في تاريخ الأوطان لا تُقاس اللحظات الحاسمة بعدد السنوات التي تمرّ، بل بوزن الرجال الذين يقفون عند مفترقاتها. فالتاريخ، في جوهره، ليس مجرد تسلسل للأحداث، بل حكاية إرادات بشرية قررت أن تكون جزءاً من صنعه. وفي ذاكرة الأردن يبرز اسم سعيد المفتي كأحد أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بمراقبة ولادة الدولة، بل شاركوا في صياغة ملامحها الأولى. عندما تولّى سعيد المفتي رئاسة الحكومة عام 1950، لم يكن ذلك مجرد انتقال سياسي داخل مؤسسات الحكم، بل حمل معنىً رمزياً في مسار الدولة الأردنية. فقد كان من أوائل رؤساء الحكومات الذين وُلدوا في عمّان نفسها عام 1898، وينحدر المفتي من أصول شركسية تعود إلى أسرة حبجوقة، في مدينة كانت آنذاك لا تزال تخطو خطواتها الأولى نحو التحول إلى عاصمة. وقبله كان عدد من رؤساء الحكومات قد جاءوا من مدن المشرق العربي من خارج حدود الأردن الحالية، في مرحلة طبيعية من مراحل التأسيس حين استعانت الدولة بخبرات سياسية وإدارية من مختلف أنحاء المنطقة. أما المفتي فقد كان ابن المدينة التي ستصبح عاصمة الدولة؛ نشأ بين أحيائها وشهد تحولات مجتمعها منذ بداياته، وكأن صعوده إلى رئاسة الحكومة كان إشارة إلى أن المملكة بدأت تُنجب رجال دولتها أيضاً. تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، ثم انتقل إلى دمشق لمتابعة دراسته في المدرسة السلطانية. غير أن وفاة والده عام 1917 أجبرته على العودة إلى عمّان لتحمل مسؤولية أسرته. لكن هذه العودة لم تكن نهاية لطموحاته، بل كانت بداية احتكاكه المباشر بالحياة العامة وبالتحولات التي كانت تعيشها المنطقة في تلك السنوات المضطربة. ومع بدايات تشكّل الإمارة الأردنية مطلع عشرينيات القرن العشرين، كان المفتي من الشخصيات التي آمنت مبكراً بفكرة الدولة الناشئة. وقد ظهر هذا الإيمان بوضوح عندما كان من أوائل مستقبلي الأمير عبد الله بن الحسين عند وصوله إلى عمّان عام 1921، في لحظة أصبحت لاحقاً إحدى اللحظات المؤسسة في تاريخ الأردن السياسي. ولم تكن استضافة المفتي للأمير في منزله عدة أيام مجرد موقف اجتماعي، بل كانت تعبيراً عن التقاء إرادة رجل يؤمن بمشروع الدولة مع قائد جاء ليؤسسها. وقبل ذلك بعام واحد، في عام 1920، لبّى سعيد المفتي نداء الملك فيصل بن الحسين، فتوجّه مع ميرزا باشا على رأس قوة قوامها نحو ألف مقاتل من شباب الشركس إلى سوريا للمشاركة في مقاومة القوات الفرنسية. غير أن وصولهم تزامن مع نهاية معركة ميسلون واستشهاد وزير الحربية يوسف العظمة، بعد مواجهة غير متكافئة مع قوات الجنرال غورو، فعادوا إلى عمّان وقد أدركوا أن المنطقة كانت تدخل مرحلة جديدة من الصراع السياسي. بعد ذلك بدأ سعيد المفتي مسيرة طويلة داخل مؤسسات الدولة الأردنية؛ فقد انتُخب عضواً في مجلس الشورى وهو في سن مبكرة، ثم شارك في تأسيس حزب الشعب الأردني عام 1927، وهو من أوائل الأحزاب السياسية في البلاد. ومنذ تلك اللحظة أخذ حضوره السياسي يتعزز تدريجياً حتى أصبح أحد الأسماء البارزة في الحياة السياسية الأردنية. وخلال العقود التالية تولى المفتي عدداً من المناصب الحكومية والبرلمانية؛ فشغل منصب وزير ونائب لرئيس الوزراء، كما انتُخب نائباً في البرلمان وعُيّن عضواً في مجلس الأعيان. غير أن أبرز محطات مسيرته السياسية تمثلت في توليه رئاسة الوزراء أربع مرات بين عامي 1950 و1956، في مرحلة كانت المنطقة تمر خلالها بتحولات سياسية عميقة. وفي حكومته الأولى عام 1950 شهد الأردن حدثاً مفصلياً في تاريخه الحديث تمثل في إعلان وحدة الضفتين الشرقية والغربية تحت اسم المملكة الأردنية الهاشمية، بعد موافقة مجلس الأمة الذي ضم نواباً أردنيين وفلسطينيين. وقد تشكلت حكومته آنذاك من وزراء من الضفتين، في محاولة لترسيخ صيغة سياسية تعكس الواقع الجديد الذي فرضته أحداث المنطقة بعد حرب عام 1948. ولم يقتصر دور المفتي على رئاسة الحكومة؛ فقد تولى أيضاً رئاسة مجلس الأعيان الأردني ست مرات، وهو ما يعكس المكانة السياسية التي احتلها في الحياة العامة والثقة التي حظي بها لدى القيادة الأردنية عبر عهود ثلاثة ملوك: الملك عبد الله الأول، والملك طلال بن عبد الله، والملك الحسين بن طلال. كما كان للمفتي حضور واضح داخل المجتمع الشركسي في الأردن؛ إذ ساهم في تأسيس المجلس العشائري الشركسي عام 1962 وكان أول رئيس له، كما تولى رئاسة الجمعية الخيرية الشركسية في عمّان في أربعينيات القرن العشرين. وفي عام 1974 اختار سعيد باشا المفتي الابتعاد عن العمل العام بعد مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، شهد خلالها مراحل التأسيس والتحولات الكبرى في تاريخ الأردن. وعندما رحل عام 1989 عن عمر ناهز التسعين عاماً، لم يكن يترك خلفه مجرد سيرة سياسية، بل قصة جيل كامل من الرجال الذين عاشوا زمن بناء الدولة. وهكذا بقي اسم سعيد باشا المفتي حاضراً في ذاكرة الأردن، ليس بوصفه رئيس حكومة فحسب، بل كواحد من أولئك الرجال الذين أدركوا أن الأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بالإيمان العميق بفكرة الدولة والعمل الدؤوب لترسيخها في حياة الناس. .
مشاهدة سعيد باشا المفتي شاهد على ولادة الأردن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سعيد باشا المفتي شاهد على ولادة الأردن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.