كتب أ. د. عبدالله يوسف الزعبي - غداة الطوفان، وعقب السيل القاني وأنين الموت في غزة، أعلن الكونجرس الأمريكي نهاية حقبة الغطرسة وأفول راية الكبر والهيمنة، حين أخضع، تحت سياط الاستجواب، الجامعات العريقة، معابد الحرية والمعرفة، هارفرد وبنسلفانيا، إم أي تي العبقرية وكولومبيا الثائرة، وغيرها من الجامعات. عندما طارد الطلاب في أروقة الرأي وحاصرهم في زوايا الضمير والحرم. أطفأ الكونجرس حينئذ ألق النموذج وكشف هشاشة وزيف نظامه التعليمي الذي سحر خيال العالم لقرون مديدة. سقط يومها قناع الغرب تحت وطأة الحق والعدل، وكأنه ينظر نفسه في مرآته المكسورة. ولعظم المفارقة العجيبة، أن المقدسي خليل السكاكيني كان أول من رفض ذاك النموذج الغربي في المدارس العربية، وعدّ ذلك احتذاءً بحذاء الغير؛ إذ عبّر عن موقفه مبكراً عبر كتاب له بنفس العنوان قبل 130 عاماً، ألفه ولم يكن قد بلغ الثامنة عشر بعد. فالسكاكيني اكتشف التبعية للمناهج الغربية التي تنزع ملكة الإبداع وتفصل الطالب عن بيئته. كما أن السكاكيني رفض أسس الأكاديمية الغربية وما تتضمنه من إمبراطورية العلامة والدرجات والامتحانات كأداة للتقييم، معتقداً أنها تهين كرامة الطالب وتختزل إنسانيته، فاتبع منهج "راس روس" في بناء وعي أصيل مستمد من بيئة التلميذ ومحيطه وما يألفه، ليكون التعليم وسيلة لتعزيز الهوية واللغة. كما سعى السكاكيني في مدارسه، وتحديداً الدستورية، لتكون مكاناً للإبداع وبث روح الحرية، بعيداً عن العقوبات البدنية والقيود الجامدة، ولم يثنه حائل أو صعوبة من تحقيق حلمه إلا النكبة التي حلت على رأس العرب فاضطر للهجرة عن وطنه ودياره مرغماً. منير فاشه، مقدسي آخر اتبع ذات النهج الرافض للنموذج الغربي بعد السكاكيني بنصف قرن أو يزيد؛ حين طرح رياضيات الأم الخياطة كنموذج للمعرفة الأصيلة المرنة المرتبطة بالواقع، وأكد على أهمية التربة والذاكرة في التعلم، رافضاً ما أسماه الإمبريالية الأكاديمية. قدم فاشه بديلاً عملياً للفصل الدراسي التقليدي المغلق عبر المجاورة، ذاك الفضاء الواسع ذو العمق التربوي؛ وأشبه بفكرة المشائين عند ارسطو ولكنها ليست هي. المجاورة عند منير فاشه تحاكي بيت الحكمة قديماً، تشبه جلوس الناس في ظل شجرة واحدة، صحبة في طريق التعلم، لا هرمية فيها أو مقاعد صامتة، لا تلقين تحتها إنما إصغاء لنبض الآخر، إلى ما تخبئه الحياة في الذاكرة من معرفة، لقاء حر جمعي بدافع ذاتي للتعلم من الواقع بلا سلطة رتيبة تراتبية. نموذج المجاورة عند منير فاشه إذاً كتاب مفتوح وقلوب متجاورة تضيء بعضها، الدرس فيها حكاية واللغة بيت دافئ يسكنه المعنى وتقطنه الجماعة، هي تربة حية تنبت فيها المعرفة من الحياة نفسها، من البيت والشارع، من الذاكرة والناس، ومن الأسئلة التي تولد في الداخل قبل أن تكتب على الورق. كوكبة من المفكرين العرب لامست أفكارهم ضفاف السكاكيني وفاشه، طرحوا افكاراً شبيهة، رفاعة الطهطاوي وطه حسين وساطع الحصري وعبد الحميد بن باديس، آمنوا مثلما السكاكيني بتحرّر العقل حين تشرق عليه شمس التربية، وحين تصير اللغة بيتاً للهوية وحصناً للكرامة، بينما مالك بن نبي وهشام شرابي وعبد الله العروي ومحمد أركون وعبدالوهاب المسيري، وبعض التربويين المعاصرين، كانوا أقرب إلى نموذج فاشه في بناء معرفة لا تسجن الإنسان داخل الجدران والصفوف، إنما تمشي مع الإنسان في تفاصيل الحياة، تكبر في حواره وتضيء دربه حين يتجاور مع الآخرين. رؤية أخرى يطرحها الأكاديمي القطري نايف بن نهار ترتكز على القرآن في التربية حين يستعيد مكانته كـبوصلة تضيء عتمة الحيرة العلمية وتنقذ العقل العربي من التيه. يدعو بن نهار طلبة العلم إلى الإرتواء أولاً من نبع المعرفة القرآنية ليتسنى لهم تعلم آلية تفكيك شفرات النفس البشرية وإدارة صراعات الحياة بروح ثابتة، فالعلم عنده سلم ارتقاء للإنسان من نموذج البشر بضعفه وعجلته وجدله، إلى نموذج المؤمن بجماله وسكينته وشكره، وهو نموذج يحتضن الشك مثلما محب يسعى إلى اليقين، يستوعب علوم الغرب بعد أن يوجهها بميزان الوحي. ويرى بن نهار أن العلم دون هدى القرآن هو كابوس موحش، بينما العلم الموشح بنور الوحي هو سبيل العدل والجمال. كما يعتقد أن الذكاء قد يتحول إلى أداة باردة دون عقلانية القرآن في ربط العلم بالمقاصد النبيلة وتحويل المعرفة إلى مسؤولية إنسانية وأخلاقية مقدسة. إنها دعوة لعودة نهر القرآن ليشق طريقه في الروح العربية محولاً الطالب إلى قرآن يمشي على الأرض، عقل حرّ لا يسجد دونما دليل، وقلب يفيض بالرحمة حتى مع الخصوم. هكذا يغدو التعليم في رؤية بن نهار، قصيدة حب بين العقل والوحي، حيث تصبح المدرسة، كما الجامعة، محراباً للعلم والتربية معاً، وتتحول المعرفة من أوراق جافة إلى منهج حياة يعيد للإنسان العربي أصالته المفقودة ويمنحه بوصلة لا تضل في مهب ريح الحداثة وأعاصير الهزيمة المريرة. .
مشاهدة نظرة في التعليم من السكاكيني إلى فاشه ونظرية بن نهار في القرآن
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نظرة في التعليم من السكاكيني إلى فاشه ونظرية بن نهار في القرآن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.