من الشرطي القديم إلى الوكيل المشروط: تحولات الوظيفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
  كتب-  زياد فرحان المجالي   في السياسة الدولية لا تعيش الدول الكبرى على العواطف، ولا تبني تحالفاتها على الوفاء التاريخي وحده، بل على حسابات الوظيفة والجدوى والكلفة. فالحليف الذي كان في مرحلة ما ذخراً استراتيجياً قد يتحول، عند تغيّر الظروف، إلى عبء سياسي وعسكري وأخلاقي. ومن هنا تنبع أهمية إعادة قراءة موقع إسرائيل في الاستراتيجية الأميركية، لا بوصفها حليفاً ثابتاً لا يتغير، بل باعتبارها أداة وظيفية أدت دوراً محدداً في لحظة تاريخية معينة، ثم بدأت تواجه اختبار الصلاحية في لحظة إقليمية مختلفة. منذ عام 1948، لم تكن إسرائيل مجرد دولة نشأت في سياق طبيعي داخل المنطقة، بل مشروعاً سياسياً وأمنياً دعمه الغرب واحتضنه بوصفه قاعدة متقدمة لحماية المصالح الغربية، وضبط توازنات الشرق الأوسط، ومنع تشكل قوة عربية أو إقليمية قادرة على تهديد ممرات الطاقة أو المصالح الاستراتيجية الكبرى. كانت الوظيفة واضحة: قوة ردع جاهزة، شرطي إقليمي، وسيف مسلط على محيط عربي مفكك. وقد تعززت هذه الصورة بعد حرب 1967، حين ظهرت إسرائيل في المخيال الغربي بوصفها "جيشاً لا يُقهر”، قادراً على هزيمة جيوش عربية كبرى خلال أيام، وفرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة. ثم جاءت حرب 1973 لتفتح باباً آخر؛ فقد أعادت شيئاً من التوازن العسكري والنفسي، لكنها في النهاية قادت إلى مسار تفاوضي أخرج مصر، أكبر جبهة عربية، من معادلة الحرب المباشرة مع إسرائيل. وبذلك انتقلت إسرائيل من وظيفة المواجهة الدائمة إلى وظيفة الهيمنة المريحة، بعدما جرى تأمين جبهاتها الكبرى وتفكيك الخطر العربي النظامي المحيط بها. لكن قوة الردع لا تعيش إلى الأبد. فالأسطورة حين لا تُختبر تبدو صلبة، لكنها حين تُختبر في الميدان تنكشف حدودها. وقد مثّل السابع من أكتوبر لحظة كاشفة، لا في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي فقط، بل في تاريخ الوظيفة الإسرائيلية نفسها. فإسرائيل التي قُدمت لعقود كقوة قادرة على الحسم السريع وجدت نفسها أمام حرب طويلة ومكلفة، عاجزة عن إنتاج نصر واضح، وغير قادرة على استعادة كامل هيبتها، رغم الدعم الأميركي والغربي غير المحدود. الأخطر من ذلك أن إسرائيل لم تعد تبدو، في نظر بعض دوائر القرار الغربية، أداة لضبط الفوضى، بل طرفاً يوسّع دائرتها. فهي تستهلك الذخائر، وتستدعي الدعم السياسي، وتحرج حلفاءها أخلاقياً، وتدفع واشنطن إلى أزمات إقليمية لا تريدها. وحين يصبح الحليف بحاجة دائمة إلى الإنقاذ، يبدأ السؤال الصعب: هل ما زال يؤدي الوظيفة التي صُمم من أجلها؟ في المقابل، برزت إيران بوصفها رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه. صحيح أنها خصم للولايات المتحدة في الخطاب والتحالفات، لكنها أثبتت أنها تمتلك ما لا تملكه إسرائيل: عمقاً جغرافياً واسعاً، وكتلة بشرية كبيرة، وصبراً استراتيجياً، ونفوذاً ممتداً عبر ساحات متعددة، وقدرة على التأثير في ممرات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وهذه النقطة تحديداً هي جوهر التحول؛ فالدولة التي تستطيع التأثير في إيقاع الاقتصاد العالمي لا يمكن التعامل معها كطرف هامشي، بل كقوة لا بد من احتوائها أو التفاهم معها أو إعادة دمجها بشروط جديدة. من هنا يمكن فهم احتمال حدوث مراجعة أميركية عميقة، لا تقوم بالضرورة على التخلي عن إسرائيل، بل على إعادة توزيع الوظائف في المنطقة. فواشنطن قد لا تستبدل إسرائيل بإيران بشكل مباشر، لأن العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية أعمق من أن تُطوى بقرار مفاجئ، لكنها قد تسعى إلى تقليص قدرة إسرائيل على جرّ المنطقة إلى حرب مفتوحة، وفي الوقت نفسه فتح قناة تفاهم مع إيران تجعلها قوة مضبوطة لا قوة منفلتة. بهذا المعنى، لا تكون الصفقة الكبرى مع طهران مكافأة مجانية، بل محاولة لإعادة تهذيب الدور الإيراني وإدخاله في منظومة المصالح الدولية. رفع تدريجي للعقوبات، فتح للممرات، ترتيبات نووية، وضمانات أمنية، مقابل أن تتحول إيران من خصم صدامي في نظر واشنطن إلى قوة إقليمية يمكن التفاهم معها، أو على الأقل ضبط سلوكها عبر المصالح لا عبر الحرب وحدها. هذا لا يعني أن إيران ستصبح حليفاً أميركياً بالمعنى التقليدي، ولا أن إسرائيل ستفقد مكانتها فوراً، لكنه يعني أن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة لا تعود فيها إسرائيل الشرطي الوحيد، ولا تبقى إيران خارج الحسابات. فالولايات المتحدة قد تكون اكتشفت أن إدارة المنطقة من خلال إسرائيل وحدها لم تعد كافية، وأن تجاهل إيران لم يعد ممكناً، وأن حماية الطاقة والممرات والأسواق تتطلب هندسة أوسع من التحالفات القديمة. الفرق بين إسرائيل وإيران في هذه اللحظة أن الأولى تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً، لكنها تعاني من أزمة شرعية وردع، بينما الثانية تعاني من العقوبات والعزلة، لكنها تمتلك أوراق الجغرافيا والممرات والنفوذ. وبين هذين النموذجين قد تبحث واشنطن عن معادلة جديدة: إسرائيل للحماية العسكرية التقليدية، وإيران كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلة الممرات والتوازنات، بشرط أن تُعاد صياغة سلوكها ضمن تفاهمات كبرى. الخلاصة أن إسرائيل 2026 ليست إسرائيل 1967. لقد تغيّرت المنطقة، وتغيّرت كلفة الحرب، وتراجع مفهوم الحسم العسكري السريع، وأصبحت القوة التي لا تستطيع تحويل تفوقها العسكري إلى استقرار سياسي عبئاً على نفسها وعلى حلفائها. وفي المقابل، لم تعد إيران مجرد دولة معاقبة ومحاصرة، بل أصبحت لاعباً إقليمياً يملك أوراقاً يصعب تجاوزها في معادلات الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الأمنية. لكن المسألة الأهم قد لا تكون إسرائيل ولا إيران بحد ذاتهما، بل الطريقة التي تنظر بها القوى العظمى إلى حلفائها. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسأل من هو الحليف الأكثر وفاءً، بل من هو الحليف الأكثر فائدة. وهي لا تتخلى عن أدواتها لأنها تحب أو تكره، بل لأنها تعيد حسابات الربح والخسارة بصورة دائمة. من هنا، قد يكون السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت واشنطن ستستبدل إسرائيل بإيران، بل ما إذا كانت المنطقة كلها تدخل مرحلة جديدة تنتقل فيها الولايات المتحدة من سياسة الاعتماد على قوة واحدة مهيمنة إلى سياسة توزيع الأدوار بين عدة قوى إقليمية متنافسة، بحيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الانفراد بالمشهد أو فرض إرادته كاملة. وفي هذه الحالة، لن يكون التغيير الأهم هو سقوط حليف وصعود آخر، بل انتهاء عصر "الشرطي الوحيد" نفسه. فحين تصل الإمبراطوريات إلى قناعة بأن تكلفة السيطرة المباشرة أصبحت أعلى من عائدها، فإنها لا تبحث عن وريث لشرطي قديم، بل تعيد تصميم المسرح كله وتوزع الأدوار من جديد. وعندها يصبح السؤال الذي سيحكم الشرق الأوسط في العقود القادمة ليس: من يحكم المنطقة؟ بل: من يملك القدرة على إقناع القوى الكبرى بأنه ما زال ضرورياً في حساباتها؟ فالدول، كما الأفراد، لا تسقط عادةً عندما تضعف، بل عندما تفقد وظيفتها في نظر من يملك موازين القوة. .

مشاهدة من الشرطي القديم إلى الوكيل المشروط تحولات الوظيفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الشرطي القديم إلى الوكيل المشروط تحولات الوظيفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من الشرطي القديم إلى الوكيل المشروط: تحولات الوظيفة الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار