على المنصة أنها ملأته. مشيراً إلى أن الثقافة لا تُهزم لأن المشهور أكثر سطوعاً، بل لأنها فقدت ما كان يحمي المعنى، من أن يتحول إلى عرض موسمي: آليات الاعتماد، ومعايير التقييم، ومؤسسات الفرز. وأضاف: وحين تضعف هذه البنية لا يعود السؤال: من الأعمق؟ ولكن من الأسرع انتشاراً؟ فتغدو المنصة محكمةً بلا قاضٍ وسوقاً بلا موازين، ويغدو عدد المتابعين شهادة جودة لا مجرد مؤشر اجتماعي.وعدّ الخطر الحقيقي يتمثّل في دخول المثقف فضاء المشاهير، فيظن أنه يُسوّق للفكرة، بينما هو يزوّد الخوارزمية بما تريد ويضيف وقوداً لآلة تكافئ قابلية الاستهلاك لا مستوى العمق: من خلال؛ محتوى سريع الهضم، قابل للتدوير، قليل المقاومة أمام النسيان. وذهب إلى أنه من هنا يتم الرهن الحقيقي: وتُستعمل الثقافة زينًة للواجهة، لا قوًة لتغيير الداخل، وتُستدعى باعتبارها اقتباساً يلمّع المشهد، لا سؤالاً يربك اليقين. ثم تُرمى خارج الإطار عند أول لحظة ملل، وكأن الثقافة «مادة خام» لصناعة التفاعل، لا مشروعاً لصناعة الوعي. وحين تُقاس القيمة بالتصفيق، تتعلم الثقافة هذه اللغة، وتنسى -شيئاً فشيئاً- لغة البرهان.ودعا الواصلي إلى استعادة «سيادة التقييم الثقافي»؛ بمعنى أن تستعيد الثقافة حقها في تعريف الجودة عبر منصات نقدية رصينة، وقوائم قراءة معيارية، ومراجعات مُحكَّمة وأرشفة قابلة للاستحضار، ومشاريع تكافئ التراكم لا الومضة. مؤكداً أنه عندئذٍ تتحول الشهرة إلى وسيط نقل، لا مصدر شرعية؛ كون الثقافة إن تنازلت عن حقها في تعريف القيمة، عرّفها غيرها... وحينها نكون أسقطنا المحكمة التي تُحاكم الشهرة قبل أن تُتوَّج.وأوضح الكاتب مفلح البلوي أنه منذ طرق الإنسان باب الثقافة والأدب، كانت الإجادة فيهما مفتاحاً للشهرة وذيوع الصيت. ومن النادر جداً أن نجد مشهوراً في مجال إلا أن يكون مجيداً فيه، فمن أحسن نظم أفكاره، وأخلص لفنه، وأجاد طرحه، نال التقدير والانتشار، وعدّه أمراً طبيعياً تماماً، بل هو سنة تاريخية في سير الثقافة، ويرى أنه من الطبيعي أن تتطلّع المنابر الثقافية في كل عصر إلى هؤلاء المشاهير، فتستضيفهم لتزداد بهم رفعة، ويصبح اسمهم رافداً لها ووساماً عليها.ولفت إلى أنّ المثقف يسعى إلى المنبر، كونه يراه هدفاً يجتهد للوصول إليه، وغاية تكمل مسيرته. فالمنابر الثقافية كانت منبراً للمشهور وباباً للشهرة المستحقة، تكشف عن مواهب لم تصل بعد إلى الجمهور، فتعرف الناس بها وتدعمها، وعدّها معادلة طبيعية متوازنة، لا تستدعي كثيراً من التساؤلات، ولا تثير قلق المهتمين، مضيفاً: أن ما يدعو إلى الدهشة والقلق معاً هو انقلاب المعادلة، فالمنابر الثقافية الرسمية والتجارية، والصحف والقنوات والمواقع ذات الثقل والسمعة، كانت نظرياً مؤتمنة على توجيه الرأي الثقافي العام، وقيادة الحراك الفكري، ومنح الشهرة لمن يستحقها بقيمته المعرفية لا بعدد متابعيه، لتواجه في السنوات الأخيرة عزوفاً جماهيرياً، وتوارَت في الظل، وفقدت بريقها أمام سطوة المنصات الرقمية، وجاذبية الميديا الجديدة، مشيراً إلى أنها عوضاً عن إعادة النظر في محتواها وتجديد أساليبها، لاستعادة مكانتها، لجأت إلى حلٍّ أسهل، متمثلاً في التنازل عن معاييرها، وفتح أبوابها للمشاهير، بغض النظر عن مستواهم الثقافي، فأصبحنا نرى وبشكل طبيعي برامج في قنوات مرموقة، يقدمها من لا يحسن وزن بيت شعر دون أن يتعثر، ومؤهله الوحيد أنه يتابعه الملايين! فيما نقاش ثقافي يُدار بطريقة «الترند» وبأسلوب يشبه أسلوب منصات التواصل الاجتماعي، لتقف الثقافة على مفترق خطير. وتساءل البلوي: هل هذا التماهي مع معيار الشهرة، مجرد مرحلة إنعاش مؤقتة لمنابر توشك على الاختناق؟ لتعود بعده الثقافة إلى سيرها الطبيعي؟ أم هو تخلٍّ نهائي عن دور القيادة للحراك الثقافي، لتصبح الثقافة تابعة ذليلة لميديا المشاهير، تشاركها الانحدار بدلاً من أن ترتقي بها؟!فيما ذهب المسرحي أحمد السروي إلى أنه لا يمكن إنكار الدور العظيم لوسائل التواصل الاجتماعي؛ بوصفها منصات عصرية قادرة على نقل المعلومة، وتكريس وتعزيز حضور العمل الثقافي، ومجاراة إيقاع العصر القائم على السرعة.. فغدت أداة فاعلة في الوصول والتأثير، وصناعة الحضور، لافتاً إلى أن معيارها لم يعد من الممكن إخضاعه لنموذج ثابت، أو ضوابط تقليدية صارمة؛ نتيجة لمعطيات وظروف العصر المتسارع الذي يحتاج للمواكبة.ولفت السروي إلى أنّ الإشكال الحقيقي لا يكمن في الوسيلة ذاتها، بل في كيفية توظيفها، في ظل التحولات التي طاولت الفضاء الرقمي، وطغت ممارسات بعض من ادعياء الشهرة ممن وجد الفضاء متاحاً فحوّلوا العمل الثقافي وغيره إلى سلعة استهلاكية سهلة وساذجة وسطحية تُقاس قيمتها وفق تقديراتهم البسيطة بعدد المتابعين والمعجبين الوهميين وبالانتشار السطحي، لا بعمق الفكرة ولا بالأثر والتأثير الحقيقي الذي يفترض. ويرى السروي أن الخطر يكمن في تسطيح الثقافة وتزييفها، وتجريدها من أسئلتها الكبرى وحقيقتها ومسؤوليتها المعرفية وموقفها النقدي، لصالح محتوى سريع باهت وعابر ومفصول عن سياقاته الفكرية.!ويرى أن رهن الثقافة لمشاهير «الميديا» لا يحدث بشكل رسمي، ولا بقرار مؤسسي، ولا يخضع لإطار ثقافي ومرجعية معتمدة، بل يتسلل عبر موقف شخصي يبحث عن صناعة جماهيرية مزيفة، تُعيد تشكيل الذائقة بشكل عشوائي وربما تصنع قناعات ذهنية غير دقيقة ومضللة أحياناً حول ماهية الثقافة ودورها. وهي صناعة هلامية تتم دون وعي كامل من صانعيها في السوشال ميديا، والنتيجة قاسية على المشهد الثقافي حين تستبدل القيمة بالشهرة، والمعرفة بالتسطيح، والموقف الثقافي بالانتشار الوهمي..!وتطلّع لإنقاذ مستقبل الثقافة من الارتهان لمشاهير «الميديا»، ليُدار بوعي نقدي يستثمر أدوات العصر دون أن يخضع لمنطقها الاستهلاكي.وعدّ السروي: وسائل التواصل رافعة للثقافة إذا أُحسن استخدامها دون أن تصبح المرجعية المهيمنة على الموقف في نظر الدخلاء، ويُختزل الفعل الثقافي في عدد المعجبين، لا في قدرته على إنتاج الوعي وتوسيع مداركه.ويؤكد الشاعر عبدالرحمن سابي أن السؤال لا يكفي المرور عليه بالوقوف على مسببه وآلية التعامل مع الطرق التي تسهم في تحجيمه كي لا يستشري سواده وتهلك الثقافة وعوالمها، وتساق على غير ما هي عليه في جوهرها وما يراد منها، خصوصاً فيما يتعلق بالنسق والعرف الاجتماعي، كون الثقافة المكوّن الأول له والباني سياساته، وما يكون عليه الغد في زمن الانفتاح التقني اللا محدود وتصديره للمشاهير كواجهات ثقافية تمثل القدوة المعرفية المؤثرة في المجتمع بشكل مباشر وغير مباشر.ولفت ابن سابي إلى أنه وإذا ما سلّمنا بغلبة ثقافة الرمز والصورة في هذا العصر دون نظر لمصداقية ما يتمتع به المشهور من قدرات الممارسة الثقافية والأثر الحضاري المترتب على ما يسهم به، فنحن نغلّب الغث على السمين في المناشط الثقافية والفكرية والاجتماعية، وتوهم صورة القشور بأنها اللب والجوهر، في ظل قناعات أن الغاية تبرر الوسيلة، ودعا إلى البحث عن المثقف الجاد وتقديمه والعناية به؛ كونه المتكئ القوي الضامن إيجابية الممارسة الثقافية المجتمعية، وقطف الثمار اليانعة الحافظة للذاكرة والذائقة السليمة بقاؤها وبياضها في السلوك الإنساني العام للفردية والمجتمعية على حد سواء بعيداً عن أضواء الشهرة المزيفة والمحرقة لصاحبها قبل تابعها. مريم الغبان: هدهد الحكمة وببغاء السخافةتؤكد الناقدة الأكاديمية الدكتورة مريم إبراهيم الغبّان أنه في زمن التهافت على الشهرة والتقاعس عن المعرفة، صار المشهور «عبقري الزمان» وفيلسوف العصر والأوان، وغدت خوارزميات «نظام التفاهة» خيولاً بلا لجام، وأبواقاً تروج الشهرة على حساب القيمة والمضمون، حتى غدت أغلب «التريندات» خاوية كفقاعة الصابون.وأضافت، حين انتهز المشهور الفرصة ليسرق لسان المثقف ليزين به مقاطعه، عجز عن حمل أمانة العالم وقيم المربي الفاضل ولباقة الأديب الأريب، تماماً كالببغاء الذي يُقلد كلام الحكماء وهو لا يفقه منه حرفاً ولامنطقاً. هكذا دفنت الأفكار الرصينة تحت ركام «التريندات» العابرة، ورجَحت كِفة المشهور في عنفوانه على كفة العالم في مجاله والقائد في ميدانه. حتى غدا المشهور «عبقري العُربان» وقائد السوقة والقطعان، حدث هذا فقط لأن هاتفه ذكي وجمهوره غبي!وتؤكد على أن «حسن المنظر» تقدم على «صحة المَخبر» وانطفأ نور الحكمة الأصيل أمام بريق الشهرة الهزيل، وعندها سكت نبأ «هدهد» الحكمة، وتحدث ببغاء السخافة والنكتة متسلحاً بصولجان الشهرة.... اشترينا وبعنا «الوهم» في دقيقة! حين تحكمت الخوارزميات في المنشور، وظن المشهور أنه لن يخور، وأنه الصقر الجسور يقتنص «اللايكات» ويرسل المنشورات وسط حالة من«التعالُم الرقمي». أصبح يفتي في الطب والهندسة والدين والسياسة والفلسفة..وعدّتها «طيور بلا أجنحة»، تجر وراءها آلاف المتابعين إلى فضاءات من الجهل والسطحية والتبعية. وتساءلت: هل يشفع لهم جمهورٌ عريض استبدل نهر القراءة المتعمقة بـ«سراديب التريندات المتأرجحة»؟! حول منشورات بلا معنى تحملها خوارزميات مؤقتة.. و«لو ترك القطا ليلاً لنام».وترى أن المعرفة عند جمهور المشاهير ليست في السهر مع الكتب، بل في «سنابة جوالة» أو «تغريدة قوّالة» تُصنع على عجَل، وتسوّقُ دون خجَل.. يقدمون للناس وعياً زائفاً، يجنون منه الأموال ويظنون أنهم ملكوا الدنيا وهم لم يفتحوا كتاباً أو يحرروا خطاباً.وعدت «الثقافة صَنعة لبُوس، لا تليق إلا بمن أتعب نفسه في طلبها. وأعمل فكره في جنيها، أما هؤلاء الذين يطْفون على سطح «الميديا»، فهم «الزبد»يذهب جفاءً. قديماً قالوا: «من جالسَ جانسَ»، فكن أميراً على خوارزميات هاتفك النقال.. كي لا تـُرغمك على مجانسة من لا يشبهك. وقالت: «كُنْ على يقين أن (المتابعة مشايعة) فلا تسلّم (مفاتيح حسابك الشخصي) لمشهور ظن نفسه لقمان الحكيم! لأنه يملك متابعين بالملايين! تذكر دائماً وأنت تتصفح هاتفك في هذه المقبرة الرقمية المزدحمة بالغث والسمين أن حسابك الرقمي حصانك.. إن صُنته صانك وإن أهنته أهانك. وقُل لي مَن تُتابع.. أقول لكَ مَن أنت!فلا تجعل حسابك مسرحاً يعيث فيه الحُمق والسخافة والمجون»..
مشاهدة مستقبل الثقافة مرتهن لمشاهير التسليع والتسويق
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مستقبل الثقافة مرتهن لمشاهير التسليع والتسويق قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىصحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.