كان من المفترض أن يشكّل صدور الرواية السِّيرية الجديدة للروائي الجزائري واسيني الأعرج، «الريميتي: أناشيد الجمر والنار»، حدثًا أدبيًا يُقرأ قبل أن يُحاكم، ويُناقش قبل أن يُدان، ويفتح أفقًا رحبًا للتأمل في واحدة من أكثر الأصوات حضورًا وتأثيرًا في الذاكرة الغنائية الشعبية الجزائرية. غير أن ما حدث أعاد طرح سؤال أعمق من الرواية نفسها: أزمة في طريقة تلقّي الأدب، حيث يسبق الحكمُ القراءةَ، وتُستبدل المعرفة بالانطباع.
جمال قتّالة
منذ وصول العمل إلى رفوف المكتبات، تسارعت بعض الأصوات الثقافية، أفرادًا ومؤسسات، إلى إطلاق أحكام قاطعة لم تقف عند حدود النص، بل امتدت إلى الشخصية المركزية فيه: الشيخة ريميتي، في خطابٍ انزاح من النقد إلى الإدانة، ومن التحليل إلى التجريح، وكأن النص لم يُكتب ليُقرأ بل ليُدان مسبقًا. والأخطر أن بعض هذه المواقف كُتبت قبل فتح صفحات الرواية أصلًا.
وهنا تبرز حقيقة بسيطة لكنها حاسمة: من لم يقرأ لا يملك حقّ الحُكم، ومن يُدين قبل القراءة لا يمارس النقد بل يعكس موقفًا مسبقًا من المعرفة ذاتها.
حين يختزل الانطباع فعل القراءة
النقد الأدبي، في جوهره، ليس موقفًا انفعاليًا ولا ردّ فعلٍ أخلاقيًا، بل هو بناء معرفي يبدأ من القراءة، ويمر عبر الفهم، وينتهي إلى التحليل، لا إلى الإدانة.
وحين يُختزل النص في عنوانه، أو يُختصر في إشاعة، أو يُستبدل بموقف جاهز، فإننا لا نكون أمام نقد، بل أمام محوٍ رمزي للعمل الأدبي قبل ولادته.
إن أخطر ما كشفته هذه السجالات ليس اختلاف الرؤى، فذلك طبيعي ومشروع، بل تحوّل بعض الخطاب الثقافي إلى أحكام سريعة تُطلق خارج النص، فتُغلق المعنى بدل أن تفتحه، وتُقصي العمل بدل أن تُنصت إليه.
الشيخة ريميتي: صوت خرج من الهامش ليكتب الذاكرة
لم تكن الشيخة ريميتي مجرد مغنية في سجل الأغنية الشعبية، بل كانت صوتًا تأسيسيًا في تاريخ الراي، خرج من الهامش ليعيد تعريف المركز، ومن التجربة القاسية ليصوغ جمالياته الخاصة، بلا وسائط ولا أقنعة.
كانت تقول، بصدقٍ يكاد يشبه الاعتراف: «الكلمات تغنّي في رأسي بصمت، حتى أُخرجها صوتًا حيًّا.» وتضيف: «أنا أغنّي الفقر، وأغنّي الحب، وأغنّي وضع المرأة، وأغنّي الحياة.»
وحين كانت تقف على الخشبة، لم تكن تؤدي دورًا فنيًا بقدر ما كانت تعيش لحظة انكشاف كامل: «على المسرح لا أُجامل، أقدّم كل ما أملك… روحي وعقلي.»
أما خلاصة تجربتها، فتكثّفت في عبارة تختصر فلسفة وجودها: «عزّوني وأنا حيّة… كي نموت ما يهمّنيش.»
ليست هذه العبارات زينة خطابية، بل هي شهادة جمالية على حياةٍ جعلت من الألم مادةً للغناء، ومن التجربة الفردية ذاكرةً جماعية تتجاوز صاحبها.
القراءة قبل الإدانة: شرطٌ بسيط لمعنى النقد
يندرج عمل واسيني الأعرج ضمن ما يُعرف بـالسيرة الروائية، حيث تتجاور الذاكرة مع التخييـل، وتلتبس الوثيقة بالرؤية الفنية، دون ادعاء التطابق مع التاريخ أو احتكاره للحقيقة. في هذا الفضاء، تتحول ريميتي إلى شخصية سردية بقدر ما هي شخصية تاريخية، تُقرأ بوصفها علامة على التحولات الاجتماعية، وصوتًا للمرأة في مواجهة القهر، ومرآةً لزمنٍ كامل.
غير أن هذا النوع من الكتابة يفترض شرطًا أساسيًا: القراءة قبل التعليق، والإنصات قبل الحكم. فجزء من الجدل الدائر اليوم لا يكشف اختلافًا في التأويل بقدر ما يكشف هشاشة في علاقة بعض الخطابات بالفعل القرائي نفسه، حيث تُستبدل المعرفة بالموقف، والتحليل بالانفعال.
إن اختزال الفن في كونه تزييفًا للواقع أو تبريرًا له، هو تجاهل لوظيفته الأعمق: فتح الأسئلة بدل إغلاقها، وإعادة مساءلة الواقع بدل نسخه.
ليس مطلوبًا من القارئ أن يُعجب بالنص، لكن المطلوب منه أن يمرّ عبره أولًا. فحقّ الاختلاف لا يكتمل إلا حين يُبنى على معرفة، لا على تصوّر مسبق.
وفي النهاية، فإن رفض عملٍ لم يُقرأ، أو إدانته خارج سياقه، لا يُنتج نقدًا، بل يكشف أزمة أوسع في علاقتنا بالفعل الثقافي نفسه، حيث تتراجع القراءة لصالح الأحكام، ويضيق المجال أمام الفهم لصالح المواقف الجاهزة.
ظهرت المقالة الشيخة ريميتي، واسيني الأعرج و أزمة الخطاب الثقافي في الجزائر أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة الشيخة ريميتي واسيني الأعرج و أزمة الخطاب الثقافي في الجزائر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الشيخة ريميتي واسيني الأعرج و أزمة الخطاب الثقافي في الجزائر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الشيخة ريميتي، واسيني الأعرج و أزمة الخطاب الثقافي في الجزائر.
في الموقع ايضا :