من رجالات الكويت المخلصين الأوفياء الذين عشقوها بكل جوارحهم وعملوا في خدمتها إلى آخر لحظة من حياتهم، وشهدوا معظم المتغيرات والأحداث الكبيرة في تاريخها المعاصر، وشرفوها في المحافل والمنابر الإقليمية والدولية، يبرز اسم الطبيب والسياسي الحكيم الدكتور عبدالرحمن العوضي، الذي تولى الحقائب الوزارية، وخدم طبيباً في العديد من المستشفيات، وانخرط في عالم السياسة التي قادته إلى عضوية مجلس الأمة لسنوات طويلة، ودافع عن صحة المواطن وسلامة البيئة، وحصد الجوائز والتكريمات الرفيعة تقديراً لعلمه ومسيرته وجهوده.حينما أُعلن خبر وفاته في السادس من يوليو 2019 إثر نوبة قلبية دهمته وهو نائم في سريره، كان الخبر صادماً للكثيرين من الشيوخ والمسؤولين والمواطنين على حد سواء، لسبب بسيط هو أن العوضي لم يكن مجرد شخصية عابرة في تاريخ الكويت، وإنما كان نموذجاً للمواطن والمسؤول ورجل الدولة ونائب البرلمان الذي تعاطى مع مختلف الأزمات والتحولات والصراعات بروح الإنسان الذي علمته تجاربه وخبراته كيف يوازن الأمور وكيف يتخذ القرار الصحيح وكيف يسعى للخير والصلاح، وكيف يقول كلمة الحق.كتب عنه الدكتور فوزي الخواري في صحيفة «الوطن» الكويتية (20/7/2019) فقال: «تشرفت بالعمل معه في الجمعية الكويتية لزراعة الأعضاء لسنوات عدة، وهي بالمناسبة إحدى جمعيات النفع العام التي ساهم في تأسيسها، فكان رحمه الله مثالاً يُحتذى به في كل جوانب تعامله بدءاً من الالتزام بالوقت وأهميته ومروراً بآداب الحوار والنقاش وإلى ما لا نهاية في النصح والاحترام وإفساح المجال للعمل والتغلب على المصاعب مردداً مقولة (أشعل شمعة بدلاً من أن تلعن الظلام)».ونعاه زميله وزير الصحة الأسبق (من عام 2014 إلى 2016) علي سعد العبيدي، فكتب في صحيفة «الرأي» الكويتية (7/7/2019): «تدثر بمعطفه الأبيض، وقلبه الناصع، وسيرته العطرة.. رحل الرجل متوسداً تاريخاً سياسياً يضج بالإنجاز، وإرثاً اجتماعياً يعج بالخير، وسجلاً نقابياً يرج المدى، وحياة عملية لم تتوقف على مدى ستة عقود حتى فاضت الروح إلى باريها».حينما أجرت صحيفة «الوطن» (1/7/2013) حواراً شاملاً معه في مكتبه، كتب محاوره مقدمة قال فيها، إن الحوار معه مطمح للصحافيين لأنه «سيبقى أحد الحكماء الذي يبحث الناس عنهم ويتطلعون إلى دور لهم، خصوصاً عندما تضيع البوصلة وتسود الخلافات وتبرز الصراعات وتعاني الساحة من تصفية الحسابات»، مشيراً بذلك إلى جملة المشاكل التي عانت منها الكويت طويلاً بعد حقبة الغزو، وتسببت في استقالة الحكومات وإعادة تشكيلها وتكرر حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة. والحقيقة أن العوضي تحدث في ذلك الحوار عن كل شيء بمنطق الرجل المطلع الواعي لما يدور في كواليس وطنه، ابتداءً من الدروس المستفادة من الغزو وملف البدون ومزدوجي الجنسية والقروض البنكية ومستقبل النفط ومداخيله، إلى النظام الانتخابي الأسلم وفكرة الأخذ بنظام المجلسين والسماح بتشكيل الأحزاب والموقف من الإسلام السياسي ورموزه وكيفية التعاطي مع الجماعات المتطرفة ومشاكل التعليم وضعف مخرجاته، ومتطلبات الأمن والاستقرار في منطقة تموج بالصراعات.وُلد «عبدالرحمن بن عبدالله بن محمد هادي العوضي» في العاصمة الكويت في الثامن عشر من سبتمبر 1936، ما يعني أنه عاصر ستة من حكام الكويت ابتداءً من الشيخ أحمد الجابر المبارك الصباح، وانتهاءً بالشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح رحمهما الله.