الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (3) ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

يوسف قابلان - يني شفق

أنقل إليكم رحلتنا إلى الأندلس بقلم أخي محرم كرتانجي. وكما في كل مرة، جاء النص شهيا وعميا؛ قراءة تفتح الذهن وتوقظ الذاكرة.

من قرطبة إلى غرناطة: نداء الأذان

في قرطبة، استيقظنا باكرًا واستعددنا للذهاب إلى مدينة الزهراء. بدأنا بزيارة المتحف، حيث شاهدنا فيلماً أُعد بعناية جسّد عظمة المدينة، وكشف عن ضخامة الحضارة الإسلامية في ذلك العصر وقوتها ونفوذها. حتى طقوس استقبال ملك ألمانيا كانت وحدها كفيلة بإثبات أن هذه الدولة كانت، يومها، الأقوى في العالم.

عندما وصلنا إلى غرناطة كان وقت صلاة العصر يقترب. تركنا حقائبنا في الفندق، وتوجّهنا إلى الجامع الكبير في غرناطة القريب. وما إن اقتربنا من المسجد حتى ارتفع الأذان من مئذنته. بعد أربعة أيام بلا أذان، كان لسماع هذا النداء وقع خاص لا يوصف.

كان المؤذن يرفع الأذان من شرفة المئذنة بلا مكبّرات صوت، وكأنما جمع في صوته كل حزن الأندلس وألم غرناطة، فأسكنهما في نبراته.

قال أستاذنا يوسف قابلان: «هذا الأذان يدعونا من جديد إلى الحضارة الإسلامية»، فحوّل حزننا إلى أمل.

لم يكن الأذان مجرد إعلام بوقت الصلاة، بل إيقاظًا لذكرى. كان صوت المؤذن حزينًا، غير أن ذلك الحزن لم يكن حزن هزيمة، بل صوت حضارة لا تُنسى.

الجامع الكبير في غرناطة: موقد العارفين

دخلنا الجامع الكبير في غرناطة بلهفة بعد الأذان. مسجد بعيد عن التكلّف، كريم في عمقه، يعكس نُبل التواضع. إنه معبد يتكلم فيه اليوم صوت الأندلس المُسكت، وتستعاد فيه ذاكرة تاريخ جرى تجاهله طويلًا.

في المساجد التي لها روح، تكون الصلاة مختلفة؛ خشوع أعمق، ونشوة أصدق. وبعد الصلاة، شكلنا حلقة مسجدية حول أستاذنا. حديث يفتح الآفاق ويوقظ الفكر، عشنا معه في غرناطة معنى الأخوّة حتى أعماقنا. تعانقنا، فالأخوّة الإسلامية في الغربة تُعاش بطعم آخر.

قال لنا أستاذنا إن تركيا، إن استطاعت أن تستعيد وعيها وتُنشئ جيلًا رياديًا، فستكون قادرة في زمن غير بعيد على اتخاذ خطوات تؤثر في العالم كله. لكنه حذّرنا أيضًا: إن انشغلنا بما ينقذ يومنا وأهملنا ما يبني مستقبلنا، فإن خطر الزوال نفسه قد يطرق أبوابنا من جديد.

الجامع الكبير في غرناطة هو ختم صامت لكنه حازم ضُرب على الأندلس؛ ختم الأمة وأوليائها. ليس هذا المسجد آخر أنفاس الأندلس، بل قلبها الذي عاد يخفق من جديد.

الحي الإسلامي: حين تتشرب الشوارع الوقار

بعد الصلاة، سرنا في أزقة الحي الإسلامي الضيقة. كانت البيوت متكئة بعضها على بعض، كأنها تتساند. حضارتنا لا تترك الإنسان وحيدًا. الأفنية فضاءات حياة ولقاء، النوافذ تحمي الخصوصية، والأبواب تلمّح إلى جمال الداخل.

في هذه الأزقة يدرك المرء أن الإسلام ليس مجرد عقيدة، بل أسلوب حياة ينظّم كل لحظة وكل مكان؛ نظرة موزونة إلى الحياة، وتعامل قائم على احترام الإنسان.

الساحة التي أُحرقت فيها أربعمئة ألف كتاب

هنا سقطت الأندلس حقًا. في هذه الساحة لم تُحرق الكتب وحدها؛ بل أُحرقت الذاكرة، وأُحرقت المعرفة. جرت محاولة محو قدرة حضارة كاملة على أن تحكي ذاتها. هنا تعلّمت الإنسانية الفعل الشيطاني المسمّى «حرق الكتب». وكل كتاب أُحرق في العالم لاحقًا، تتحمّل وزره أكتاف أولئك الذين أشعلوا النار في كتب غرناطة.

الحكاية التي ترويها أوروبا باسم «عصر التنوير» بدأت هنا، في هذه الساحة التي صارت فيها الكتب رمادًا. ما كُتب في قرطبة من علم، سُرق في طليطلة عبر الترجمات، ثم أُحرق في غرناطة لإخفاء المسروق وتبييضه.

ومن المعرفة المسروقة وُلد الكِبر، ثم تحوّل مع التقدم التقني إلى وحش دفع الإنسانية إلى مأزق خانق؛ مع الثورة الصناعية والاكتشافات الجغرافية وغيرها. لكن الواضح اليوم أن الإنسانية حبلى بالحقيقة؛ تبحث عنها وتسرع نحوها.

الحمراء: «لا غالب إلا الله» وذكر الله

بدأ يومنا الثاني في غرناطة بزيارة قصر الحمراء. الحمراء ليست مجرد قصر، بل تجلٍّ لجمالية الحضارة الإسلامية وقد تحوّلت إلى حجر وماء وضوء. إنها ذكرٌ بصيغة أخرى.

الجملة المكرّرة على الجدران تلخّص حضارتنا كلها: «لا غالب إلا الله». لا غالب سواه. إنها كلمة تذكّر الإنسان بنسيانه وغفلته وكبريائه. درسٌ في زحمة اليوم ودوائه في آن واحد. ليست زينة لفظية، بل ادّعاء حضاري: إعلان صامت بأن الغلبة للحقيقة لا للقوة.

الماء، الانعكاس، وحدائق الجنة

الماء هو العنصر الأساس في الحمراء؛ يذكّرنا بأصل الخلق. تنبيه للإنسان الذي نسي أنه خُلق من علقة. يتدفق الماء إلى الحوض كما يولد الإنسان إلى الدنيا.

حضارتنا تحب الانعكاس؛ فالمؤمن مرآة أخيه المؤمن. يواجه الإنسان ذاته: أنت موجود الآن، وغدًا قد لا تكون؛ تمامًا كظلك المنعكس. من يذكر الموت لا يقع في الكِبر. الألوان حاضرة لكنها لا تُتعب العين؛ الضوء موجود لكنه لا يُعمي، بل يتكسّر وينعكس في فضاء الحمراء.

هذه الأمكنة لم تُبنَ للزينة، بل لتذكير الإنسان بالجنة في الدنيا، ودعوته إلى الفوز بها أبدًا. المسلم لا يهيمن على الطبيعة، بل يقيم معها علاقة انسجام. وهذا ما نراه جليًا في الحمراء.

صلاة الجمعة: دليل حيّ على أن الأندلس لم تمت

عدنا لأداء صلاة الجمعة في الجامع الكبير في غرناطة. الصلاة التي أُقيمت فيه ذلك اليوم ذكّرتنا بصلاة العيد في مكة: صامتة، بلا رياء، عميقة. وبعد الصلاة، التهاني المفعمة بفرح العيد بين المسلمين، وملامح السكينة والسرور على وجوه الإخوة الجدد في الإسلام، كانت أصدق دليل على أن الأندلس لم تمت بعد.

بعد الصلاة، سلكنا طريقًا مختلفًا عبر أزقة الحي الإسلامي، متجهين إلى المكان الذي دُعينا إليه من قبل الأخت غمزة. لم نشعر بطول الطريق ولا بمرور الزمن؛ وصلنا بالمودّة.

الحقيقة التي لا تُكتب: المحبة

تذوقنا أطباق الأندلس على مائدة حلال، لكن ما كان حاضرًا حقًا لم يكن الطعام، بل الحديث، والأخوة الإسلامية. كلمات أستاذنا يوسف قابلان المشتعلة من القلب إلى القلب. هذه أشياء لا تُروى؛ بل تُعاش. وحين تُعاش، تُنقش في القلب ولا تُنسى أبدًا.

مشاهدة الأندلس صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة 3

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأندلس صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة 3 قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأندلس.. صرخة حضارة صامتة ونداء إلى اليقظة (3).

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار