ترف المظاهر وفقر السلوك: إلى متى نبقى أسرى هذا التناقض؟ ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
  كنا نجلس أنا وزوجتي نحتسي القهوة في بن معروف، في مجمع جاموس سنتر، بالقرب من سوبرماركت أبو عودة. كانت الجلسة في بدايتها هادئة، قهوة دافئة، حديث عابر، ومحاولة بسيطة لالتقاط لحظة صفاء وسط ضجيج الحياة اليومية. لكن المزاج أحيانًا لا يحتاج إلى مصيبة كبرى كي يتعكر؛ يكفي مشهد صغير، تصرف عابر، ورقة تُرمى على الأرض، أو سيارة تقف في غير مكانها، حتى تشعر أن المشكلة ليست في الورقة ولا في السيارة، بل في الإنسان الذي فقد إحساسه بالمكان وبالآخرين. والحق يقال إن إدارة المجمع، مشكورة، قد بذلت جهدًا واضحًا في تنظيم المواقف وتخطيطها. الخطوط مرسومة، الأماكن محددة، والمواقف المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة ظاهرة لا تحتاج إلى تفسير أو اجتهاد. ومع ذلك، وللأسف الشديد، كأن هذه الخطوط وُضعت للزينة لا للنظام. لا أحد تقريبًا يلتزم بالوقوف بين الخطين، إلا قلة قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد. وكأن احترام المساحة العامة أصبح استثناءً نادرًا، لا سلوكًا طبيعيًا في مجتمع يفترض أنه يعتز بتحضره. وبينما كنا نحاول أن نستمتع بالقهوة، توقفت سيارة فخمة حديثة فوق موقف مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة. نزل منها رجل يبدو في بداية الستين تقريبًا، يرتدي شورتًا وتي شيرت، وبحركة باردة أغلق باب سيارته الفارهة، ثم رمى محرمة ورقية بجانب السيارة، ودخل إلى سوبرماركت أبو عودة وكأن الأرض ليست أرضًا عامة، وكأن النظافة مسؤولية عامل النظافة وحده، وكأن المكان لا يعنيه إلا بمقدار ما يخدم راحته الشخصية. في تلك اللحظة تعكر مزاجي. شعرت أن القهوة فقدت طعمها، وأن الجلسة الهادئة تحولت إلى سؤال مؤلم: لماذا نحن هكذا؟ لماذا يظن بعض الناس أن السيارة الفخمة تمنحهم حقًا غير مكتوب في مخالفة النظام؟ لماذا يعتقد البعض أن الرقم المميز، أو المظهر الأنيق، أو القدرة المالية، تعفيه من أبسط قواعد الذوق العام؟ كنت أنوي أن أوقفه وأسأله: لماذا ترمي النفايات؟ ولماذا تقف في مكان خُصص لمن يحتاجه فعلًا؟ لكن زوجتي قالت بهدوء: دعه وشأنه. فسكتُّ، لا لأنني اقتنعت، بل لأنني أدركت أن مواجهة الجهل أحيانًا لا تنتج وعيًا، بل تعكرًا أكبر. ثم عاد الرجل بعد دقائق، وكنت أظن أن المشهد انتهى. لكنه قبل أن يجلس في سيارته رمى محرمة أخرى على الأرض، وكأن الأولى لم تكن كافية لإعلان القبح. رمى الثانية، ثم غادر. وبقيت أنا وزوجتي ننظر إلى قطعتين من المحارم الورقية ملقاتين في موقف مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة. مشهد صغير في حجمه، لكنه كبير في دلالته. فالمشكلة ليست في محرمة ورقية، بل في عقلية ترى المكان العام بلا صاحب، وترى النظام اقتراحًا لا التزامًا، وترى حق الآخرين تفصيلًا يمكن تجاوزه بلا خجل. أنا طيار متقاعد، قضيت أربعين عامًا في الطيران، ورأيت من المدن والمطارات والشوارع ما يكفي لأفهم أن الحضارة لا تُقاس بارتفاع الأبراج ولا بفخامة السيارات ولا بكثرة المقاهي والمجمعات. الحضارة تبدأ من أبسط سلوك: أن تقف في مكانك الصحيح، أن لا ترمي سيجارة من نافذة السيارة، أن لا تلقي محرمة في الشارع، أن لا تحتل موقفًا مخصصًا لإنسان قد يعاني في خطواته أكثر مما نعاني نحن في ضمائرنا. في مدن كثيرة زرتها خلال عملي، رأيت الناس يلتزمون لا لأنهم ملائكة، بل لأن القانون حاضر، والوعي حاضر، والعيب الاجتماعي حاضر. رأيت كيف يتحول الخط على الأرض إلى معنى، وكيف يصبح الرصيف ملكًا للجميع لا ساحة لفوضى الأفراد. أما نحن، فما زلنا نعيش ذلك التناقض المؤلم: نحب المظاهر الحديثة، لكننا لا نحترم شروط الحداثة. نحب السيارات الفخمة، لكننا نلقي منها السجائر والنفايات. نحب السفر إلى مدن نظيفة ونعود نمدح نظامها، ثم نرجع إلى شوارعنا ونمارس عكس ما أعجبنا هناك. ننبهر بنظافة العواصم الأخرى، ونقول: "يا ليت عندنا مثلهم”، ثم يفتح أحدنا نافذة سيارته ويرمي علبة فارغة أو عقب سيجارة وكأنه يرمي جزءًا من مسؤوليته على الطريق. أي انفصام هذا؟ وأي حضارة نريدها ونحن نرفض دفع ثمنها الأخلاقي؟ بعد أيام قليلة سنحتفل بعيد الاستقلال الثمانين. مناسبة عظيمة في معناها، كبيرة في رمزيتها، عزيزة على قلوبنا جميعًا. لكن الاستقلال لا يكتمل بالأعلام وحدها، ولا بالأناشيد وحدها، ولا بالكلمات الجميلة وحدها. الاستقلال الحقيقي ليس فقط أن يكون للوطن حدود وسيادة، بل أن يكون للمواطن ضمير وسلوك ومسؤولية. فما قيمة أن نحتفل بوطن مستقل إذا كنا لا نحترم شارعه؟ وما معنى أن نرفع الرايات إذا كنا نرمي النفايات تحتها؟ كيف نغني للوطن ونحن نؤذي صورته كل يوم بتصرفات صغيرة لكنها جارحة؟ إن رمي السيجارة من السيارة ليس تفصيلًا بسيطًا. إنه إعلان صامت أن صاحبها لا يرى الشارع جزءًا من بيته الكبير. ورمي النفايات ليس مجرد قلة نظافة، بل قلة انتماء. واحتلال موقف ذوي الاحتياجات الخاصة ليس مخالفة مرورية فقط، بل خلل أخلاقي في فهم معنى الرحمة والحق. نحن لا نعاني من نقص في الخطوط المرسومة ولا من نقص في اللوحات الإرشادية، بل نعاني من نقص في احترام ما ترمز إليه تلك الخطوط واللوحات. فحين يفشل الإنسان في احترام خطين على الأرض، كيف نطالبه باحترام منظومة كاملة من القيم والقوانين؟ المؤلم أن البعض يظن أن الرقي يُشترى. يشتري سيارة فخمة، رقمًا مميزًا، لباسًا أنيقًا، ثم ينسى أن السلوك هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن شراؤه. يمكن للمال أن يرفع شكل السيارة، لكنه لا يرفع مستوى الوعي. يمكن للترف أن يلمع في الخارج، لكنه لا يخفي الفقر الداخلي حين تمتد اليد لترمي نفاية في مكان عام. إن الفقر الحقيقي ليس فقر الجيب، بل فقر الذوق. والانحدار الحقيقي ليس في قدم المركبة، بل في يد تفتح باب الرفاهية وتلقي منها قذارة اللامبالاة. لسنا بحاجة إلى خطب طويلة عن الوطنية بقدر ما نحن بحاجة إلى ممارسة يومية صغيرة تثبت أننا نفهم معنى الوطن. الوطن ليس فقط أرضًا نعيش عليها؛ الوطن مكان نحافظ عليه. الوطن ليس أغنية في مناسبة؛ الوطن شارع لا نلوثه، موقف لا نعتدي عليه، رصيف لا نحتله، وحق لغيرنا لا نسرقه. الوطنية لا تظهر فقط في الاحتفالات، بل تظهر عندما لا يراك أحد، عندما تكون وحدك في السيارة، ومعك عقب سيجارة، فتختار أن لا ترميه من النافذة. إلى متى نبقى هكذا؟ إلى متى نظن أن المشكلة في الحكومات والإدارات والبلديات فقط، بينما جزء كبير منها يبدأ من يد فرد واحد ترمي، ومن سائق واحد يخالف، ومن شخص واحد يقول: "ما وقفت عليّ”؟ الحقيقة أنها وقفت علينا جميعًا. لأن المجتمع لا يتراجع دفعة واحدة، بل يتراجع بتراكم التفاصيل الصغيرة التي نسكت عنها. محرمة هنا، سيجارة هناك، موقف محتل، خط متجاوز، ثم نكتشف أننا لا نعاني من أزمة نظافة فقط، بل من أزمة احترام. ما رأيته مساء اليوم لم يكن حادثة عابرة. كان مرآة صغيرة تعكس عيبًا كبيرًا. وإذا أردنا أن نستحق فرحة الاستقلال، فعلينا أن نحرر أنفسنا أولًا من فوضى السلوك، ومن استهتار المظاهر، ومن ثقافة "دعها لغيري". فالأوطان لا ترتقي بعدد السيارات الفارهة في شوارعها، بل بعدد الناس الذين يعرفون كيف يحترمون الشارع. ولا تقاس المجتمعات بما تملكه من ترف، بل بما تملكه من ضمير.  . .

مشاهدة ترف المظاهر وفقر السلوك إلى متى نبقى أسرى هذا التناقض

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ترف المظاهر وفقر السلوك إلى متى نبقى أسرى هذا التناقض قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ترف المظاهر وفقر السلوك: إلى متى نبقى أسرى هذا التناقض؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار