كتب- زياد فرحان المجالي في الحروب الكبرى، لا تكفي متابعة الصواريخ والطائرات لفهم ما يجري. فالمعركة لا تُدار فقط في السماء، بل أيضًا في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يحاول تفسير الأحداث قبل أن تتضح نتائجها. ومن هنا تبدو كثير من القراءات المتداولة حول الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، مزيجًا من الوقائع العسكرية والتفسيرات السياسية التي تحمل في طياتها أهدافًا تتجاوز مجرد التحليل. في إسرائيل، تبدو الرواية السائدة في وسائل الإعلام وكأنها تسعى إلى رسم صورة مفادها أن ما يحدث اليوم ليس نتيجة ظرف طارئ، بل ثمرة خطة طويلة الأمد كانت القيادة الإسرائيلية تدرك ملامحها منذ سنوات. ويجري تقديم العمليات العسكرية الحالية على أنها امتداد لرؤية استراتيجية قديمة، هدفها النهائي تحجيم المشروع الإيراني أو إنهاؤه. غير أن مثل هذا الخطاب لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الإسرائيلي، حيث يعيش المجتمع منذ أيام تحت ضغط الصواريخ والإنذارات المتكررة، وفي ظل حالة من الترقب والقلق. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الخطاب الإعلامي جزءًا من إدارة الجبهة الداخلية بقدر ما هو قراءة للأحداث. لكن التاريخ العسكري والسياسي يعلمنا أن النجاح التكتيكي لا يعني بالضرورة نجاحًا استراتيجيًا. فالضربات الجوية قد تحقق تفوقًا مؤقتًا، وقد تدمر منشآت عسكرية أو بنى تحتية مهمة، لكنها لا تحسم دائمًا الصراع السياسي الذي يقف خلف الحرب. فالدول لا تنهار بالضرورة نتيجة الضربات الجوية وحدها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدول كبيرة تمتلك مؤسسات أمنية معقدة وخبرة طويلة في التعامل مع الضغوط الخارجية. في المقابل، يظهر الخطاب الأميركي في هذه المرحلة متحدثًا من موقع القوة التقليدية للولايات المتحدة. فواشنطن تنظر إلى الحرب من زاوية تفوقها العسكري والتكنولوجي، وتؤكد أن قدراتها العسكرية قادرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة. غير أن التجارب التاريخية القريبة تطرح أسئلة جدية حول حدود القوة العسكرية عندما يتعلق الأمر بإعادة تشكيل الأنظمة السياسية أو فرض استقرار دائم. لقد دخلت الولايات المتحدة حرب العراق عام 2003 وهي تمتلك تفوقًا عسكريًا ساحقًا، وتمكنت بالفعل من إسقاط النظام خلال أسابيع قليلة. لكن السنوات التي تلت ذلك كشفت أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة القدرة على بناء نظام سياسي مستقر. وفي أفغانستان، خاضت الولايات المتحدة أطول حرب في تاريخها الحديث قبل أن تنتهي بانسحاب لم يحقق الصورة السياسية التي كانت واشنطن تسعى إليها. وحتى في فيتنام، حيث كان التفوق العسكري الأميركي واضحًا، لم يكن ذلك كافيًا لتحقيق نصر سياسي دائم. هذه التجارب لا تعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستواجه السيناريو نفسه في كل صراع جديد، لكنها تذكرنا بأن التفوق العسكري، مهما كان كبيرًا، لا يلغي تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي للدول المستهدفة. وإيران ليست دولة صغيرة أو نظامًا هشًا يمكن توقع انهياره السريع. فهي دولة كبيرة جغرافيًا وبشريًا، تمتلك بنية مؤسساتية وأمنية معقدة، إضافة إلى شبكة إقليمية من الحلفاء والنفوذ السياسي والعسكري الممتد في أكثر من ساحة. من هنا، تبدو القراءة الأوروبية للأحداث أكثر حذرًا واتزانًا. فالدول الأوروبية لا تنظر فقط إلى ما يحدث في ميدان المعركة، بل إلى ما قد يترتب عليه من تداعيات أوسع. فالحرب في منطقة بحجم الشرق الأوسط لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وأمن الملاحة البحرية وحتى الاستقرار السياسي في مناطق أخرى من العالم. ولهذا، يركز كثير من المحللين الأوروبيين على السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد الضربات العسكرية؟ فحتى لو نجحت العمليات العسكرية في إضعاف القدرات الإيرانية أو تدمير جزء من بنيتها العسكرية، فإن ذلك لا يجيب عن السؤال المتعلق بشكل النظام الإقليمي الذي سيلي هذه الحرب. فإضعاف قوة إقليمية كبيرة قد يفتح الباب أمام فراغ استراتيجي يصعب التحكم في نتائجه. المشكلة الأساسية في كثير من القراءات المتداولة اليوم هي أنها تميل إلى الخلط بين القدرة على إلحاق الضرر العسكري بالخصم وبين القدرة على إنتاج واقع سياسي جديد ومستقر. فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي أثبتت أن القوة العسكرية قادرة على فتح الحروب بسرعة، لكنها أقل قدرة على إنهائها بطريقة مستقرة. وفي حالة الحرب الحالية، يبدو أن جميع الأطراف ما زالت في مرحلة اختبار الإرادات أكثر من مرحلة الحسم النهائي. فإسرائيل تسعى إلى إعادة ترميم صورة الردع التي تعرضت لتآكل خلال السنوات الماضية، والولايات المتحدة تحاول تأكيد حضورها الاستراتيجي في المنطقة، بينما تحاول إيران إثبات قدرتها على الصمود وامتصاص الضربات. في مثل هذا المشهد المعقد، لا يبدو أن الطريق نحو نهاية واضحة للحرب قد أصبح مرئيًا بعد. فالتفوق العسكري قد يمنح أحد الأطراف اليد العليا في لحظة معينة، لكنه لا يلغي حقيقة أن الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط نادرًا ما تنتهي بضربة واحدة أو حملة عسكرية قصيرة. ولهذا، فإن القراءة الأكثر واقعية لما يجري اليوم ليست تلك التي تبالغ في تصوير الحرب على أنها بداية نهاية طرف ما، ولا تلك التي تفترض أن القوة العسكرية وحدها قادرة على إعادة تشكيل المنطقة. بل هي القراءة التي تدرك أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من التوازنات المعقدة، حيث قد تكون الضربات العسكرية مجرد بداية لمسار سياسي واستراتيجي أطول بكثير مما يتوقعه المتحمسون للحسم السريع. في الحروب الكبرى، غالبًا ما يكون السؤال الأصعب ليس كيف تبدأ المعركة، بل كيف يمكن أن تنتهي. وحتى الآن، لا يبدو أن أحدًا يملك إجابة واضحة عن هذا السؤال. .
مشاهدة بين نشوة القوة وحدود الواقع قراءة واقعية للحرب على إيران عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين نشوة القوة وحدود الواقع قراءة واقعية للحرب على إيران عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.