د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
لما بيّن سبحانه وتعالى فساد فرعون عطف عليه نتيجته وهو إهلاك المفسدين الظالمين وتمكين المؤمنين المستضعفين، وقدّم هذه لتعلُّق مقصد السورة الأعظم بها، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾]القصص:٥-٦[، وإن كان توريثهم الأرض يقتضي إهلاك المفسدين أولاً، والتعبير بالمضارع في هذه الآية له دلالات، أهمها:
استحضار الحال الذي وقع فيه وإن كان في الماضي للاعتبار.
الدلالة على التّجدد، فكلما وُجد المسبّب، فإذا وُجد الفساد أعقبه التمكين لأهل الخير الصابرين، ولذلك لم يعيّن الطائفة التي استضعفها فرعون بل عمّم فقال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ للدلالة على أنها سنة ماضية، فمتى حدث استضعاف طائفة مؤمنة مستعينة بالله صابرة من طائفة باغية متجبّرة، جاء التمكين لأهل الإيمان والصلاح، والسنن لا تتخلف ومشيئته تعالى نافذة.
دلالة على بشارة من الله تعالى للمستضعفين المظلومين بالتمكين لهم في الأرض، وجعلهم أئمة ووارثين بعد أن كانوا مستذلين مضطهدين.
شفاء لصدور المظلومين حيث يريهم الله تعالى زوال الظالمين وكسر الطغاة المتجبّرين.
إن الأمة المستضعفة، وإن بلغت من الضعف ما بلغت لا ينبغي أن يستولي عليها اليأس، ولا أن تخلد إلى الكسل، فقد نَجّى الله تعالى بني إسرائيل مع ضعفهم من أسر فرعون وجبروته ومكّن لهم في الأرض.
المطالبة والموعظة الحسنة والكلمة اللّينة، ولابدّ من ذلك فالأمة مادامت ذليلة مقهورة لا تطالب بحقّها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ودنياها ولا تكون لها إمامة.
متى أخذت الأمة بالأسباب نُصرت ومُكّنت، فإن وعد الله تعالى لعباده لا يتخلّف ولكن عليهم الأخذ بالأسباب الشرعية والدنيوية لتحقيقه.
تحققت هذه الآية في زمن النبي (ﷺ)، حيث كانت كذلك عاقبة كفار قريش وفرعونها أبي جهل، فكان زوالهم على أيدي المستضعفين من المؤمنين الذين منّ الله عليهم ومكّن لهم في الأرض.
والمهم أن تعرف كيف نتعامل مع القوى الظالمة، كما فعل النبي ﷺ، مصاحبين حسن الظن بالله تعالى والفأل الحسن، دائبين على العمل الصادق المدروس بحكمة وعلى بصيرة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾]يوسف:١٠٨[ (العمر، ص 32).
قال الشنقيطي: قد قدمنا على قوله هنا ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هو الكلمة في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]الأعراف:١٣٧[ الآية ولم يبين هنا السبب الذي جعلهم به أئمة، أيّ قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضاً الشيء الذي جعلهم وارثيه، ولكنه قال تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾]السجدة:٢٤[ فالصبر واليقين هما السبب في ذلك وبين الشيء الذي جعلهم له وارثين بقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)﴾]الدخان:٢٥-٢٨[، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)﴾]الشعراء:٥٧-٥٩[(الشنقيطي، 6/451).
قال السعدي: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن نزيل عنهم مواد الاستضعاف ونهلك من قاومهم ونخذل من ناوأهم ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ في الدين، وذلك لا يحصل مع استضعاف، بل لابدّ من تمكين في الأرض بقدرة تامة ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ للأرض، الذين لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخر.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ فهذه الأمور كلها قد تعلقت بها إرادة الله وجرت بها مشيئته ﴿وَ﴾ كذلك نريد أن ﴿فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ وزيره ﴿وَجُنُودَهُمَا﴾ التي بها صالوا وجالوا وعلوا وبغوا ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من هذه الطائفة المستضعفة، ﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من إخراجهم من ديارهم ولذلك كانوا يسعون في قمعهم وكسر شوكتهم وتقتيل أبنائهم، فكل هذا قد أراده الله وإذا أراد الله أمراً سهّل أسبابه ومهَّد طُرقه، وهذا الأمر كذلك فإنه قدر وأجرى من الأسباب -التي لم يشعر بها لا أولياؤه ولا أعداؤه- ما هو سبب موصل إلى هذا المقصود (السعدي، 6/605).
قال ابن عاشور: خصّ بالذكر من المن أربعة أشياء عطفت على فعل ﴿نَمُنَّ﴾ عطف الخاص على العام وهي: جعلهم أئمة، وجعلهم الوارثين، والتمكين لهم في الأرض، وأن يكون زوال ملك فرعون على أيديهم في نعم أخرى جمة ذكر كثير منها في سورة البقرة؛ فأما جعْلهم أئمة فذلك بأن أخرجهم من ذل العبودية وجعلهم أمة حرة مالكة أمر نفسها، لها شريعة عادلة وقانون معاملاتها وقوة تدفع بها أعداءها، ومملكة خالصة لها وحضارة كاملة تفوق حضارة جيرانها بحيث تصير قدوة للأمم في شؤون الكمال وطلب الهناء، فهذا معنى جعْلهم أئمة أي يُقتدي بهم غيرهم ويدعون الناس إلى الخير وناهيك بما بلغه ملك بني إسرائيل في عهد سليمان عليه السلام.
وأما جعلهم الوارثين فهو أن يعطيهم الله ديار قوم آخرين ويحكمهم فيهم، فالإرث مستعمل مجازاً في خلافة أمم أخرى فالتعريف في ﴿الْوَارِثِينَ﴾ تعريف الجنس المفيد أنهم أهل الإرث الخاص، وهو إرث السلطة في الأرض بعد ما كان قبلهم من أهل السلطان، فإن الله أورثهم أرض الكنعانيين والحثيين والأموريين والآراميين، وأحلهم محلهم على ما كانوا عليه من العظمة حتى كانوا يُعرفون بالجبابرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾]المائدة:٢٢[.
والتمكين لهم في الأرض لتثبيت سلطانهم فيما ملكوه منها وهي أرض الشام إن كانت اللام عوضاً عن المضاف إليه، ويحتمل أن يكون المعنى تقويتهم بين أمم الأرض المعهودة للناس، و﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ هو زوال ملكهم بسبب رجل من بني إسرائيل حسبما أنذره بذلك الكهّان، ومعنى إراءتهم ذلك إراءتهم مقدماته وأسبابه. (ابن عاشور، 20/71-72).
المصادر والمراجع:
1. العمر، ناصر بن سليمان. تدبّر سورة القصص، السعودية، الرياض، مركز تدبر للدراسات والاستشارات، ط1، 2017م.
2. الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار (ت، 1393ه). أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، جدة، السعودية، مجمع الفقه الإسلامي، دار علم الفوائد، (د. ت).
السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، السعودية، الدمام، دار ابن الجوزي، ط4، 1435ه.
4. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997م.
مشاهدة تأملات تفسيرية في قوله تعالى و ن ر يد أ ن ن م ن ع ل ى ال ذ ين
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تأملات تفسيرية في قوله تعالى و ن ر يد أ ن ن م ن ع ل ى ال ذ ين اس ت ض ع ف وا ف ي ال أ ر ض و ن ج ع ل ه م أ ئ م ة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تأملات تفسيرية في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾.
في الموقع ايضا :