يوسف أبا الخيل: لن أسلك سبيل التأليف السطحي لأتباهى بمؤلَفي في المقاهي ...السعودية

ثقافة وفن بواسطة : (صحيفة عكاظ) -
للحوار مع شخصيّة بقامة الباحث الفلسفي يوسف أبا الخيل، تشوفّات، واستشعار طمأنينة بانتصار الوعي لنفسه، دون صخب ولا كثير خصام وعتب، فضيف هذه المساحة حضر في المشهد الثقافي منذ الثمانينات، وفي زمن متسم بالقلق، والتردد، في طرح أفكار تنتصر للحياة، إلا أنه امتلك شجاعة التعبير عمّا حصد من حقل المثاقفات، وحرر كثيراً من الإشكالات التي كان التنوير معنيّاً بها، وفي هذا الحوار يتعرّف القارئ المعاصر على وجهٍ من وجوه النضال ضد الظلامية، وفي هذه الردود ما يؤكد ما تتميز به شخصيته من رصانة، وما يرتكن إليه طرحه من هدوء وانسيابية لا تستفز بقدر ما تدفع للتأمل والبحث والاستقصاء، فإلى نصّ الحوار:• أين أنت اليوم؟•• موجود في المكان، غريب في الزمان.• ماذا تبقى من أزمنة الجدل والحوار مع التيارات الفسيفسائية؟•• لم تكن حينها حوارات بالمعنى الحقيقي للحوار. ذلك أن الحوار يلزم لكي يكون حقيقياً، أن يكون متكافئاً، بينما كانت المناقشات في ذلك الزمن تجري في ظل سيطرة صوت واحد على مفاصل الحياة الثقافية، ومن ثم كان الصوت المختلف هامساً خائفاً وجِلاً من الاصطدام بالحشود، التي كانت حينها تمثل العصبية الحاملة للفكرة الصحوية.• هل انزاحت أعباء فكرة التغيير عن صدر وكاهل المثقف بالقرارات الإصلاحية في المملكة؟•• لا شك أن التغييرات الإصلاحية الضخمة التي جاء بها عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أزاحت عن كاهل المثقف التنويري عبء المطالبة، وانتظار الأمل بحدوث تغييرات ثقافية، تحمل معها بشائر الأنسنة، إلا أنه يبقى دور المثقف النوعي في تأصيل تلك التغييرات من منظور ثقافي-اجتماعي-شرعي قائماً وملحاً، فهي مهمته الأساسية اليوم. فالقيادة أعادت السكة إلى مجراها الطبيعي، إلا أن إدخالها في الوعي الجمعي مرهون بدور النخب، وللأسف فالمثقفون المعنيون لم يقوموا بدورهم كما يجب، باستثناء المجهودات المتواصلة التي يقوم بها رئيس رابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى في التأصيل الشرعي لأنسنة الخطاب الديني، ولا شك أن ما يقوم به مجهود ضخم ومقدر وفي سياقه المنتظر، على الرغم مما يعانيه من معارضة الخطاب المتطرف.• ما الذي يملأ فراغ المنشغل بالفكر اليوم؟•• في رأيي، المنشغل بالفكر التنويري الأنسني ليس لديه فراغ، ذلك أن التنوير والأنسنة، خصوصاً تلك المنطلقة من تأصيل شرعي، عملية بطيئة معقدة تحتاج إلى أجيال وراء أجيال حتى تعطي ثمارها، ومن هنا، فالفكر النوعي ممتدٌ عبر الزمان والمكان، وتحمله أجيال بعد أجيال.• كيف تقرأ انعدام المخاوف والمحاذير التي كان تيار الصحوة ينذر بها فيما لو تأنسن المجتمع؟•• الصحوة، بصفتها فكراً ذا بطانة أيديولوجية، يقوم على فكرتَي «الاصطفاء» و«الأحادية» اللتين تعتمدان على تطويع الأتباع من خلال تخويفهم من الزيغ والضلال إن هم اتبعوا طريقاً غير طريقهم؛ أعني طريق الصحوة. وهم يقدمون نذرهم على الأقل عن طريق اتهام المخالفين، أو الذين لا يتبعونهم بالبدعة. ولكون الأتباع لم يكونوا حينها محصّنين من سيطرة النزعة الجمعية، تموضعوا داخل الشرنقة الصحوية، فصاروا خائفين وجلين من أن يوصموا على الأقل بالبدعة، إن هم خالفوها أو أبدوا رأياً مخالفاً لأدبياتها. مع أنها؛ أي الصحوة، مجرد مقولات وأفكار كانت تعكس توجهاً فردياً تحول إلى خطاب جمعي بفعل التحشيد الجماهيري.• هل وقع التنوير في الوجل من الصحوة؟•• لا أظن أنهم وجلون إلى حدّ أنهم لا ينشرون أفكارهم، لكنهم حذرون من مواقع بعض المتشددين في منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن كثيراً منهم للأسف يتعامل مع مخالفيه من منظور براغماتي بحت، فتجدهم يؤولون كلام مخالفيهم إلى دليل اتهام عقدي! ومع ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الخطاب الصحوي، وإن فقد وهجه في الظاهر نتيجة فقده للحشود التي تحمله، فإنه إلى الآن لم يُنقد في رأيي نقداً علمياً رصيناً، بعرض مضامينه على قواطع الإسلام الثابتة على مر الزمان وتغير المكان.• هل تظل الثوابت كما هي؟ أم يمكن أن تغدو مرنة وتقبل التغيير أو التحوير؟•• عندما نتحدث عن الثوابت في إطار الإسلام فإن ثوابته محصورة في أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة، وما يتصل بالعبادات من ناحية كنهها، وعددها، وشكلها، وزمنها. أما ما يتصل بباب المعاملات فلكونها تنظم أمور الناس في دنياهم فهي عبارة عن (قوانين)، والقوانين معبرة عن السياقات الزمنية والمكانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنظمها، وهذه السياقات كما نعرف متغيرة بتغير الأزمنة والأمكنة، ومن ثم يتعين أن تكون مرنة تجاه تلك التغيرات. ولنا أمثلة من فعل الصحابة رضي الله عنهم، كإسقاط عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حد السرقة عام الرمادة، وإيقافه نصيب آل البيت في الخمس، وتعليق سهم المؤلفة قلوبهم، ومنعه توزيع أراضي سواد العراق، رغم أن هذه قضايا نزلت بها نصوص قطعية الثبوت والدلالة، إلا أنه -رضي الله عنه- رأى أن الواقع لم يعد ملائماً، سوسيولوجياً وسياسياً واقتصادياً لتطبيق النص المعاملاتي.• متى استشعرت نسبية الحقيقة؟ وما أبرز تجلياتها في حياتك؟•• النسبية قانون وجودي، نجده في الطبيعيات وفي الاجتماعيات معاً. ورغم أنه قانون وجودي إلا أننا نغفل عنه فنظل أسارى لآراء ونظريات بحسبانها حقاً مطلقاً وما هي بذلك. والحقيقة أن القراءة المعمقة في الفلسفة وعلم الاجتماع وفي نظرية المعرفة تدرب الإنسان على استشعار ومن ثم تبني نسبية الحقيقة. بل إن الحقيقة لها دورة حياة كدورة حياة الكائن الحي، ولقد انتبه إلى ذلك الفيلسوف والطبيب غوستاف لوبون فألف كتاباً بهذا المعنى سماه «حياة الحقائق». ويحسن بنا في هذا المقام أن نتذكر ما كان يقوله فيلسوف العلم غاستون باشلار من أن ما يميز النظريات العلمية هو قابليتها للتكذيب، وهذا دليل عميق على نسبية الحقيقة حتى في العلم الطبيعي، فما بالك بما يتعلق بالاجتماع.• أين تكمن إشكالية مثقف العصر الرقمي؟ وما الحلول؟ بالطبع أعني الأدلجة، والتسييس، والمقامرة.•• إن جاز لنا أن ننحت مصطلح «المثقف الرقمي» فأرى أن هذا المثقف تعود على النسخ واللصق، فأصبحت معلوماته تسلق سلقاً دون أن تمر على أبجديات التمحيص العلمي. عكس مثقف الكتب التقليدية الذي يتعب في تحصيل المعلومة، ثم يجدّ في تعديلها أو جرحها قبل الخروج بها على الناس.• ممَّ تخاف على تعليمنا؟ وما الذي يحتاجه في هذه المرحلة؟•• ما يخوفني على التعليم هو تحديداً تضعضع الجدية لدى طالب اليوم، وعدم أخذه التعليم بجدية كافية خصوصاً مع شيوع منتديات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي تحديداً الذي أصبح الطالب يعتمد عليه بما في ذلك حلول واجباته والقيام بأبحاثه.• بماذا نؤسس لقيم الجمال في الأجيال؟•• نستطيع أن نؤسس لقيم الجمال بتدريس فلسفة الجمال في التعليم العام والعالي، خصوصاً فلسفة الجمال لدى كل من كانط وهيجل، كما نستطيع أن نؤسسها في مجتمعاتنا خصوصاً لجهة التأكيد على أهمية الجمال بكل تمظهراته لحياة أرقى وأكثر جودة.• هل انتهى زمن الثقافة الصلبة والأفكار الخشنة؟•• أكثر ما أخشاه على المجمتع الانغماس المتسارع في ما سماه آلان دورنو «ثقافة التفاهة». لو نلاحظ لاكتشفنا أن اهتمامات بعض الشباب والشابات اليوم موغلة في السطحية، تجدهم مستهلكين بقوة لمنتجات الحضارة الغربية دون أن يتساءلوا: كيف وصلت تلك الحضارة إلى هذا المستوى المذهل من التقدم العلمي؟ أعني غياب الدهشة والانبهار بالعلم، وهذا مؤشر قوي جدا على تضعضع أو حتى انعدام الروح العلمية والتفكير العلمي، أو على الأقل غياب التساؤلات العلمية. أيضاً يُلاحَظ غياب الجدية سواء في الدراسة أو في أداء الأعمال. لا تجد الفرد، خصوصاً الشباب، جادين في الدراسة وفي أداء أعمالهم، وهذه معضلة كبيرة.