خارج النص - كتب حلمي الأسمر - «المحور الإيراني والجناح السني المتطرف لا يمكن أن يدمرا إسرائيل» نتنياهو ليست هذه جملة عابرة في خطاب سياسي، ولا مجرد محاولة تقليدية لطمأنة جمهور قَلِق. هذه جملة ثقيلة الدلالة، لأنها لا تُقال عادة إلا عندما يصبح التدمير فكرة قابلة للتداول داخل الوعي الجمعي. فالدول الراسخة لا تناقش احتمال فنائها، ولا يحتاج قادتها إلى نفي ما لا يخطر أصلًا على بال شعوبهم. حين يتحدث زعيم عن "تدمير دولته” من حيث المبدأ، فهو لا يخاطب الأعداء، بل يخاطب خوفًا داخليًا بدأ يتشكل، ويتضخم، ويبحث عن إجابة. هنا تمامًا ندخل إلى ما يسمونه هم بـ عقدة العقد الثامن. عام 2028 لا يدخل الوعي الصهيوني بوصفه رقمًا عابرًا، بل كعتبة تاريخية وجودية تمسّ فهم هذا الكيان لنفسه. العقد الثامن، كما يراه بعض مفكريهم وقادتهم، ليس مجرد مرحلة عمرية، بل "نقطة اختبار تاريخية”، حيث تتقاطع ذاكرة الفشل مع خوف التكرار. في قراءات صهيونية صريحة أو مواربة، لم ينجح أي كيان يهودي سيادي في تجاوز هذا الأفق الزمني، من هنا يتسرّب الخوف من أن تكون الدولة الحالية عالقة في صحراء التاريخ، بلا قدرة على العبور إلى أفق مستقبلي آمن ومستقر. هذا القلق ليس فلسفيًا مجردًا، بل هو سياسي ووجودي في آن. الكيان يدخل عقده الثامن وهو في ذروة قوته العسكرية، لكنه في أدنى درجات تماسكه الاجتماعي والهوية الجمعية. الانقسام بات هويّاتيًا وسياسيًا ومؤسساتيًا: علماني يرى الدولة تُسحب من يده، وديني متطرف يرى أنها لم تذهب بعيدًا بما يكفي، ونخبة ليبرالية تشعر أنها رهينة مشروع لا تؤمن به. الجيش، الذي كان الرابط الأعلى، لم يعد فوق الصراع؛ والقضاء تحوّل إلى ساحة كسر عظم؛ والحكومة إلى أداة أيديولوجية عارية. هكذا يصبح سؤال "من نحن؟” سؤالًا مفتوحًا على البقاء والمستقبل معًا. في هذا السياق، لا يعود تصريح نتنياهو عن "عدم التدمير” تعبيرًا عن قوة، بل عن قلق. هو لا يقول "سننتصر”، بل يقول "لن نُمحى”. والفرق بين العبارتين هو الفرق بين دولة واثقة بسيادتها، وكيان يدافع عن فكرة وجوده. في علم النفس السياسي، القائد في لحظات الاستقرار يصنع الخطاب، أما في لحظات القلق الوجودي فهو ينطق بما يخشاه المجتمع. نتنياهو هنا لا يصنع طمأنينة؛ بل يترجم خوفًا جمعيًا تسلّل إلى اللغة الرسمية. اللحظة الفارقة التي كثّفت هذا القلق جاءت من غزة. لم تهزم غزة الجيش بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها كسرت أسطورته الرمزية، وجرّدته من وظيفته بوصفه ضمانة الردع والهيبة. هنا تَحوّل السؤال من "كيف ننتصر؟” إلى "هل تكفي القوة وحدها لضمان الوجود؟”. ومنذ تلك اللحظة، تداخل السياسي بالرمزي، والعسكري بالتاريخي، وبدأ استدعاء صور أقدم: التيه. في بعض التفسيرات التلمودية، الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دورات اختبار وسقوط ونهوض. وحين تُستدعى هذه الرموز اليوم، فإنها تُقرأ في الوعي الصهيوني بوصفها تحذيرًا لا وعدًا: ماذا لو كنا نحن جيل التيه الثاني؟ ماذا لو كانت "الدولة" كلها عالقة في صحراء التاريخ، بلا قدرة على العبور؟ هكذا تتحول قصة التيه الأربعيني في صحراء سيناء من حكاية دينية إلى استعارة سياسية: جيل يُعاقَب بفقدان الهوية الجامعة، و"دولة" تُختبر في شرعيتها قبل قوتها. إلى جانب هذا البعد الرمزي، يتعمّق الانكشاف الأخلاقي عالميًا. الرواية التي طالما وفّرت للكيان مظلة حماية في الغرب تتآكل أمام الصور والتغطيات والشهادات، ويظهر جيل عالمي يرى في فلسطين اختبارًا للقيم الغربية ذاتها. المفارقة تتضخم: القوة العسكرية تزداد، لكن الشرعية تتناقص. السيطرة ممكنة، لكن الإقناع يتبخر — في الخارج، وفي الداخل على حد سواء. هكذا يتحول الكيان تدريجيًا من مشروع دولة إلى حالة ثكنة دائمة: اقتصاد حرب، مجتمع تعبئة، اعتماد متزايد على الدعم الخارجي، وهجرة صامتة للنخب القادرة على المغادرة. ليست هذه أعراض انهيار فوري، بل مؤشرات تآكل بطيء عرفته ممالك تاريخية كثيرة أطالت عمرها بالقوة، لكنها فقدت معناها، فسقطت حين لم يعد أحد مستعدًا للدفاع عن فكرة وجودها. مستقبل ما بعد العقد الثامن لا يبدو طريقًا واحدًا، بل مأزقًا مفتوحًا. قد يستمر وجود متوحش أكثر عنفًا وأقل ديمقراطية، دولة محصّنة تعيش على الخوف وتغذّيه. وقد يتخذ التآكل شكل تفكك بطيء: هجرة، انكماش اقتصادي، وتصدع اجتماعي أعمق. أما التحول الجذري — الخروج من الصهيونية كأيديولوجيا تفوق وبناء كيان قائم على المساواة — فهو الاحتمال الأكثر عقلانية تاريخيًا، لكنه الأصعب نفسيًا على نخبة قامت هويتها على نقيضه. في المحصلة، قد لا يسقط الكيان لحظة دخوله العقد الثامن، وقد يسقط فعلا،, لكن ما يسقط بالفعل هو يقينه بنفسه كمشروع قابل للحياة. ومنذ غزة، ومع استحضار رموز التيه، لم يعد السؤال خارجيًا، بل داخليًا صامتًا وخطيرًا: إلى أين نمضي؟ وهل سيبقى الكيان أكثر من مجرد اسم على خريطة؟ عندما تبدأ الدول بطرح هذا السؤال على نفسها، لا تعود المشكلة في عدد السنوات التي عاشت، بل في قدرتها على تخيّل السنوات التي يمكن أن تعيشها دون أن تفقد مبرر وجودها وصناعتها بهذه المبررات. وتلك، في جوهرها، هي عقدة العقد الثامن: صحراء التاريخ لا تُعبر بالقوة وحدها، بل بالقناعة بمعنى الوجود وجدواه — وبدونه، يصبح البقاء مجرد وهم. .
مشاهدة حين يخاف الكيان من فكرة فنائه عقدة العقد الثامن وصحراء التاريخ عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يخاف الكيان من فكرة فنائه عقدة العقد الثامن وصحراء التاريخ عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.