اقتصاديات الوعي: حين يتكلم الفراغ ويصمت العارفون! عاجل ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -  ثمة لحظات في تاريخ الإنسان لا يكون فيها الخطر ماثلاً في الفقر أو الضعف أو الهزيمة، بل في شيءٍ أعمق وأشد خفاءً، وهو تآكل الوعي ذاته. وذلك أن أخطر ما يمكن أن يصيب الكائن العاقل ليس أن يفقد قدرته على الفعل، بل أن يفقد قدرته على الفهم، فيتحول من ذاتٍ مدركة إلى كيانٍ مُنساق، يظن أنه يرى وهو في الحقيقة غارق في عتمة لا يعترف بها. حين يغيب الوعي، لا يغيب دفعةً واحدة، بل يتسلل على هيئة تشوهات خفية في الإدراك؛ يُصبح الخطأ مألوفاً، والانحراف عادياً، بل قد يتخذ هيئة الصواب. وهنا يبدأ الإنسان في العيش داخل وهمٍ مُركب، حيث لا تعود المشكلة في الضلال ذاته، بل في غياب الإحساس به. وهذه الحالة تشبه سُكراً بلا مادة، وفقداناً للتوازن دون إدراكٍ للاختلال، وكأن الإنسان قد انفصل عن مرآته الداخلية التي كان يرى بها نفسه. ومن هذا الغياب للوعي، يتشكل عالمٌ لا يقوم على الفساد بوصفه حادثة، بل بوصفه نظام حياة. إذ لا يعود الخلل طارئاً يُمكن عزله، بل يغدو جزءاً من البنية العامة، ومُتغلغلًا في تفاصيل الحياة اليومية، حتى يتطبع به الناس ويكفون عن مساءلته. وفي مثل هذا العالم، لا يُطرح السؤال لماذا حدث هذا؟ بل يُستبدل بسؤالٍ أكثر خطورة لماذا لا يحدث؟ وهنا تتحول القيم من معايير للحكم إلى عادات لا يُفكر فيها. غير أن التحول الأكثر خطورة لا يكمن في انتشار الفساد، بل في انقلاب المعاني ذاتها. فالأشياء لا تبقى على دلالاتها الأولى، بل تُعاد صياغتها وفق حاجات اللحظة. فما كان رمزاً للنقاء قد يُستعمل أداةً للصراع، وما كان بدايةً للصفاء قد يُوظف في إنتاج التوتر. وهذه القدرة على تحويل المعنى من جوهره إلى نقيضه تكشف عن خللٍ عميق في العلاقة بين الإنسان والحقيقة، إذ لم يعد المعنى يُستمد من جوهره، بل من استعماله. وفي قلب هذا الاضطراب، تنشأ حالة من الانقسام الداخلي، حيث لا يعود الإنسان كياناً موحداً، بل يتوزع بين صورتين متناقضتين. ويظهر في لحظة بصورة الفضيلة، وفي أخرى يمارس نقيضها دون شعور بالتناقض. وهذا ليس مجرد خللٍ سلوكي، بل هو انكسار في وحدة الذات، حيث تفقد الشخصية انسجامها الداخلي، وتعيش حالة من التعدد غير المنسجم. والإنسان هنا لا يكذب على الآخرين بقدر ما يكذب على نفسه، لأنه لم يعد يرى التناقض تناقضاً. ومع هذا التفكك، تتصدع بنية المعرفة نفسها. إذ لم يعد القول يُسند إلى من يملك العلم، بل إلى من يملأ الفراغ. ويتكلم من لا يعرف، ويُستبعد من يعرف، فتُقلب المعادلة، ويصبح الجهل مصدراً للتوجيه بدل أن يكون موضع مراجعة. وحين يتكرر هذا النمط، لا يبقى الجهل حالة طارئة، بل يتحول إلى غذاءٍ يومي للعقل الجمعي، يُعاد إنتاجه وتداوله حتى يغدو مألوفاً، بل ومقبولًا، أو ربما مطلوباً. وفي موازاة ذلك، يفقد المجال القيمي مرجعيته، فلا يعود هناك معيار ثابت يُمكن الاحتكام إليه. فتختلط