المنظر المهيب حين يُعانق بصرك الكعبة المشرفة، تسورها المآذن الشامخة والغيمات سقفها توشح سماءها الصافية بالبياض الذي يداهمك على مد البصر أينما وليت وجهك؛ مئات الآلاف من الزوار والمعتمرين والمصلين يجتمعون من أقطار العالم بين يدي الله يقفون في خشوع ومهابة لا تميز بين غنيّهم وفقيرهم وبين هذا وذاك، تجمعهم كلمة التوحيد والحاجة لله، وأدعية يتضرعون بها إليه؛ كلّ أسرّها في قلبه وفاض بها أمام بيته المكرّم، حملها كخبيئة وعبر بها المسافات والبحار والجبال والأودية ليبثها هناك في الديار المقدسة وحول بيت الله في طوافه وصلاته وسعيه.يتذكر ضائقة هاجر وابنها ثم زمزم التي تفجرت تحت قدميها تغيث الأم المكلومة وتروي ظمأ وليدها، ثم للحاج في ذلك عبرة ويقين بفرج الله وتغيير أوضاعه وأن السماء تفتح أبوابها لتجيبه وأنه في بيت الله الذي يستجيب ربهالداع إذا دعاه.في غرّة رمضان قصدت مكة المكرمة لتأدية العمرة، سبقني شوقي للمكان المقدس وعطشي لعناق روحاني مع كل ركن فيه، الإمكانات المسخرة لخدمة الكعبة وزوارها هائلة، رجال الأمن الذين يبذلون طاقاتهم لخدمة المعتمرين، نظافة المكان وإفطار المصلين وتسابق المتطوعين لخدمة القادمين من كل فج وصوب، المرورالذي يفوج آلاف المركبات القادمة إلى مكة، ثم مسيرة المعتمرين من وإلى فنادقهم في أمن وتنظيم ومن يحتاج منهم خدمة طبية أو إسعاف يصله بالسرعة الممكنة، ثم يتحمل رجال الأمن أكثر مما يمكن وصفه من تجاوزات المعتمرين وممارساتهم الخاطئة واعتداء البعض بالقول أو الفعل عليهم.خدمة زوار بيت الله يعتبره السعوديون شرف عظيم يتسابقون إليه وهو عادة قديمة وإرث توارثته الأجيال منذ القدم، ولا أنسى من دعائي ذلك الشاب الذي تلمس حاجتي للمساعدة فهرول إليّ يستفسر إن كنت بحاجة لشيء وأقبل بالتمر وماء زمزم وكلماته اللطيفة وترحيبه ينهال كالهتون.زمزم المتوفرة في باحات الحرم وساحاته بطريقة صحية ونظيفة يشرف على نظافة المكان عمالة مدربة، تتأكد من جفافه حتى لا يصاب زوار بيت الله بالسقوط أو الإصابات ثم تسهيل شرب زمزم ونظافة الماء والأكواب والتخلص من المستعمل لاتقاء العدوى وهذا تطرق سريع لخدمة بسيطة من عشرات الخدمات الأخرى التي تسهل زيارة الحرم لزواره وتحافظ على سلامتهم وأمنهم وتسهيل زيارتهم.وفي الظروف الصعبة التي عاشتها المنطقة بقيت مكة كما باقي المدن السعودية الأخرى في حفظ الله ورعاية حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، وقد حظي الزائرون والمعتمرون بكل وسائل الراحة والعناية الأمنية والطبية وكرم أهل المنطقة الذين كرّسوا أنفسهم لخدمتهم كما رجال الأمن، كما لم يستثن الحجاج الإيرانيون الذين ظلوا في عناية الدولة ورعايتها حتى مغادرتهم إلى بلدهم رغم ما اقترفته بلدهم بحق الآمنين والمنشآت الحيوية والسكانية في دول الخليج.مكة المكرمة قبلة القلب ومهوى الأفئدة، البلد الحرام الذي ما إن وصلت إليه حتى غشاني الخشوع والرحمة وفضت دعاء وحنينا وبكاء وشكرا وامتنانا كذلك.دعائي يعانق السماء التي تظللها، ويطوف مع الأنفاس التي تطوف حولها، يعلو كصوت المآذن وكلمة الحق بأن يحفظ الله المملكة وعالمنا من الحروب والصراعات وما يترصد بنا. وحكاية المكان بدأت ولن تنتهي إلا أن يرث الله الأرض وما عليها.
مشاهدة مك ة حكاية المكان والإنسان
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مك ة حكاية المكان والإنسان قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىصحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.