أ. د. بني هاني يكتب عن اقتصاديات الغِلّ عاجل ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -  لاحظت خلال رحلتي في أوستنشيا، بأن القيمة لا تُقاس بما تُنتجه العقول، بل بما يُثيره الحسد في القلوب. هناك، لا يختلّ الاقتصاد لأن الموارد شحيحة، بل لأن النفوس مزدحمة. تختنق المدينة لا بندرة الفرص، بل بوفرة المقارنات. كلُّ واحدٍ ينظر إلى الآخر لا ليتعلّم، بل ليغلي. وهكذا نشأت منظومة غريبة يمكن أن نسمّيها، بلا مبالغة، اقتصاديات الغِلّ. في هذه المدينة، يعمل المهندس عاملَ تنظيفات. لا لأنه فشل في الحساب أو ضلّ طريق المعادلات، بل لأن السوق لا يكافئ الدقة، بل الضجيج. صار تصميم الجسور أقل جاذبية من تصميم الإثارة. فالخوارزميات لا تفهم قوانين الإجهاد، لكنها تفهم قوانين الانتباه. ومع الوقت، اكتشف المهندس أن المكنسة أكثر طلباً من المخططات، وأن العرق المرئي أهم من الفكر غير المرئي. وهكذا انقلب ميزان العرض والطلب؛ فالعرض وفير من الكفاءات، والطلب شحيح على الكفاءة ذاتها. والطبيب، الذي أمضى عمره بين التشريح والدواء، أصبح سائق أجرة. ليس لأنه فقد علمه، بل لأن المرضى صاروا يثقون بنصائح المشاهير أكثر من وصفاته. وفي أوستنشيا، يُقاس العلاج بعدد المتابعين، لا بعدد الدراسات. وصار الطريق إلى العيادة أطول من الطريق إلى الشاشة، فاختار الطبيب الطريق الأقصر؛ يقود سيارة، وينصت إلى شكاوى الركاب، ويبتسم لمدينة تعالج أوهامها ولا تعالج أمراضها. المفارقة أن مهارته في الإصغاء، التي كانت أداة تشخيص، صارت أداة مجاملة. وأستاذ الجامعة، الذي كان يعلّم طلابه أن المعرفة سلطة، وجد نفسه بائعاً في محل لبيع الكتب. يرصّ العناوين بعناية، وينفض الغبار عن مجلدات لا يشتريها أحد. صار الكتاب في أوستنشيا زينة رفّ، لا زاد عقل. والطلب موجّه إلى المختصرات السريعة، إلى العناوين الصاخبة، إلى ما يَعِدُ ولا يفي. أما المعرفة العميقة، فتكلف وقتاً، والوقت في اقتصاد الغِلّ أثمن من الحقيقة؛ لأنه يُستثمر في مراقبة الآخرين لا في تطوير الذات. في هذه البيئة، ترتفع مكانة الراقصة وصانع المحتوى فوق مكانة العالم. لا لأن الفن رذيلة أو لأن الإعلام عيب، بل لأن المعايير انقلبت. صار المعيار هو القدرة على إثارة الانفعال، لا على بناء الفهم. وكلما ازداد الانفعال، ازداد العائد. وأصبح لفت الإنتباه في أوستنشيا عملة، والغيرة بنك مركزي. تُضخّ صور الرفاه كل ساعة، فتزداد الفجوة بين الواقع والمتخيَّل، ويشتعل الغِلّ كوقودٍ لا ينفد. اقتصاديات الغِلّ تقوم على ثلاث ركائز هي المقارنة الدائمة، والاعتراف المشروط، والنجاح الاستعراضي. فالمقارنة الدائمة تجعل الفرد أسير شاشة، يزن قيمته بعدد الإعجابات. والاعتراف المشروط يربط الكرامة بتصفيق الجمهور. والنجاح الاستعراضي يحوّل الإنجاز إلى عرضٍ مسرحي. وفي ظل هذه الركائز، يصبح العمل الصامت بلا عائد معنوي، والعلم البطيء بلا مكافأة اجتماعية. المفارقة أن المدينة تبدو مزدهرة في ظاهرها. فالإعلانات تلمع، والفعاليات لا تنقطع، والمنصات تضجّ. لكن تحت هذا اللمعان، يتآكل رأس المال الحقيقي، وهو الثقة. فحين يعمل المهندس بما لا يحب، والطبيب بما لا يتقن، والأستاذ بما لا يُقدَّر، تتآكل الثقة بين الفرد ومهنته. ومع تآكل الثقة، يضعف الإتقان. ومع ضعف الإتقان، يهبط مستوى الخدمة. وهكذا تدور حلقة خفية ملخصها أن الغِلّ يُنتج سوء تخصيص للموارد، وسوء التخصيص يُنتج مزيداً من الغِلّ. في أوستنشيا، لا يهاجم الناس بعضهم بأسلحة، بل بنظرات. يتنافسون لا ليتفوقوا، بل ليتفوّقوا على غيرهم. الفرق دقيق لكنه قاتل. فالتفوق الأول يرفع الجميع، والثاني يسحبهم إلى حفرة المقارنة. وحين يصبح الهدف هو إزاحة الآخر، لا بناء الذات، يتحول السوق إلى ساحة صراع نفسي. تُستهلك الطاقات في التتبع والتشكيك، لا في الابتكار. وتُهدر الساعات في الجدل، لا في الإنجاز. حتى اللغة تغيّرت في هذه المدينة. ولم يعد السؤال ماذا قدّمت؟ بل كم حصدت؟ ولم يعد النقاش ما الفكرة؟ بل من قالها؟ وصار الاسم أهم من المضمون، والصورة أهم من الرسالة. وهنا تتجلى أخطر نتائج اقتصاديات الغِلّ، وهي باختصار تزييف الأولويات. وحين تتبدل الأولويات، يتبدل التعليم، وتتبدل المهن، ويتبدل الحلم نفسه. ويحلم الشاب بالشهرة قبل المهارة، وبالظهور قبل الجدارة. غير أن اقتصاديات الغِلّ ليست قدراً. إنها اختيار جمعي يتغذى على خوف فردي، وهو الخوف من أن نكون عاديين. وفي أوستنشيا، يخشى الناس أن يمرّوا دون أن يُلاحظوا. فيبالغون في كل شيء؛ يبالغون في العرض، وفي الادعاء، وفي الاستعراض. لكن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ؛ تبل حتاج إلى صبر. والمدينة التي لا تصبر على نمو المعرفة، تحصد ثماراً بلا جذور. ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها تُقنع الجميع بأنهم ضحايا، بينما هم شركاء. كلُّ واحد يشتكي من انحراف المعايير، لكنه يضغط زر الإعجاب لما يشتكي منه. يندد بتفاهة المحتوى، ثم يستهلكه. ينتقد الشهرة السطحية، ثم يتتبعها. وهكذا يتغذى السوق على تناقضه. والعرض يستجيب للطلب، والطلب يتشكل بالعرض، في دائرة مغلقة. ومع ذلك، ثمة بصيص. في أزقة أوستنشيا، لا يزال هناك من يقرأ بلا إعلان، ويعمل بلا ضجيج، ويتقن بلا تصفيق. هؤلاء يشكلون اقتصاداً موازياً، اقتصاد المعنى. لا يربحون سريعاً، لكنهم يراكمون ثقة. لا يلمعون كثيراً، لكنهم يضيئون طويلاً. إنهم يدركون أن القيمة لا تُقاس بالتصفيق اللحظي، بل بالأثر المتراكم. اقتصاديات الغِلّ تذكّرنا بأن السوق ليس أرقاماً فقط، بل أخلاق أيضاً. وحين تختل الأخلاق، يختل التوازن. والمدينة التي تفضّل الصورة على الجوهر، تخسر الاثنين معاً. أما المدينة التي تعيد الاعتبار للعلم، وللحرفة، وللعمل الصامت، فإنها تبني ثروة لا تُرى فوراً، لكنها تبقى. أوستنشيا مدينة خيالية، نعم. لكنها مرآة. في كل مجتمع بذرة منها، وفي كل نفس احتمال لها. السؤال ليس كيف وصلنا إلى هنا؟ بل أي اقتصاد نريد أن نُغذّي؟ اقتصاد الغِلّ، حيث يعلو الضجيج ويهبط الإتقان؟ أم اقتصاد القيمة، حيث يعمل المهندس مهندساً، والطبيب طبيباً، والأستاذ أستاذاً، ويأخذ كلٌّ مكانه الطبيعي لا مكانه الأكثر إثارة. الاختيار يبدأ من معيار صغير، وهو أن نكافئ الجودة ولو كانت هادئة، وأن نحتفي بالمعرفة ولو كانت بطيئة، وأن نرى في نجاح الآخر إضافة لا تهديداً. حينها فقط، تتراجع اقتصاديات الغِلّ، ويعود السوق إلى وظيفته الأولى؛ خدمة الإنسان، لا تأجيج ناره. وهكذا، في يومٍ ما، قد تستيقظ أوستنشيا لتكتشف أن الغِلّ لم يكن قانوناً اقتصادياً، بل عادة نفسية. وأن تغيير العادة، أصعب من تغيير العملة، لكنه أصدق أثراً. وعندها، ربما يعود المهندس إلى مخططاته، والطبيب إلى عيادته، وأستاذ الجامعة إلى منبره، وتصبح القيمة في موضعها الصحيح، حيث يكون العلم أثمن من الضجيج، والجوهر أرفع من الصورة. إهداء إلى طلبتي الأعزاء، وهم رأس المال البشري.. .

مشاهدة أ د بني هاني يكتب عن اقتصاديات الغ ل عاجل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أ د بني هاني يكتب عن اقتصاديات الغ ل عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أ. د. بني هاني يكتب عن اقتصاديات الغِلّ عاجل.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار