سعيد خطيبي لـ«عكاظ»: «البوكر» علمتني أن الحلم لا بد أن يجد طريقه إلى النور ...السعودية

ثقافة وفن بواسطة : (صحيفة عكاظ) -
لا يكتب الروائي الجزائري سعيد خطيبي التاريخ بوصفه وقائع جامدة، ولا يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مخزناً للأحداث المنقضية، بل يقترب منهما بوصفهما مادة حيّة قابلة للمساءلة والتأويل وإعادة التخيل. وفي مشروعه الروائي، الذي تُوِّج أخيراً بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن روايته (أغالب مجرى النهر)، تبدو الكتابة محاولة دؤوبة لاستعادة الإنسان من بين ركام السرديات الكبرى، والإنصات إلى ما تقوله الأصوات المهمشة بعيداً عن الرواية الرسمية.في هذا الحوار مع «عكاظ» يفتح خطيبي أبواب تجربته الإبداعية، ويتحدث عن بداياته الشاقة مع القراءة والكتابة في الجزائر، وعن علاقته بالتاريخ والذاكرة، وجماليات السرد، وموقع النقد، وأثر الصحافة في أسلوبه، كما يكشف ملامح مشروعه الجديد ورؤيته لمستقبل الأدب العربي في زمن التقنية والذكاء الاصطناعي.من البدايات الشاقة إلى منصة البوكر• نهنئك بفوزك بجائزة «البوكر» العربية عن رواية «أغالب مجرى النهر».. كيف كان إحساسك وأنت تستعيد المسار الذي قادك من الكتابة الأولى إلى رواية متوجة بجائزة عربية مرموقة؟ •• شكراً أسماء.. لا أستعيد مجرد مسار أدبي، بل أستعيد حياة كاملة، بما انطوت عليه من قسوة وعناد. لقد بدأت الكتابة في زمنٍ كان الكتاب بالعربية في الجزائر يشبه العثور على كنزٍ، كمن يعثر على ماء في صحراء، لا سيما في مدينتي البعيدة جنوب العاصمة بمئات الكيلومترات. لم تكن القراءة حقاً بل مغامرة. كانت هناك مكتبة واحدة، أغلقت أبوابها جراء العشرية السوداء، فصرنا نتقاسم الكتاب الواحد، تتداوله الأيدي حتى يبهت غلافه وصفحاته.الطريق إلى الكتابة كان مفروشاً بالمشقة. كنا نرتجف كلما انقطع التيار الكهربائي ليلاً، لأن ذلك كان يعني احتمال هجوم إرهابي في العتمة. نشأنا على إيقاع الرصاص، وعلى ذاكرة الانفجارات، لكننا لم نتخلّ عن حقنا في الحلم. كنا في النهار نعيش واقعاً خشناً، ونحتمي ليلاً ببساتين نزرعها في الخيال. في هذا التوتر بين ما هو حاصل وما ينبغي أن يكون، وُلدت الكتابة. وبرأيي، فإن الكتابة هي قدرة الإنسان على أن يجتاز القسوة دون أن يفقد حساسيته، وأن يحوّل الندوب إلى لغة، والخوف إلى معنى. لذلك فإن الجائزة العالمية للرواية العربية تعني لي أن الحلم لا بد أن يجد طريقه إلى النور.الرواية.. بحث يتحول إلى حكاية• ما رؤيتك لموقع الكتابة الروائية داخل مسارك الإبداعي؛ هل هي امتداد للبحث الثقافي؟ أم مجال مستقل له منطقه الخاص؟•• الكتابة الروائية هي النهر الذي أشقّ فيه طريقي، وأعيد رسم حدوده كلما ظننت أنني بلغت الضفة. في البدء، أكتب بحثاً عن معنى يليق بهذه الحياة. في زمن بعيد، لم تكن الكتب بالعربية متاحة في جواري كما أسلفت، فآويت إلى الفرنسية، لا بوصفها لغة أخرى، بل مرآة أرى فيها ما ينقصني. كنت أختار روايات صغيرة، وأعيد كتابتها بالعربية على كراريس مدرسية. ولم أكن أعلم أن تلك النصوص كانت مترجمة من قبل. ثم بدأت ألعب؛ أبدّل مصائر الشخصيات وأغيّر نهاياتها. لم يكن ذلك تمريناً على الترجمة، كان تمريناً على قدري في الكتابة.لم أدرك وقتها أن هذه اللعبة التي بدت بريئة، كانت تعيد كتابة مساري أنا، وتدرّبني على أن أكون شريكاً في النص لا مجرد قارئ له. وحين تخرجت من شعبة العلوم في المدرسة الثانوية، اخترت الأدب في الجامعة من أجل إصغاء أعمق إلى الناس، إلى حكاياتهم، وإلى ما لا يُقال في العلن. وبدأت أبحث عن سبل فنية لا تكتفي برواية ما أنظر إليه أو ما أفكر فيه، بل تعيد ترتيب الفوضى من حولي. كنت، وما زلت، أجرّب أن أبتكر مسارات للكتابة بقدر ما أبتكر أسئلة للحياة. ومنذ سنوات طويلة، أعيش على إيقاع شبه ثابت؛ أقرأ كثيراً وأكتب قليلاً. هكذا تبدو لي الرواية مثل نقطة يتحول فيها البحث إلى حكاية، وتتحول الحكاية إلى معرفة.• هل انبثقت ولادتك الإبداعية من داخل اللغة؟ أم من داخل الأسئلة التي دأبت على طرحها على الواقع؟•• الكاتب ليس حبيس اللغة فحسب، ولا حبيس الأسئلة فقط، بل يولد من مسافة بينهما، يتولد فيها القلق.. ذلك القلق الذي يوقظ الكتابة من سكونها، ويجعل اللغة تتحول من مجرد أداة إلى مادة ملموسة، بينما تصبح الأسئلة كوّة يطلّ منها على العالم. فالكاتب يقيم في الشك، لأن اليقين يقف على النقيض من روح الأدب. وفي هذا الشد بين اللغة والسؤال يولد الكاتب. وكلما اتسعت دائرة أسئلته، ازداد قرباً من عمق التجربة في الكتابة.التاريخ في الرواية.. إنسان لا أرشيف• إلى أي حد يمكن للرواية أن تعيد كتابة الماضي دون أن تتحول إلى بديل عن المؤرخ؟•• أميل إلى القول إن التاريخ لا يُكتب بيد المؤرخين وحدهم، بل يعيد الأدب صياغته أيضاً. فالمؤرخ يدوّن ما وقع من أرقام وتواريخ وأسماء، بينما الأدب يتسلل إلى ما لم يُدوّن، إلى اللحظة الإنسانية، إلى ما شعر به البشر وهم يعبرون لحظاتهم. بل إن الأدب يعيد للتاريخ إنسانيته. فالرواية لا تعيد تدوير الماضي، بل تتأمله، وتعيد مساءلته، وتفتحه على احتمالات لم تُكتب في سجلات المؤرخين.وفي السياق العربي، يبدو الزمن وكأنه يعيد نفسه في حلقات متشابهة. والكاتب لا يعود إلى الوراء، بل يستدعي ما كان ليرى ما يكون. لأن الحاضر لا يُفهم إلا بما سبقه. والذاكرة عصب ينبض في جسد الكتابة، ما يجعل التاريخ مادة حيّة في النص، نقيس بها إذا تقدمنا حقاً أم أننا ما زلنا ندور في مكاننا.• ما الذي يدفعك إلى العودة المتكررة إلى التاريخ بوصفه مادة سردية، لا مجرد خلفية للأحداث؟•• لأنني لا أرى التاريخ شيئاً مضى، بل يسكننا بقدر ما نسكنه. نحن لسنا خارج الزمن ولا على هامش الحكاية، بل امتداد لما حصل. ما يجري أمامنا ليس وقائع طارئة ومعزولة، بل تراكم من الماضي وأخطاء لم يُعترف بها في حينها. الالتفات إلى الخلف ليس حنيناً، وأنا لا أحب كلمة الحنين، بل ضرورة معرفية، أشبه بمحاولة إنقاذ للذاكرة. من أجل أن نفهم موضع العطب، علينا أن نصغي إلى الجذور، وأن نعيد قراءة اللحظات التي تشكّل فيها الخلل وامتد إلى حاضرنا. هنا يصبح الأدب أشبه بمشرط نفكّك به الوقائع من أجل فهمها وتأملها.• عندما تشتغل على وقائع تاريخية، ما الحدود التي تضعها بين التوثيق والتخييل؟•• الوقائع التاريخية ليست حقائق مكتملة، بل احتمالات لم تُستنفد. أنا أكتب في التخييل، في التخييل وحده، حتى إن كانت نقطة البدء واقعة راسخة في السرديات السابقة أو لحظة أجمعت عليها الذاكرة الجمعية. ما يشدني ليس ما جرى، بل لماذا حصل ما حصل. أكتب انطلاقاً من ارتياب وشك: ماذا لو لم تسر الوقائع على النحو الذي سلّمنا به؟ ماذا لو كانت الحقيقة، في أحد وجوهها، قد أُقصيت لصالح رواية أكثر انسجاماً مع السلطة أو الذاكرة؟أنا لا أستعيد الحدث، بل أفتح فيه مسالك جديدة، لأعيد مساءلته من الداخل. لا تعنيني الواقعة بقدر ما يعنيني الطريق الذي أفضى إليها. لأن السؤال فعل معرفي وجمالي في آن، يتقدم على الإجابة ويتفوق عليها. السؤال يُبقي التخييل في حالة خصوبة، لذلك أجد في التخييل مرتبة أرفع من التوثيق.• هل تشعر أن التاريخ في العالم العربي لا يزال يحتاج إلى الرواية كي يُفهم خارج الصياغة المدرسية أو الرسمية؟•• أظن أن الإشكال يكمن في طبيعة علاقتنا بالتاريخ نفسه، لأن التاريخ لا يزال حبيس هالة من التقديس، ويجري التعامل معه كأنه نص مكتمل لا يقبل المساءلة، مع أنه تجربة إنسانية قابلة للتأويل والنقد وإعادة القراءة. إن أول خطوة نحو فهم أعمق للتاريخ ليست في إعادة سرده، بل في تحريره من سلطة القداسة التي تضفي عليه طابعاً يخرجه من سياقه ويضيّق أفق النظر إليه.حين نكف عن تجريم السؤال، وعن ملاحقة من يقترب من التاريخ بروح نقدية، نكون قد فتحنا باباً واسعاً لتعدد الأصوات وتكاثر الرؤى. وهكذا تصير الرواية بديلاً جمالياً للسرد المدرسي للتاريخ، وفضاءً يستعيد القيمة الإنسانية في الوقائع. وعندها يتحول التاريخ من حقيقة جامدة إلى كائن حي يتنفس من خلال التخييل والتأويل، ويغدو قابلاً للفهم لا مجرد الحفظ.الذاكرة الجزائرية وصوت المهمشين• كيف تتصور العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية في المجتمعات التي شهدت تحولات عنيفة أو صدمات تاريخية؟•• هذا سؤال ينطبق على الحالة الجزائرية، حيث يختل الإيقاع بين الذاكرة الجمعية والذاكرة الفردية. هناك جمع يتكلم بصوت واحد، بينما الأفراد لا يصغي إليهم أحد. والحالة الجزائرية تجسد هذا التأزم بوضوح. فثمة فجوة تتسع بين ذاكرة جمعية تميل إلى ابتكار سردية منسجمة مع مقتضيات المرحلة، وغالباً مع خطاب السلطة، وذاكرة فردية تعيش ما يشبه النشاز، تتقبل هزائمها بصمت، وتتحمل نزيفها في صمت.