• رغم التخصص المالي، والطرح الفلسفي، تستهويك الرياضة وكرة القدم تحديداً، ما الجامع بين الثلاثي؟•• بين التخصص المالي والفلسفة علاقة متينة، كانت الدرجات العلمية تمنح، وربما لا تزال في بعض الجامعات الأوروبية، بدرجة «الفلسفة في تخصص كذا»، فمثلاً يقال «فلان حاصل على (دكتوراه الفلسفة في إدارة الأعمال)»، أما الرياضة وتحديداً كرة القدم فأنا أتابع المحلية منها كهواية فقط، أما العالمية فلا أكاد أعرف منها شيئاً يذكر.• ما بين القبول بالتعددية المجتمعية وبين التعايش مع الآخر ما زالت هناك فجوة، بماذا يمكن ردمها لتتحقق المكاسب الوطنية؟•• التعددية وقبول الآخر المختلف لم يعد ترفاً بل هو قانون اجتماعي طبيعي ثابت. اُنظر إلى قوله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم).. الآية. ولو تمعنّا لوجدنا أن الآية الكريمة عبّرت عن الاختلاف بالفعل المضارع المستمر (لا يزالون)؛ أي سيظل الناس مختلفين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعدم قبول التعددية وعداء الآخر من منطلق ديني أو مذهبي لم يأتِ من القرآن الكريم، أو من متواتر السنة الشريفة، بل جاءنا للأسف من النصوص الثانوية التي حفت بالمذاهب العقدية حين كان كل أصحاب مذهب ينافحون عن مذهبهم، ويؤسسون لعداء ديني لمخالفيهم، من خلال ما عبّر عنه الباحث عبدالجواد ياسين بـ«التنصيص». ويكفي في هذا المجال أن نتذكر مضامين «صحيفة المدينة» التي آخى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بين مواطني دولة المدينة من مسلمين ويهود ومسيحيين بأن يكونوا يداً واحدة للدفاع عن بلدهم مع احتفاظ كل ملّة بدينها، لنعلم كيف أسس الإسلام لعلاقات سياسية واجتماعية تقوم على الإخاء المدني قبل إحلالها في العالم المعاصر بما يزيد على ألف سنة.• ما أبرز النتاج المطبوع؟ وهل من مشروع تراكمي بدأته وتطمح لإتمامه؟•• للأسف ليس لدي كتب مؤلفة، لأني عندما بدأت بقراءة الفلسفة كنت أعجب من أناس قضوا أعمارهم في تأليف كتاب واحد. خذ مثلاً كارل ماركس قضى 40 عاماً في تأليف كتابه (رأس المال)، بينما قضى هربرتسبنسر نحو 40 عاماً في تأليف كتابه (أسس علم الاجتماع)، وقضى ابن رجب الحنبلي أعواماً عدة في تأليف كتابه (طبقات العلوم والحكم)، فكنت أجد نفسي عاجزاً عن قضاء أعوام معقولة في التأليف، وبالوقت نفسه لم أشأ أن أسلك سبيل التأليف السطحي، الذي يقضي فيه المؤلف بضعة أشهر ليشارك به في معرض الكتاب، أو يتباهى به في المقاهي الثقافية.• كيف تنظر إلى الرياضة؟ وهل لك ميول نصراوية؟•• الرياضة ينبغي أن تكون ركناً أساسياً في حياتنا لجهة ممارستها، خصوصاً في ظل شيوع التواكل والاتكالية التي أصيب بها إنسان العصر بسبب طغيان استخدام وسائل النقل الحديثة على حياتنا، لا سيما أن الأبحاث والدراسات لا تتفق بشكل قطعي على شيء مثلما تتفق على أهمية الرياضة للحياة الصحية. أما من جهة متابعتها وتشجيع فريق معين فذلك أراه جيداً إذا ما ظل في فلكه المعتاد، بمعنى ألا يتحول إلى ما يشبه الولاء والبراء في علاقاتنا مع الآخرين. وبالنسبة لنادي النصر فوضعه في نظري مثل ذلك المريض المصاب بمرض مزمن لا يُرجى شفاؤه، والمشكلة أن هذا المريض يتعافى فجأة فيستبشر أهله ومحبوه بأنه عاد كما ينبغي أن يكون، لكنه لا يلبث أن يعاوده المرض المزمن فُيُحزِن أحباءه ويدركون أنه لا يزال في المربع الأول.

مشاهدة يوسف أبا الخيل لن أسلك سبيل التأليف السطحي لأتباهى بمؤل في في المقاهي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ يوسف أبا الخيل لن أسلك سبيل التأليف السطحي لأتباهى بمؤل في في المقاهي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، يوسف أبا الخيل: لن أسلك سبيل التأليف السطحي لأتباهى بمؤلَفي في المقاهي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة ثقافة وفن
جديد الاخبار