كتب حلمي الأسمر - لم يكن بنيامين نتنياهو يخوض حرباً على غزة فحسب، ولم يكن يطارد المقاومة الفلسطينية أو يواجه حزب الله أو يصعّد ضد إيران فحسب. كان الرجل يخوض معركة أكبر بكثير من حدود أي جبهة عسكرية. كان يحاول أن يكتب اسمه في التاريخ باعتباره الزعيم الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط، والرجل الذي فرض على المنطقة كلها معادلة جديدة عنوانها: السلام (او بالأحرى الاستسلام !) بالقوة؛ كما تبجح بهذه اللغة غير مرة، وهو ينفش ريشه! لقد آمن نتنياهو، ومعه التيار الصهيوني الأكثر تطرفاً الذي يمثله أمثال المجرمان إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بأن التفوق العسكري الإسرائيلي قادر على حسم الصراع التاريخي مع الفلسطينيين، وكسر قوى المقاومة في المنطقة، وإجبار الشرق الأوسط على القبول بالهيمنة الإسرائيلية باعتبارها حقيقة نهائية لا رجعة عنها. وبعد السابع من أكتوبر 2023، طوفان الأقصى ،ظن نتنياهو أن اللحظة التي انتظرها طويلاً قد وصلت. فقد تحولت الحرب إلى فرصة استثنائية لتطبيق مشروعه على أرض الواقع. غزة تُسحق بالقنابل، ولبنان يُدفع نحو الخراب، وإيران تُستدرج إلى المواجهة، بينما يتحدث هو عن "النصر المطلق" ويتحدث أنصاره عن شرق أوسط جديد يولد من رحم النار وإسرائيل كبرى تلعب دور الشرطي أو الازعر الذي "يربي" الحارة كلها! لكن ما حدث لاحقاً كشف أن الرجل لم يكن يبني مشروعاً تاريخياً بقدر ما كان يبني وهماً تاريخياً، حين صفعته النتائج وفق ما كتبه أكثر من صاحب رأي صهيوني أو باحث استراتيجي أو جنرال متقاعد. لقد شهد العالم في غزة واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية فظاعة في العصر الحديث. أحياء كاملة مُسحت من الخريطة، ومستشفيات وجامعات ومدارس تحولت إلى أنقاض، وملايين البشر وجدوا أنفسهم بين الخيام والعراء والجوع والبرد، وما زالوا يعيشون فوق ركام بيوتهم المدمرة وتحت تهديد النار اليومي ونزف الدم والعدوان، لم تكن الحرب مجرد عملية عسكرية، بل تحولت في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي إلى مأساة إنسانية وأخلاقية هائلة ستبقى آثارها لعقود طويلة بوصفها جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية .. وفي الضفة الغربية المحتلة، واصلت حكومة التطرف سياساتها القائمة على الاستيطان والتجريف والقتل والاعتقالات والتضييق على الفلسطينيين بصورة دفعت كثيراً من المراقبين والمنظمات الحقوقية إلى التحذير من تصاعد الانتهاكات ضد السكان المدنيين وتحولها الى حرب مستنسخة عما جرى في غزة. أما لبنان، فقد عاش بدوره فصولاً قاسية من الدمار والنزوح. قرى وبلدات جنوبية تعرضت للقصف، وأكثر من مليون لبناني اضطروا إلى ترك منازلهم في واحدة من أكبر موجات النزوح التي شهدها البلد منذ سنوات. كان نتنياهو يعتقد أن هذا القدر من القوة كفيل بإخضاع الجميع. لكنه اكتشف أن القوة تستطيع تدمير البيوت، لكنها لا تستطيع تدمير الإرادة. فاكتشف أن غزة التي أراد تحويلها إلى مثال للرعب أصبحت رمزاً للصمود والبطولة في نظر ملايين البشر حول العالم. واكتشف أن القضية الفلسطينية التي سعى إلى دفنها تحت ركام الحرب عادت إلى واجهة السياسة الدولية بقوة أكبر مما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر. واكتشف أن المقاومة التي وعد بالقضاء عليها لم تختفِ من المشهد كما كان يتوقع. وفي لبنان، لم ينجح الدمار الهائل في إزالة حزب الله من المعادلة السياسية والعسكرية. فالحزب بقي حاضراً، وبقيت الجبهة الشمالية تفرض نفسها على الحسابات الإسرائيلية رغم كل ما جرى. لكن الضربة الأقسى لمشروع نتنياهو جاءت من الجبهة التي اعتبرها طوال حياته السياسية معركته الكبرى: إيران. فمنذ أكثر من عشرين عاماً، بنى نتنياهو جزءاً كبيراً من صورته السياسية على فكرة أنه الرجل الذي سيوقف إيران و"يحتويها" بل يغير نظامها السياسي!. كان يقدم نفسه باعتباره الحارس الذي يقف في وجه "الخطر الإيراني"، والقائد القادر على إعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط. وحين توسعت المواجهة بين الطرفين، اعتقد كثيرون أن كيان العدو الصهيوني يمتلك من القوة ما يسمح له بفرض واقع جديد على المنطقة. غير أن ما جرى حمل دلالات مختلفة تماماً. فللمرة الأولى منذ عقود طويلة، وجد ملايين من مستوطنين فلسطين المحتلة أنفسهم يعيشون تجربة الحرب بصورة مباشرة. صفارات الإنذار دوّت في المدن الكبرى، والملاجئ امتلأت بالسكان، والمطارات تعطلت، والحياة اليومية تعرضت لاضطرابات واسعة. لم تعد الحرب خبراً يشاهده الصهاينة على شاشات التلفاز من غزة أو بيروت، بل أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية. وكان لهذا المشهد أثر يتجاوز الحسابات العسكرية. فالعقيدة الصهيونية قامت منذ تأسيس الدولة على فكرة نقل الحرب إلى أرض الخصوم وإبقاء الجبهة الداخلية بعيدة قدر الإمكان عن أثمانها. لكن مشاهد الصهاينة وهم يهرعون إلى الملاجئ، ومشاهد الضربات التي وصلت إلى العمق الإسرائيلي، هزّت إحدى الركائز النفسية الأساسية التي قامت عليها هذه العقيدة. لقد أراد نتنياهو أن يخرج من هذه المواجهة باعتباره الزعيم الذي أخضع إيران وغير وجه المنطقة، لكنه وجد نفسه أمام حقيقة مختلفة: إيران لم تسقط، ولم يتغير نظامها، ولم ينته نفوذها الإقليمي، بينما اكتشفت إسرائيل أن قدرتها على إلحاق الأذى بخصومها لا تعني بالضرورة قدرتها على فرض إرادتها عليهم. وهكذا، كما لم تستطع الحرب إنهاء القضية الفلسطينية، وكما لم تستطع إزالة حزب الله من المعادلة اللبنانية، لم تستطع أيضاً تحقيق الحسم الذي وعد به نتنياهو في مواجهة إيران. وهنا تتجلى المفارقة التاريخية الكبرى. فالرجل الذي حلم بأن يدخل التاريخ بوصفه مهندس الشرق الأوسط الجديد، يجد نفسه اليوم أمام مصير مختلف تماماً. لقد أراد أن يُذكر باعتباره الزعيم الذي فرض السلام بالقوة، فإذا به يرتبط في ذاكرة العالم بمشاهد الدمار والجوع والقتل والخراب التي خرجت من غزة إلى شاشات الأرض كلها، وتحول في نظر جزء كبير من العالم إلى مجرم فار من العدالة الدولية. ومطلوب للمحاكمة بتهمة الإبادة الجماعية وأراد أن يُسجل اسمه بين كبار القادة المؤسسين للمشروع الصهيوني، فإذا به يواجه عزلة دولية غير مسبوقة، وملاحقات قانونية واتهامات ثقيلة، بينما تتحول صور الأطفال تحت الأنقاض والخيام الممتدة فوق الركام إلى جزء لا ينفصل عن صورته السياسية. أما داخل إسرائيل نفسها، فإن الزعيم الذي سيطر على الحياة السياسية لعقود لم يعد ذلك القائد الذي لا يُهزم. خصومه ينتظرون لحظة الانقضاض عليه، ويحملونه مسؤولية أكبر إخفاق أمني في تاريخ الدولة العبرية، كما يحملونه مسؤولية حرب طويلة لم تحقق الوعود التي أطلقت في بدايتها، بل يعتبره كثيرون الرجل الذي يقود الكيان إلى الانتحار وتقويض المشروع الصهيوني برمته. لقد أراد نتنياهو أن يغير الشرق الأوسط بالنار. لكنه بعد كل هذا الدم لم ينجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني صاحب الارض التي أقيم عليها الكيان، ولم ينجح في إزالة المقاومة من المعادلة، ولم ينجح في إخضاع المقاومة في لبنان، ولم ينجح في فرض إرادته على إيران، ولم ينجح في إنتاج السلام الذي وعد به الإسرائيليين. وبعد كل هذا الخراب، يعود السؤال ليطارد مشروعه من جديد: إذا كانت غزة لم تنكسر، وإذا كانت القضية الفلسطينية لم تمت، وإذا كانت المقاومة لم تختفِ، وإذا كانت إيران ما زالت قائمة، وإذا كان الشرق الأوسط لم يخضع لإرادة القوة، فما الذي بقي من مشروع "الشرق الأوسط الجديد" سوى الركام؟ لقد أراد نتنياهو أن يبني شرقاً أوسط جديداً فوق أنقاض غزة ولبنان. لكن ما ينهار اليوم ليس غزة ولا لبنان ولا إيران، بل الوهم الذي قام عليه المشروع كله: وهم أن الشعوب يمكن أن تُهزم إلى الأبد، وأن الحقوق يمكن أن تُمحى بالقوة، وأن السلام يمكن أن يولد من رحم الإبادة والدمار. فالتاريخ قد يسجل أن غزة دُمِّرت، وأن مدناً لبنانية أُحرقت، وأن المنطقة عاشت واحدة من أكثر مراحلها دموية. لكنه قد يسجل أيضاً أن الرجل الذي أراد أن يُخلَّد باعتباره صانع الشرق الأوسط الجديد انتهى إلى أن يكون شاهداً على سقوط المشروع الذي كرّس حياته كلها لتحقيقه. .
مشاهدة انهيار مشروع نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط وفرض السلام بالقوة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ انهيار مشروع نتنياهو لتغيير الشرق الأوسط وفرض السلام بالقوة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.