كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - في كل إطلالة خارجية، يبرهن رئيس دولة الاحتلال الصهيوني يتسحاق هرتسوغ على براعة استثنائية في قلب الحقائق، وإعادة تدوير الجريمة العسكرية والسياسية في قالب أخلاقي زائف، يُسوَّق للعالم بوصفه دفاعًا عن الديمقراطية والإنسانية. أحدث هذه النماذج ما جاء في حديثه خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث قدّم دولة الإحتلال – التي ما تزال مدن غزة شاهدة على دمارها – بوصفها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" و"خط الدفاع الأول عن العالم الحر"! هرتسوغ، في تصريحه لرئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتفِ برفض أي مساءلة قانونية دولية بحق مسؤولين إسرائيليين، بل اعتبر اللجوء إلى المحافل القضائية الدولية "سياسات دولية مخجلة" و"تسليحًا للمنظمات الدولية" ضد إسرائيل. وبهذا المنطق المقلوب، لا تصبح العدالة الدولية أداة لمحاسبة مرتكبي الجرائم، بل مؤامرة سياسية تهدف – وفق الرواية الصهيونية – إلى عزل قادة الاحتلال ومنعهم من المشاركة في "رسم مستقبل العالم". الأخطر في خطاب هرتسوغ ليس نبرته الدفاعية، بل قدرته على استبدال موقع الجاني بموقع الضحية. فدولة الإحتلال التي دمّرت على أيدي جيشها مدنا كاملة، وقتلت وجرحت مئات الآلاف من المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، تُقدَّم للرأي العام العالمي باعتبارها نموذجًا أخلاقيًا يحتذى، بينما يُجرَّد الضحايا من إنسانيتهم، ويُختزل وجودهم في توصيفات أمنية فضفاضة تبرر كل أشكال القتل والدمار. يعتمد هذا الخطاب على معادلة دعائية جاهزة: إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأي مساءلة لها هي استهداف للديمقراطية ذاتها. أما جرائم الحرب، والحصار، والتدمير المنهجي للبنية المدنية، فكلها تُمحى من السردية الرسمية الصهيونية وتُستبدل بمصطلحات مثل "الدفاع عن النفس" و"مكافحة الإرهاب". وفي هذا السياق، يُستحضر "الخطر الإيراني" بوصفه الشماعة الدائمة التي تُعلّق عليها إسرائيل جرائمها، وتُبرّر من خلالها الإفلات المستمر من العقاب. وإذا كان خطاب هرتسوغ يمثل الواجهة الناعمة لهذا التزييف، فإن ما يجري في دافوس يكشف عمق الانقلاب في المعايير الدولية. فالمنتدى الذي يُفترض أنه منصة لمناقشة السلام والتنمية ومستقبل البشرية، تحوّل إلى مسرح لتبييض الجرائم ومنح الشرعية السياسية لمن يجب أن يكونوا في قفص الاتهام. وفي ذروة هذا العبث، يأتي تعيين الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء دولة الاحتلال والمطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، عضوًا مؤسسًا في ما يُسمّى "مجلس السلام من أجل غزة"؛ غزة التي دُمّرت على رؤوس أهلها بأوامر حكومته، وحُوّلت إلى ركام فوق ساكنيها. هنا يُعاد تعريف السلام بوصفه امتيازًا للجلاد، لا حقًا للضحايا، وتتحول العدالة إلى عبء سياسي يجب الالتفاف عليه، لا مبدأ أخلاقي يجب صونه. حين يقول هرتسوغ إن دولة الإحتلال الصهيوني "تدافع عن العالم الحر بأسره"، فإنه لا يخاطب الوقائع، بل يستثمر في مخاوف الغرب، ويُعيد إنتاج خطاب استقطابي يدفع العالم على الاختيار بين إسرائيل "دولة الشر" الحقيقية وإيران "إمبراطورية الشر" الإفتراضية. هذا التبسيط المتعمد يلغي جذور الصراع، ويتجاهل سياق الاحتلال وحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، ويحوّل العدوان إلى مهمة أخلاقية كونية، تُدار من فوق منصات اقتصادية وسياسية بعيدة كل البعد عن معاناة الضحايا. ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول مستقبل الشرق الأوسط، بل عملية منظمة لإعادة صياغة الوعي العالمي بما يخدم السردية الصهيونية. فبدل أن تُحاسَب إسرائيل على أفعالها، تُمنح المنصات لتقديم نفسها حارسة للقيم، وبدل أن تُسمّى الجرائم بأسمائها، يُعاد تسويقها كأثمان ضرورية لحماية الحضارة والسلام. في المحصلة، تكمن خطورة خطاب هرتسوغ ومن يقف خلفه في منحه منصة دولية لتضليل الرأي العام الدولي، وتحويل القانون الدولي من أداة للعدالة إلى ورقة ضغط سياسية، وتصوير مجرمي الحرب – وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو – كرجال دولة يتعرضون لـ"الظلم". غير أن هذه البراعة في قلب الحقائق، مهما طال أمدها، لا تستطيع محو الوقائع، ولا إسكات الضحايا، ولا تغيير حقيقة واحدة: أن الديمقراطية لا تُقاس بالشعارات، بل بالمساءلة، واحترام الإنسان، وتجريم إحتلال أرض الغير، والاعتراف بالمسؤولية. .
مشاهدة هرتسوغ وقلب السردية حين تتحو ل جرائم الحرب إلى شهادة ديمقراطية عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هرتسوغ وقلب السردية حين تتحو ل جرائم الحرب إلى شهادة ديمقراطية عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.