كان ميلاده لوالده الحاج عبدالله محمد هادي العوضي (1895 ــ 1963)، والأخير ــ طبقاً لمنتدى تاريخ الكويت الإلكتروني ــ هو أول من هاجر إلى الكويت من عائلته التي تلقب بـ«العوضي» (نسبة إلى بلدة «عوض» الواقعة في جنوب بلاد فارس)، حيث وصل الحاج عبدالله إلى الكويت برفقة أخيه الوحيد محمد أمين ومجموعة من أقاربه في عام 1905، قادمين من دبي التي أقاموا بها مدة خمس سنوات. في الكويت عمل في تجارة الأقمشة في بادئ الأمر وحقق من ورائها ربحاً وفيراً، ثم عمل في ثلاثينات القرن العشرين في مجال العقارات بيعاً وشراءً، واستمر كذلك إلى أن تُوفي في لندن سنة 1963. وتشير الوثائق التاريخية إلى أن الحاج عبدالله حصل في عام 1942 على وثيقة سفر صالحة لمدة عام من دار الاعتماد البريطاني في الكويت، تخوّله السفر إلى العراق والبحرين والهند من أجل التجارة، وللمرحوم مساهمات خيرية كثيرة في داخل الكويت وخارجها، منها «مسجد العوضي» في شارع الشيخ أحمد الجابر.نشأ عبدالرحمن العوضي في بيت يقدّر قيمة العلم وأهميته في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما ساعده على اجتياز جميع مراحل التعليم العام بنجاح، ومن ثمّ السفر إلى لبنان للالتحاق بواحدة من أفضل وأقدم وأشهر جامعات الشرق الأوسط، وهي الجامعة الأمريكية ببيروت التي تخرج منها عام 1958 حاملاً بكالوريوس العلوم. واصل بعد ذلك تعليمه العالي فحصل على ماجستير الصحة العامة من جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، ودكتوراه الطب من جامعة أبردين الأسكتلندية في عام 1963.بدأ حياته المهنية بالالتحاق في ستينات القرن العشرين بوزارة الصحة الكويتية التي تدرج في وظائفها، فعمل طبيباً مقيماً في الوزارة، وطبيباً مسجلاً في مستشفيات الوزارة، ومقرراً للجنة التخطيط في الوزارة، فمديراً مساعداً لإدارة الخدمات الوقائية بالوزارة في عام 1969، فوكيلاً مساعداً بوزارة الصحة لشؤون الخدمات الوقائية ما بين عامي 1970 ــ 1975.في عام 1975 قرر صاحبنا خوض غمار السياسة من خلال الترشح لعضوية مجلس الأمة، ففاز عن مقعد الدائرة السادسة (القادسية)، حاصداً الترتيب الأول بعدد من الأصوات بلغ 939 صوتاً، وحافظ على مقعده بالمجلس حتى عام 1980. وبسبب عضويته النيابية تمّ في عام 1975 اختياره لشغل حقيبة الصحة في التشكيل الوزاري الثامن في تاريخ الكويت الذي ترأسه ولي العهد آنذاك الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح رحمه الله، والذي استمر حتى 29 أغسطس 1976. احتفظ العوضي بحقيبة الصحة العامة، بعد ذلك، في كل التشكيلات الوزارية التالية حتى عام 1986. وبهذا كان العوضي تاسع وزير للصحة في تاريخ الكويت، حيث سبقه في هذا المنصب قبل الاستقلال (على رأس دائرة الصحة) كل من؛ الشيخ عبدالله السالم الصباح، والشيخ فهد السالم الصباح، والشيخ صباح السالم الصباح، وسبقه في المنصب بعد الاستقلال كل من؛ عبدالعزيز حمد الصقر، وعبداللطيف ثنيان الغانم، وحمود يوسف النصف، وعبدالعزيز إبراهيم الفليج، والدكتورعبدالرزاق مشاري العدواني. أما قائمة وزراء الصحة الذين أتوا من بعده فتشمل بالترتيب كلاً من؛ الدكتور عبدالرزاق يوسف العبدالرزاق، والدكتور عبدالوهاب سليمان الفوزان، والدكتور عبدالرحمن صالح المحيلان، والشيخ سعود الناصر الصباح، وأنور عبدالله النوري، والدكتور عادل الصبيح، والدكتور محمد أحمد الجارالله، والشيخ أحمد فهد الأحمد الصباح، والشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، والدكتورة معصومة صالح المبارك، وعبدالله سعود المحيلبي، وعبدالله الطويل، وعلي البراك، وروضان الروضان، والدكتور هلال مساعد الساير، والدكتور محمد براك الهيفي، والشيخ محمد عبدالله المبارك الصباح، والدكتور علي سعد العبيدي، والدكتور جمال الحربي، والشيخ الدكتور باسل حمود الصباح، والدكتور خالد السعيد.في عام 1983 أُضيفت إلى مسؤولياته وزيراً للصحة حقيبة التخطيط في الحكومة التي ترأسها ولي العهد وقتذاك الشيخ سعد العبدالله السالم. وفي 1988 أجرى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله تعديلاً وزارياً، خسر العوضي بموجبه حقيبة الصحة لصالح زميله الدكتور عبدالرزاق يوسف العبدالرزاق، لكنه ظل ممسكاً بحقيبة التخطيط حتى عام 1990، حينما تمّ تعيينه لأول مرة وزيراً للدولة لشؤون مجلس الوزراء، وهو منصب ظل يشغله حتى عام 1991، أي إلى حين انتهاء الغزو العراقي للكويت.انطلاقاً من حبه الكبير لوطنه، وحرصه على سلامة مواطنيه، اهتم العوضي بدراسة الآثار البيئية على صحة الإنسان، فأنشأ برنامجاً خاصاً ومحطات لمراقبة وفحص تلوث الهواء، علاوة على قيامه بتأسيس قسم للبيئة، لأول مرة، داخل وزارة الصحة سنة 1968، وإصداره للعديد من المؤلفات البيئية والصحية، وترؤسه مجلس حماية البيئة في الكويت في الفترة من 1980 إلى 1987، وبسبب نشاطه البيئي واهتماماته بصحة البيئة، تم اختياره في عام 1981 لمنصب الأمين التنفيذي للمنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية (روبمي)، علماً بأنه مؤسس ورئيس اللجنة التنفيذية للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد).وللأسباب ذاتها نال جائزة «الشخصية البيئية» لعام 1998 من الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، فأضافها إلى جوائز أخرى حصل عليها مثل؛ «جائزة إنجازات العمر الطبية» في عام 2016 من المنتدى العربي للبيئة والتنمية التابع لجامعة الدول العربية، و«جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية» المخصصة للعلماء والباحثين العرب في عام 2008 (مناصفة مع زوجته الطبيبة صديقة علي العوضي). إلى ذلك نال العوضي عدداً من الدرجات والشهادات الفخرية أبرزها؛ الزمالة الفخرية للكلية الملكية الإيرلندية للطب عام 1977، والدكتوراه الفخرية في القانون من جامعة «سي شيك بون» الكورية الجنوبية سنة 1977، والزمالة الفخرية للكلية الملكية للجراحين في بريطانيا سنة 1982، والزمالة الفخرية للجمعية الأمريكية للصحة العامة سنة 1982.من المناصب الأخرى التي تولاها العوضي، عدا تلك التي أشرنا إليها، رئيس المجلس التنفيذي لوزراء الصحة العرب من عام 1976 إلى 1987، ونائب رئيس جمعية الهلال الأحمر الكويتي من 1976 إلى 1986، وعضو مجلس إدارة جمعية الهلال الأحمر من 1972 إلى 1976. كما تولى منصب الأمين العام للمركز العربي للأدب الطبي، ورئيس المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، ورئيس الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية، وعضو المجلس الاستشاري الإقليمي لمكافحة المخدرات التابع للمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية بمنطقة الشرق الأوسط.ولأنه أمضى عمراً يخدم جمعية الهلال الأحمر ويساهم في أنشطتها، فقد كرمته الجمعية في عام 2016 خلال حفل بمناسبة يوبيلها الذهبي، بحضور أمير البلاد المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح.ويجمع الكويتيون، من مختلف المشارب، على أن فترة قيادة العوضي لوزارة الصحة كانت العصر الذهبي لهذه الوزراة المهمة وحقبة الإنجازات النوعية الكثيرة. فقد نجح في إقناع القيادة السياسية، بعد توليه حقيبة الصحة، بضرورة التوسع في بناء المستشفيات على أن تكون موزعة على رقعة جغرافية واسعة، فتمّ بناء معظم المستشفيات الموجودة حالياً. كما تُعزى إليه فكرة إنشاء المراكز الصحية في كل منطقة سكنية لتقديم الرعاية الصحية الأولية، وإنشاء صناعة دوائية في البلاد (تعطلت بسبب الغزو العراقي). ومن ناحية أخرى، جرت في عهده، وبعد تسلمه حقيبة الصحة بسنوات قليلة، أول عملية زراعة كلى في الكويت والشرق الأوسط في أعقاب صدور فتوى شرعية من وزارة الأوقاف الكويتية بجواز نقل وزراعة الأعضاء، وهو ما شجع وزارته على إصدار أول قانون على مستوى الشرق الأوسط لتنظيم إجراء تلك العمليات التي توالت في الثمانينات في المستشفيات الكويتية، لتصبح الكويت في مصاف الدول الرائدة في مجال زراة الأعضاء.ونختتم بالإشارة إلى أن الفقيد عُرف بأنه أول مشّاء في الكويت، ومن أكثر المساهمين في تطوير ونشر رياضة المشي في بلده.
مشاهدة عبدالرحمن العوضي عاش قصة حب أبدية مع وطنه
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عبدالرحمن العوضي عاش قصة حب أبدية مع وطنه قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىصحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.