د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
إنّ وصايا الأنبياء من أعظم ما يُورِّثه الآباء لأبنائهم، لأنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خلاصة الإيمان والتجربة والرسالة التي عاشوا من أجلها، ومن أبلغ هذه الوصايا ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم عن وصية نبي الله إبراهيم عليه السلام لبنيه، والتي حملت في طياتها أعظم أصل من أصول الدين: التمسك بالتوحيد والثبات على الإسلام حتى الممات. فقد جاءت هذه الوصية في سياق قرآني يبين فضل هذا الدين ووجوب التمسك به، ويحذر من الانحراف عنه، كما تكشف عن عناية الأنبياء بتربية أبنائهم على العقيدة الصحيحة، وحرصهم على أن يلقوا الله وهم ثابتون على دينه. قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة:132]:
أ- قوله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}:
"التوصية" هي العهد المؤكد في الأمر الهام، {بِهَا}: أي بهذه الكلمة العظيمة وهي {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وهذه الملة هي ملة التوحيد والإسلام، {إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ}: أي وصّى بهذه الكلمة يعقوب بنيه كما وصّى بها جدّه إبراهيم - من قبل- بنيه، ويعقوب عليه السلام وُلد في حياة جدّه إبراهيم (عليه السّلام) وجدّته سارة (المنجد، ص 225).
ذكر الله وصية إبراهيم (عليه السّلام) لأبنائه في سياق الآيات التي تتحدث عن وجوب التمسك بملته، والتي تبين أن من ترك ملته رغبة عنها إلى غيرها فإنما هو جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها، كاليهود والنصارى الذين انحرفوا عن الطريق الصحيح، فموضوع الوصية في الآية: الحثُّ على التمسك بالإسلام وعدم تركه أبداً.
ب- قوله تعالى: {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}:
بدأ وصيته لهم بتذكيرهم بنعمة الله وفضله عليهم بأن اختار لهم هذا الدين الكامل من بين الأديان وفضلهم به، وبعد أن هيأ قلوبهم وأفهامهم، باستشعارهم النعمة - التي فضلهم الله بها واختارها لهم- ولا يموتوا إلا وهم عليهم، بمعنى أن لا يفارقوا هذا الدين أيام حياتهم كلها، وذلك لأنه لا يدري أحد متى تأتيه منيته، وكأنه يقول لهم: اثبتوا على دين الإسلام حتى لا تأتيكم المنية، وأنتم على غيره، فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا (الطبري، 1/438).
ويقول ابن كثير في تفسيره موضحاً هذه الوصية: أي أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالباً على ما كان عليه ويُبعث على ما كان عليه وقد أجرى الله الكريم عادته بأنه من قصد الخير وُفق له وبُسر له ومن نوى صالحاً ثبت عليه (ابن كثير، 1/280).
ونستنبط من وصية إبراهيم عليه السلام: أن الوصية بعقيدة التوحيد وما تشتمل عليه من سلوك ومكارم أخلاق من أهم ما يوصي به الأب أبناءه في كل أطوار حياتهم حتى يلقوا ربهم وهم عليه وإن الدين المعني به هنا هو الدين الإسلامي الحنيف على حدّ قوله تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ}، و"الــ" في الدين للتعريف على قوله تعالى - هناك - {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} ]آل عمران:19[، وقوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ]آل عمران:85[.
ومن هنا يعلم أن الدين الإسلامي هو الدين ولا دين غيره منذ أن بعث الله الرسل، ومن هذه الأخيرة أن إبراهيم (عليه السلام) - نفسه - كان قد وُصي من الله (عزّ وجل) بهذا الدين وهو من بعد أوصى بها أبناءه، فينبغي على الآباء على أن يكونوا في غاية الحرص على أبنائهم بتوجيههم وإرشادهم على اتباع دين الله والتمسك به، فإن هذا خير ما يقدمه الوالد لولده، إذ به ينقذه من سخط الله وعذابه، ويضعه في محل رضوانه ومحبته (عزّ وجل) (حافظ، ص 141).
ومما يذكره الفخر الرازي حول ما يستفاد من هذه الوصية قوله: اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين:
- أحدها: إنه تعالى لم يقل: وأمر إبراهيم، بل قال: ووصى، ولفظ الوصية أوكد في الأمر؛ لأنّ الوصية عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتمّ، فإذا عرف أنه (عليه السلام) في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه كان القول إلى قبوله أقرب.
- وثانيها: إنه (عليه السلام) خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصصهم بذلك في آخر عمره علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره.
- وثالثها: إنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم، وذلك يدل على شدة الاهتمام.
- ورابعها: إنه (عليه السلام) أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل - أيضاً - على شدة الاهتمام بهذا الأمر.
- وخامسها: إنه (عليه السلام) ما مزج بهذه الوصية وصية غيرها، وهذا يدل على شدة الاهتمام بالأمر، ولما كان إبراهيم (عليه السلام) هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام وأحراها بالرعاية والقبول (الرازي، 4/72-73).
إنَّ إبراهيم (عليه السلام) وصّى بنيه ويعقوب، وكانت الوصية {يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}، إذن فالوصية لم تكن أمراً من عند إبراهيم ولا أمراً من عند يعقوب، ولكن كانت أمراً اختاره الله للناس، فلم يجد إبراهيم ولا يعقوب أن يوصيا أولادهما إلا بما اختاره الله، فكأن إبراهيم ائتمن على نفسه فنفذ التكاليف وائتمنه على أولاده فأراد منهم أن يتمسكوا بما اختاره لهم.
ج- قوله تعالى: {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}:
فالمعنى لا تفارقوا الإسلام لحظة حتى لا يفاجئكم الموت إلا وأنتم مسلمون.
والله سبحانه وتعالى أخفى موعد الموت ومكانه وسببه، ليكون في هذا إعلاماً به ويتوقعه الناس في أي وقت وفي أي مكان وفي أي زمان ولذلك قد نلتمس العافية في أشياء يكون الموت فيها والشاعر يقول:
إِن نامَ عَنكَ فَكُلُّ طِبٍّ نافِعٌ
أَو لَم يَنَم فَالطِبُّ مِن أَذنابِهِ
أي إن لم يكن قد جاء الأجل، فالطب ينفعك ويكون من أسباب الشفاء، وأما إذا جاء الأجل فيكون الطب سبباً في الموت، كأن تذهب لإجراء عملية جراحية فتكون سبب موتك، فالإنسان لا بُدَّ أن يتمسك بالإسلام وبالمنهج، ولا يغفل عنه أبداً، حتى لا يأتيه الموت في غفلته، فيموت غير مسلم والعياذ بالله (الشعراوي، 1/596).
ولقد استجاب أبناء إبراهيم (عليه السلام) لوصيته وهذا يعقوب عليه السلام يكررها في آخر لحظة من لحظات حياته والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته فليسمعها طلاب الحقيقة (سيد قطب، 1/116).
المصادر والمراجع:
المنجد، محمد صالح. تفسير الزهراوين البقرة وآل عمران، دار العبيكان، الرياض، ط1، 2016م. الطبري. تفسير الطبري "جامع البيان في تأويل القرآن"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1992م. ابن كثير. تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، تحقيق: يوسف علي بديوي، حسن سويدان، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط1، 1434ه، 2013م. حافظ، عماد زهير. القصص القرآني بين الآباء والأبناء، دار القلم، دمشق، ط1، 1990م، 1410هـ. الرازي، فخر الدين. التفسير الكبير مفاتيح الغيب (تفسير الرازي)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ط 2، 1417ه- 1997م. الشعراوي، محمد متولي. تفسير الشعراوي، دار أخبار اليوم، القاهرة، 2013م. سيد قطب. في ظلال القرآن، دار الشروق للطباعة، القاهرة، ط 32، 2003 م.
مشاهدة تأملات تفسيرية في وصايا الأنبياء للأبناء وصية إبراهيم عليه السلام لبنيه
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تأملات تفسيرية في وصايا الأنبياء للأبناء وصية إبراهيم عليه السلام لبنيه قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تأملات تفسيرية في وصايا الأنبياء للأبناء.. وصيةُ إبراهيم عليه السلام لبنيه.
في الموقع ايضا :