المفاهيم، وتتداخل الحدود، فلا يعود واضحاً ما هو صواب وما هو خطأ، لأن أدوات التمييز نفسها قد تعطلت. وهنا لا تكمن المشكلة في اختيار الخطأ، بل في فقدان القدرة على التعرف إليه. والإنسان، في هذه الحالة، لا يضل الطريق لأنه اختار الضلال، بل لأنه لم يُعد يرى الطريق أصلاً. غير أن هذا الانهيار لا يمكن تفسيره بوصفه قهراً خارجياً فقط، بل هو في جانبٍ كبير منه نتيجة تخلٍّ داخلي. فالإنسان لا يُجرد من عقله قسراً، بل يتنازل عنه تدريجياً، حين يكف عن استخدامه، أو حين يُسلّمه لغيره دون مساءلة. وكذلك الأخلاق لا تختفي فجأة، بل تبهت حين تُهمَل، وتُستبدل بمعايير نفعية آنية. وهنا تكمن المسؤولية الأخلاقية، وأن الانحدار ليس قدراً محتوماً، بل مسارٌ يُسهم الإنسان في صنعه، ولو بالصمت أو اللامبالاة. وعندما يصل الخلل إلى مرحلة إعادة تشكيل المجال العام، يصبح الانحراف ظاهرة مُنتَجة لا مجرد سلوك فردي. فلا يكتفي الإنسان بممارسة الخطأ، بل يعمل على تعميمه، وإضفاء الشرعية عليه، حتى يتحول إلى نمطٍ سائد. وفي هذه اللحظة، لا تعود المشكلة في الفعل، بل في تحويله إلى معيار، بحيث يُقاس عليه غيره. وهنا يبلغ الانقلاب القيمي ذروته، حين يُعاد تعريف الأشياء، فيُلبس الخطأ ثوب الصواب، ويُنزَع عن الصواب معناه. إن أخطر ما في هذا المسار أنه لا يؤدي فقط إلى فساد السلوك، بل إلى فساد المجتمع وبيئته المعيارية. فحين تختل المعايير، يفقد الإنسان القدرة على التمييز، وحين يفقد القدرة على التمييز، يصبح عرضةً لأي توجيه، لأنه لم يعد يمتلك أداة التحقق. وهكذا يدخل في دائرة مغلقة؛ جهلٌ ينتج جهلًا، وانحرافٌ يُبرر انحرافًا، حتى يغدو الخروج من هذه الدائرة أمراً بالغ الصعوبة. ومع ذلك، فإن إدراك هذه الحالة هو في حد ذاته بداية الخروج منها. إذ لا يمكن استعادة التوازن دون إعادة الاعتبار للعقل بوصفه أداة للفهم، وللأخلاق بوصفها معياراً للفعل. فالعقل لا يكتفي بأن يعرف، بل يجب أن يُمارس، والأخلاق لا تُعلن، بل تُجسد. وحين يستعيد الإنسان هاتين الركيزتين، يستعيد في الوقت ذاته وحدته الداخلية، وقدرته على التمييز، وإمكانه في بناء معنى لحياته. إن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة عالمٍ فاسد، بل أزمة إنسانٍ فقد صلته بما يجعله إنساناً. وحين يستعيد هذه الصلة، لا يتغير العالم دفعةً واحدة، لكنه يبدأ في استعادة معناه، لأن المعنى لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل، وفي تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يرى، لا أن يكتفي بالانجراف. .

مشاهدة اقتصاديات الوعي حين يتكلم الفراغ ويصمت العارفون عاجل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ اقتصاديات الوعي حين يتكلم الفراغ ويصمت العارفون عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، اقتصاديات الوعي: حين يتكلم الفراغ ويصمت العارفون! عاجل.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار