كتب أ. د حسن البراري - عادة ما أبدأ يومي بعد صلاة الفجر مباشرة بقراءة الصحف الأمريكية أولا ثم أنتقل إلى الإسرائيلية. وأختار قراءة ما يمثل الاتجاهات السياسية المختلفة. وتقودني متابعتي لهذه الصحافة وما يكتب من تحليل رصين في مراكز الثنك تانك في البلدين خلال الأسابيع الماضية إلى نتيجة مفادها أن هنالك فجوة في الرؤية الاستراتيجية لا تتعلق فقط بالأسلوب الصحفي، بل بطبيعة الحسابات السياسية والأمنية لدى الطرفين. ويمكن تلخيص أبرز الاستنتاجات في المقارنات التالية: أولا، منطق اتخاذ القرار العسكري تقدم الحرب في الصحافة الأمريكية بوصفها خيارًا أخيرًا قد ينجم عنه كلف بشرية واقتصادية وسياسية باهظة. وهنا ينصبّ التركيز على سؤال؛ هل إيران تستحق فتح جبهة جديدة في وقت تخوض فيه واشنطن منافسة كبرى مع الصين وروسيا؟ في المقابل، تتعامل الصحافة الإسرائيلية مع الضربة المحتملة كـقرار أمني وقائي وليس كمغامرة. ويرى الخطاب السائد في إسرائيل بأن التأجيل بحد ذاته خطر، وأن الانتظار يمنح إيران وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها النووية والعسكرية. ثانيا، تعريف طبيعة التهديد الإيراني يصور الإعلام الأمريكي السائد إيران بوصفها خصمًا إقليميًا يمكن إدارته بدلا من إزالته. وهذا الفرق في المصطلح ليس لغويًا فقط، بل يعكس فلسفة استراتيجية متكاملة تشكلت في واشنطن بعد تجارب مريرة مع حروب تغيير الأنظمة في العراق وأفغانستان. فبدل السعي إلى القضاء على النظام الإيراني أو شله عسكريًا بالكامل يميل الخطاب الأمريكي إلى بناء منظومة متعددة الأدوات تهدف إلى ضبط سلوك إيران وتقليص هامش حركتها دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. بالمقابل يتعامل الإعلام الإسرائيلي مع إيران من زاوية مختلفة جذريًا عن المقاربة الأمريكية إذ يضعها في إطار التهديد الوجودي وليس مجرد خصم إقليمي. ولا يقدم هذا الخطاب البرنامج النووي الإيراني كملف أمني قابل للإدارة أو الاحتواء، بل كخطر استراتيجي يمسّ جوهر بقاء الدولة. ومن هنا يعاد إنتاج ما يمكن تسميته بخطاب الأمن المطلق الذي يرى أن بعض التهديدات لا يجوز التعايش معها أو تأجيلها بل يجب منعها من الأساس. كما يعيد هذا الخطاب استحضار الذاكرة التاريخية والأبعاد الرمزية للأمن الإسرائيلي، حيث يتم ربط التهديدات الكبرى بفكرة عدم تكرار الصدمة الوجودية. وبهذا المعنى، لا يقدم الخيار العسكري بوصفه مغامرة، بل كـواجب وقائي أخلاقي وأمني لحماية المجتمع والدولة. إضافة إلى ذلك، يروج الإعلام الإسرائيلي لفكرة أن الردع التقليدي غير كاف مع إيران بسبب طبيعة النظام وانتشاره الإقليمي عبر حلفاء ووكلاء وقدرته على العمل تحت عتبة الحرب الشاملة. لذلك يتم طرح الحل العسكري كوسيلة لكسر المسار النووي نفسه، وليس فقط لضبط السلوك الإيراني. ثالثا، تصور شكل المواجهة العسكرية في واشنطن، هناك ميل واضح لسيناريو الضربات المحدودة والدقيقة مع الحرص على تجنب حرب برية أو مواجهة إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة. في تل أبيب، تطرح سيناريوهات أوسع تشمل استهداف البنية النووية والعسكرية الإيرانية بشكل معمق حتى لو كان ذلك على حساب التصعيد المرحلي. رابعا، الأولويات الاستراتيجية الكبرى تربط الصحافة الأمريكية الملف الإيراني بإعادة ترتيب الأولويات العالمية، حيث تعطى الأولوية لاحتواء الصين ومواجهة روسيا بينما يتم النظر إلى إيران كملف ثانوي. بينما ترى الصحافة الإسرائيلية أن إيران هي التهديد الأول والأكثر إلحاحًا، ولا يمكن تأجيله لصالح ملفات دولية أخرى. خامسا، البعد الداخلي والسياسي هناك في الولايات المتحدة إرهاق الرأي العام من الحروب الطويلة ما يقيد هامش المناورة أمام صناع القرار. بينما يستخدم ملف إيران في إسرائيل لتعزيز خطاب الردع، وتوحيد الجبهة الداخلية، وربط الأمن القومي بشرعية القيادة السياسية. باختصار، ما تكشفه هذه المقارنة ليس مجرد اختلاف في التغطية الإعلامية في بلدين حليفتين بل تباين عميق في الفلسفة الاستراتيجية. فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران من زاوية إدارة المخاطر وتفادي الانزلاق إلى حرب واسعة قد تربك أولوياتها العالمية وتستنزف مواردها في لحظة تنافس دولي محتدم. بالمقابل، تتحرك إسرائيل ضمن منطق أمني وقائي صارم يرى أن التأجيل بحد ذاته تهديد وأن منع تشكيل واقع نووي إيراني جديد هو مسألة بقاء لا تحتمل المساومة. وبين هذين المنظورين تتشكل معادلة معقدة، فهناك ضغط إسرائيلي لتسريع المواجهة، وحذر أمريكي يسعى إلى ضبط الإيقاع وتأجيل الانفجار. هذه الفجوة ستظل أحد أهم محددات مسار الأزمة، وستحكم شكل أي تصعيد محتمل، سواء بقي في إطار الضربات المحدودة أو انزلق إلى مواجهة أوسع تعيد رسم توازنات الإقليم بأكمله. هل هذا يعني أن الحرب حتمية؟ الجواب "لا". هل هناك امكانية التوصل إلى اتفاق؟ هذا يعتمد على ما يمكن أن تقدمه إيران من تنازلات. لكن يبقى السؤال الأهم: إذا ما أصرت إيران على موقفها، هل يمكن لهذا التحشيد العسكري غير المسبوق ضد إيران أن يعود من دون توجيه ضربة عسكرية؟ الحواب طبعا بالنفي. .
مشاهدة حسن البراري يكتب عن الحرب على ايران بين رؤية الصحافة الامريكية والاسرائيلية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حسن البراري يكتب عن الحرب على ايران بين رؤية الصحافة الامريكية والاسرائيلية عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.