كتب - عبدالرزاق بني هاني إلى معالي وزيرة التنمية الاجتماعية السيدة وفاء بني مُصطفي ليس الفقر رقماً يُحصى، ولا تقريراً يُرفع، بل هو انكسار خفي في علاقة الإنسان بالحياة. وهو ذلك الشعور الثقيل بأن الجهد لا يكفي، وأن الأبواب تُفتح لغيرك وتُغلق في وجهك بصمت. وفي الأردن، كما في كل مجتمع يختبر هشاشة التوازن بين الإمكانات والاحتياجات، لا يكمن السؤال في كم ننفق، بل في كيف نفهم الفقر ذاته. وقد صاغ عالم الاقتصاد الأمريكي آرثر أوكون (Arthur Okun) استعارة موجعة حين تحدّث عن الدلو المثقوب (Leaky Bucket)، يقول فيها بأن كل محاولة لنقل جزء بسيط من الثروة من الأعلى إلى الأسفل تفقد شيئاً في الطريق. وليست المشكلة في النية، بل في الطبيعة المركبة للمجتمع، حيث تتسرّب الموارد عبر فجوات خفية؛ وإجراءات معقدة، وتقديرات ناقصة، وأحياناً قسوة غير مقصودة في تصميم السياسات. لكن الفكرة الأعمق ليست في هذا التسرب، بل في أولئك الذين لا يصلهم الماء أصلاً. حين يصبح الفقر مرئياً إلى حد الصدمة: هناك فئة من الفقراء لا تظهر في الإحصاءات بسهولة، ولا في قواعد البيانات الرسمية، ولا حتى في كثير من برامج الدعم. إنهم أولئك الذين يقتربون من حاويات القمامة في الليل، لا بدافع العبث، بل بحثاً عن بقايا طعام، أو أشياء يمكن بيعها، أو حتى مجرد شيء يُبقيهم على قيد الكرامة. وهؤلاء ليسوا فقراء بالمعنى التقليدي فقط؛ إنهم خارج النظام كله. خارج آليات الرصد، وخارج شبكات الحماية، وخارج الخيال السياسي أحياناً. ووجودهم يطرح سؤالاً أخلاقياً حاداً مفاده كيف يمكن لسياسة أن تدّعي العدالة، بينما يضطر إنسان للبحث في النفايات ليعيش؟ وفي هذه اللحظة، لا يعود الحديث عن الكفاءة أو الاستهداف مجرد نقاش تقني، بل يصبح اختباراً لإنسانية المجتمع نفسه. الفقر كعلاقة مختلّة: الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل انقطاع في الانتماء. والفقير، في كثير من الأحيان، لا يفتقر فقط إلى الدخل، بل إلى الشعور بأنه جزء من اللعبة أصلاً. وحين يصل الإنسان إلى مرحلة البحث في القمامة، فإن ما يُفقد ليس الطعام فقط، بل الاعتراف. وإن أخطر أشكال الفقر هو ذاك الذي يجعل الإنسان غير مرئي. لا يُحسب، لا يُسأل، ولا يُتوقع منه شيئاً. وهنا، لا يكون الدعم مجرد تحويل مالي، بل إعادة إدخال هذا الإنسان في دائرة الاعتبار. وعندما تقترب العدالة من الحافة يُصبح أي شيءٍ ممكناً. والعدالة ليست أن نعطي الجميع الشيء نفسه، بل أن نرى من لم يحصل على أي شيء أصلاً. فإن أولئك الذين يعيشون على هامش المدن، أو في زواياها المنسية، أو خلف حاوياتها، يكشفون حدود أي نظام يدّعي الشمول. والحكومة قد تصمم أفضل البرامج، وأدق المعايير، لكن إن بقي هناك من لا يصل إليه شيء، فإن الخلل ليس في الهامش، بل في المركز. والعدالة الحقيقية تبدأ من السؤال الصعبالذي يقول من الذي لم نره بعد؟ وهنا تعود فكرة الدلو المثقوب، لكن بشكل مختلف. والمشكلة هنا ليست فقط أن الماء يتسرّب، بل أن هناك من يقف بعيداً عن مسار الدلو كله. لا تصله قطراته، ولا حتى رذاذه! ومن السهل أن نقول إن الإنسان يجب أن يعمل، وأن يعتمد على نفسه. لكن ماذا عمن فقد القدرة على الدخول إلى السوق أصلاً؟ ماذا عمن أُقصي، أو تعب، أو كُسر؟ فهؤلاء الذين يبحثون في القمامة لا يفعلون ذلك لأنهم اختاروا الكسل، بل لأن الخيارات الأخرى تآكلت تدريجياً. وهنا، يصبح الحديث عن الحوافز أكثر تعقيداً، ولا يمكن تحفيز من لم يُمنح فرصة، ولا يمكن مطالبة من سقط في القاع أن يقفز فوراً إلى الأعلى. والمجتمع العادل لا يكتفي بمدّ اليد، بل يقترب بما يكفي ليفهم المسافة التي سقطها الآخر. وحين تختل التوازنات الكبرى ترتفع الأسعار، أو تضيق الفرص، أو تتآكل الدخول، وبالتالي فإن الأثر لا يتوزع بالتساوي. والفقراء هم أول من يشعر، وآخر من يتعافى. ومن يصل إلى حافة القمامة هو في الحقيقة آخر حلقة في سلسلة طويلة من الاختلالات. فإن حماية الفقراء لا تعني فقط إعطاءهم، بل منع وصولهم إلى هذه الحافة أصلاً. وتعني بناء اقتصاد لا يدفع أفراده إلى البحث في بقاياه، بل يفتح أمامهم مسارات للحياة الكريمة. وقد نقبل أن الدلو مثقوب، لكن لا يمكن أن نقبل أن يظل بعض الناس خارج مساره بالكامل. والتحدي الحقيقي ليس في سدّ كل الثقوب، لأن ذلك مستحيل، بل في إعادة توجيه التدفق نفسه، بحيث يصل أولاً إلى من هم في أقصى الحاجة. وربما لا يمكننا منع كل تسرب، لكن يمكننا أن نقرر لمن نضمن الوصول أولاً. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح أي مجتمع بعدد برامجه، بل بعدد من لم يُتركوا خلفها. والفقر، في أقسى صوره، ليس مجرد حرمان من الموارد، بل من الاعتراف. وأولئك الذين يقفون عند حاويات القمامة يذكّروننا بحقيقة لا يمكن تلطيفها؛ هناك خلل ما، ليس فقط في التوزيع، بل في الرؤية، أي في من نراه، ومن نختار، بوعي أو بدونه، ألا نراه. وإذا كانت العدالة تبدأ من فكرة، فإنها تكتمل حين تصل إلى آخر إنسان، حتى ذاك الذي يقف في الظل، يبحث في بقايا العالم عن فرصة صغيرة للبقاء. .
مشاهدة حين يأكل الفقير من القمامة hellip أية عدالة بقيت
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يأكل الفقير من القمامة أية عدالة بقيت قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.