تلك الذاكرة الجمعية تدفع من يخالفها إلى الهامش، ومن هذا الإقصاء تتراكم طبقات من المنسيين، أولئك الذين لم ينالوا حق تحويل معاناتهم إلى سرد معترف به. وفي أعقاب ما يُعرف بالعشرية السوداء، ظهر هذا الشرخ بين رواية رسمية تسعى إلى فرض منطق واحد، وروايات الشهود والضحايا التي تظل غير مسموعة. لذلك حاولت في روايتي رد الاعتبار للصوت الهامشي بوصفه جزءاً أصيلاً من الحقيقة. وعندما أكتب، لا أنحاز إلى المركز بقدر ما أنصت إلى الأطراف، إلى أولئك الذين سُلب منهم حق الكلام وأُجبروا على العيش خارج الصورة الجمعية. أكتب كي أمنحهم موطئ قدم في اللغة، ومساحة يبوحون فيها بما عجزت الذاكرة الجمعية عن احتوائه. ففي زمن يسعى إلى فرض حكاية واحدة، يصبح الأدب مقاومة ضد هذا الاختزال.جماليات السرد وتعدد الأصوات• ما اللحظة التي أدركت فيها أن السرد هو الوسيلة الأقدر للتعبير عن الواقع وطرح السؤال المعرفي؟•• برأيي، الرواية ليست ترفاً للتسلية، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر، تطال الكاتب كما تطال القارئ. إنها تقود إلى مناطق غير مأمونة، حيث لا تكون الكتابة مجرد بناء حكائي، بل اختباراً للوعي والذاكرة والقدرة على فهم الماضي واستشراف المستقبل. لذلك لا أشرع في الكتابة إلا بعد مراحل من البحث والتقصي، لأن النص لا يولد من الخيال وحده، بل من احتكاك مع حقول المعرفة الأخرى.نلاحظ أن الرواية الحديثة ليست مجرد حكاية تُروى، بل مسالك تتشعب فيها الفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، كما أنها إصغاء إلى الإنسان في تعقيده، ومحاولة لفهم ما لا يُرى. إنها معرفة تتخفى في هيئة رواية. كما أنني أنحاز إلى البوليفونية في الكتابة، باعتبارها موقفاً جمالياً. فالصوت الواحد في السرد يذكّرني بأنظمة سياسية تحتكر الحقيقة. أما تعدد الأصوات، فيفتح النص على زوايا نظر متباينة، لا تغني الخطاب السردي فحسب، بل توسع أفقه المعرفي. فالرواية لا تنطلق من رغبة الحكي وكفى، بقدر ما تنبثق من حاجة إلى الفهم، من سؤال يتسع حتى يصير نصاً. والرواية لا تدّعي الحقيقة، بل تدّعي الاقتراب منها.• كيف تتشكل شخصياتك الروائية؛ من الفكرة؟ أم من المناخ التاريخي؟ أم من التوترات النفسية والاجتماعية؟•• من الصعب أن أحدد كيف تتشكل الشخصية الروائية في مخيلتي، فهي لا تأتي من نافذة واحدة ولا تخضع إلى منطق واحد. قد تنبثق من ذكرى عابرة، أو مناخ تاريخي، أو من قرار واعٍ يتهيأ في لحظة صفاء، وقد تبدأ كفكرة مكتملة. وفي الغالب، تولد الشخصية في منطقة تماس بين التاريخي والنفسي. أحياناً تكون ثمرة سؤال يحوم في ذهني، وأحياناً أخرى تخرج من لحظة قلق.لا أشعر أنني أخلق شخصياتي بقدر ما أصغي إليها. إنها شخصيات تتسرب من الهامش إلى متن النص، وتنمو وتأخذ ملامحها شيئاً فشيئاً، حتى تجد مكانها في الرواية. والسؤال الذي يشغلني ليس من أين تأتي الشخصيات، بل كيف تظل وفية لتناقضاتها، وكيف أنجح في أن تتحول من مجرد بناء تخييلي إلى كائن حي، إلى صورة تترك أثرها في ذاكرة القارئ.• ما أهمية المكان في نصوصك، خصوصاً حين يتصل بالذاكرة أو بالتحول السياسي؟•• لا أتعامل مع المكان بوصفه إطاراً محايداً تدور فيه الأحداث، بل كمحرّك للنص، يوازي الشخصية في حضوره وتأثيره. يحدد المكان سلوك الشخصيات، ونبرة السرد، وحتى صمتها. إنه فضاء ينتقل من حيّز جغرافي إلى شعور. قد يكون شارعاً أو بيتاً أو مدينة، لكنه في كل الحالات ينخرط في زمن وينطوي على حكايات. الأمكنة تعيد كتابة ساكنيها، تمنحهم ملامحهم، وتملي عليهم إيقاع وجودهم. ولهذا فإن الكتابة عن المكان ليست وصفاً، بل كشف لعلاقته بالإنسان. المكان أحد وجوه الحكاية.المرأة والعائلة والسلطة في العالم الروائي• كيف تنظر إلى حضور المرأة والعائلة والسلطة داخل العالم الروائي الذي تبنيه؟•• أنا صنيع نساء، وهي حقيقة قد يتردد البعض في الإفصاح عنها، لكنها بالنسبة لي مصدر اعتزاز. ففي كل مرة كدت أتعثر فيها، كانت هناك امرأة تعيد لي توازني، لا بالنصيحة فحسب، بل بذلك الحضور الذي يرمّم ما تصدع في الداخل. تعلمت من النساء الجزائريات الصبر، وأن المكاشفة شجاعة لا ضعف. وتعلمت منهن بث الحياة في الأشياء الصامتة، وتحويل اليومي إلى حكاية.أما العائلة، فأراها امتداداً لهذا الحضور. ليست مجرد بنية اجتماعية، بل نسيج تتقاطع فيه التجارب، وتتشابه فيه التفاصيل عبر الثقافات. ثمة شيء كوني في العائلة، يجعل حكاية محلية قادرة على أن تجد صداها في أمكنة بعيدة. وهذا ما يشدني إليها في الكتابة، تلك المساحة المشتركة التي يلتقي فيها المختلفون. وفي ما يتعلق بالسلطة، خصوصاً في معناها السياسي، فإنني أتعامل معها بحذر. لا أستسلم لليقين الذي تفرضه سردياتها، بل أقاربها من موقع الشك، لأن الشك أداة ضرورية في الكتابة. فالكتابة ليست ترديداً للصوت الأكثر ضجيجاً، بل إصغاء للصوت المقصى، وانحياز إلى ما يحجبه الخطاب السائد.القارئ والنقد.. النص الحي لا يخشى الأسئلة• كيف تتعامل مع القارئ متعدد الخلفيات، خصوصاً حين تنتقل النصوص بين مرجعيات جزائرية وعربية ومتوسطية؟•• عندما أكتب، لا أضع القارئ في مركز التفكير، بل أستدعي عزلة تتيح لي أن أكون في علاقة صافية مع اللغة والكتابة. في تلك اللحظة، ألغي الضجيج الخارجي وأجلس في مواجهة النص. ومع ذلك، لا يعني هذا غياب القارئ من أفق الكتابة، بل يعني أنني أتحمل مسؤولية الصدق تجاهه. وحين تنتقل النصوص بين مرجعيات مختلفة، يصبح هذا القارئ متعدد الخلفيات ليس مجرد متلقٍ واحد، بل شبكة من القراءات الممكنة.وهنا تتعقد الكتابة وتغتني في الوقت نفسه، إذ يتعين عليها أن تحافظ على خصوصيتها دون أن تنغلق، وأن تنفتح دون أن تفقد جذورها. لذلك أرى أن التوازن الحقيقي يكمن في الصدق أثناء الكتابة؛ أن أكتب من موقع التجربة والمعرفة، وأن أبحث قبل أن أزعم القول، وأن أتحمل مسؤولية ما أكتب. فحين يُفرط الكاتب في التفكير بالقارئ، يضيق النص.• ما موقع النقد الأدبي من مشروعك الروائي؟ وهل تميل إلى استقبال القراءة النقدية بوصفها كشفاً جديداً للنص أم اختباراً له؟•• يظل النقد الأدبي شرطاً لا غنى عنه في أي مشروع روائي جاد، حتى وإن كان النقد يعيش اليوم، في تقديري، حالة من التحول، ولم يعد يحتفظ بالزخم الذي كان له في زمن سابق. ومع ذلك، فهو لا يزال يتنفس ويحاول الخروج من أزمته. أنا أتعامل مع النقد بوصفه ضرورة، لكنني في الوقت نفسه أحذر من ذلك النوع من التلقي الذي يكتفي بالإشادة، ويحوّل العمل الروائي إلى مساحة مديح أحادي. لأن الأدب لا يقوم على الإعجاب وحده، بل على ثنائية تراوح بين القبول والاعتراض، بين القراءة التي تضيء والقراءة التي تربك، وكلاهما جزء من حيويته.ثم إنني أجد نفسي ممتناً للنقاد الذين رافقوا رواياتي عبر السنوات، واختلفوا في مقارباتهم، لأن هذا الاختلاف هو ما يمنح النص روحاً. فكل قراءة نقدية، مهما كانت زاويتها، تضيف إضاءة جديدة إلى العمل، وتكشف ما قد لا يكون الكاتب نفسه واعياً به. ما يهمني ليس أن تحظى الرواية بإجماع، بل أن تفتح أفقاً للأسئلة. أن تُحدث أثراً نقدياً يهدم المسلمات، ويحرك التفكير لدى القارئ والناقد معاً. فالنص الذي لا ينتج نقاشاً يبقى نصاً جامداً، بينما الرواية الحية هي تلك التي تُبقي باب السؤال مفتوحاً على الدوام.الصحافة والكتابة.. الانضباط والاقتصاد في اللغة• كيف أثرت تجربتك في الصحافة على أسلوبك الروائي؟•• يحصل أن جلّ الكتّاب الذين شكّلوا وجداني دخلوا من باب الصحافة، على غرار الطيب صالح، وألبير كامو، وإرنست هيمنغواي، وغابرييل غارسيا ماركيز. من الصحافة تعلّمت الإصغاء إلى حكايات الآخرين، كما تعلّمت منها الانضباط والاقتصاد في اللغة، والاقتراب من جوهر الأشياء دون إغراق النص في زوائد لا تخدم المعنى.الصحافة تقوّض وهم الكمال، فهي تضعك على الدوام أمام نص ناقص، قابل للمراجعة، وتجعلك تدرك أن الكتابة ليست سعياً لبلوغ الكمال، بل تمرين على الاقتراب منه. كما منحتني الصحافة ثقافة تقبل النقد، والدفاع عن حقي في الخطأ، لأن الخطأ جزء من مغامرة الكتابة نفسها.المشهد المغاربي والجزائري.. بين الزخم والاختلال• هل ترى أن الكاتب المغاربي اليوم يحصل على مساحة كافية للتعبير داخل العالم العربي؟•• إن العالم العربي فضاء كوني متحرك، جزء من المغامرة الإنسانية في أوسع معانيها. وقد صار أكثر قدرة على تأمل ذاته، وعلى استقبال ما يختلف عنه، بحيث إن المشرق والمغرب العربيين يتبادلان الإصغاء والتأثير. لقد تراجعت، إلى حد بعيد، تلك النظرة القديمة التي كانت تفصل بين ضفتين، وتوهم بأن بلداناً مثل الجزائر أو المغرب أقرب إلى فرنسا منها إلى عمقها العربي. كانت تلك من بقايا وعي استعماري. أما اليوم، فهناك إدراك متزايد بأن الكتابة بالعربية في المغرب العربي لها امتداد وجذور تعود إلى قرون من التراكم الثقافي.• ما تقييمك للمشهد الأدبي الجزائري المعاصر؟ وهل تعتقد أنه يعيش نهضة سردية حقيقية؟•• يعيش المشهد الأدبي في الجزائر بين نقيضين، كمن يمشي فوق خيط رفيع. فمن جهة، هناك زخم سردي لافت، وأصوات جديدة تكتب بصدق، مسنودة بوعي وبحث جاد، تعيد إلى الكتابة معناها الأول باعتبارها فعلاً خلاقاً. ومن جهة أخرى، هناك مناخ مضطرب، في ظل غياب منظومة ثقافية تحمي الكاتب أو ترافقه، وغياب سوق الكتاب، وتراجع الفضاءات التي يمكن أن تحتضن هذا الأدب.في مثل هذا السياق، لا تعود الهجرة خياراً فردياً فحسب، بل تتحول إلى قدر جماعي. نسمع عمّن يعبر البحر في هجرة سرية إلى أوروبا على متن قارب، ونغفل عن كتّاب يعبرون إلى الخارج علناً على متن كتاب، وكلاهما تعبير عن القطيعة نفسها. يولد الكاتب في الجزائر، لكنه يجد نفسه، في لحظة ما، مدفوعاً إلى مغادرتها، لا لأنه اختار الرحيل، بل لأن شروط البقاء تضيق مع تراجع العناية بالكتاب. ومع ذلك، لا يبدو الأفق مغلقاً تماماً، فما يزال بالإمكان تدارك هذا الاختلال إذا ما أعدنا الاعتبار إلى فكرة بسيطة؛ أن تاريخ الجزائر يُصان في نصوص وأعمال كتّابها. لقد حمل الكتّاب عبء الذاكرة، وفي زمن العشرية السوداء دفعوا الثمن، إذ سقط ما لا يقل عن 120 صحفياً وكاتباً ضحايا للعنف الأعمى. لذلك فإن أي نهضة مأمولة لا يمكن أن تستقيم دون رعاية العقول، ودون الإنصات إلى الكتّاب.الرواية الجديدة.. والتقنية التي تُقلق الأدب• هل تعتبر كل رواية ترجمة لمرحلة من حياتك، أم أنها مشروع فكري مستقل؟•• كل رواية هي تجربة مختلفة، وهي محاولة لفهم ما يغيب عني.• هل تعمل الآن على مشروع روائي جديد؟ وما الملامح التي يمكن أن تكشفها عنه؟•• نعم، أنا بصدد عمل جديد، شرعت فيه العام الماضي، عقب صدور رواية ()أغالب مجرى النهر(». أكتب عن زمن آخر من هذا التاريخ العربي الملتهب، عن الإنسان في هشاشته وكذلك في صبره، عن شخصيات لا تخجل من تناقضاتها، وعن المرأة التي تحمي مجتمعها من الانحراف.• كيف ترى مستقبل الأدب العربي في ظل التقنيات والذكاء الاصطناعي والنشر الرقمي؟•• يبدو الوضع غير مريح مع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأدب، ويبدو أننا ننحو إلى زمن تنقلب فيه المفاهيم. سوف نصل إلى زمن نَحِنّ إلى النصوص القديمة، إلى الأعمال الكلاسيكية، لأن الذكاء الاصطناعي سوف يفضي إلى تشابه في الأدب، بما ينزع عنه عنصر الدهشة. وبرأيي، كلما تقدمت التقنية تراجع الأدب. لذلك أنا أزهد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأرى في الذكاء الاصطناعي عاملاً سلبياً في حالة الأدب.

مشاهدة سعيد خطيبي لـ laquo عكاظ raquo laquo البوكر raquo علمتني أن الحلم لا بد

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سعيد خطيبي لـ عكاظ البوكر علمتني أن الحلم لا بد أن يجد طريقه إلى النور قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سعيد خطيبي لـ«عكاظ»: «البوكر» علمتني أن الحلم لا بد أن يجد طريقه إلى النور.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة ثقافة وفن
جديد الاخبار