لم يصل محمد وهبي إلى النخبة الكروية عبر الطريق الذي عادةً ما يسلكه أبطالها: لا مسيرة لاعب مشهور، ولا أرشيف أهداف، ولا قميص قديم يُعلَّق على جدار غرفة الملابس شاهدًا على سلطته التي يبرّرها تاريخ من الإنجازات على أرضية الملعب، كما هي عادة أغلب مدربي المنتخبات. سلطته تراكمت في غرف أصغر: الفصول الدراسية، وملاعب الناشئين، ومكاتب المدرّبين، والممرات التي ينتظر فيها الآباء.
شاربيك، صيف 1986، والمنتخب المغربي في المكسيك
لم يكن محمد وهبي قد بلغ العاشرة بعد حين استضافت المكسيك كأس العالم. كانت بلجيكا هناك، وشجعتها عائلة وهبي كما تشجّعها أيّ عائلة تحمل أوراقًا بلجيكية، ووظائف بلجيكية، وحياة بلجيكية. لكن، إلى جانب بلجيكا، كان في البطولة حصان أسود قادم من الجنوب، من إفريقيا: المغرب، الذي أنار شعلة في قلب الصبي محمد. المغرب، في ثاني مشاركة له في النهائيات، أصبح أول منتخب إفريقي وعربي يتجاوز دور المجموعات، وصمد أمام إنجلترا وبولندا، واكتسح البرتغال، قبل أن يسقط بفارق ضئيل أمام ألمانيا الغربية في دور الستة عشر.
كان محمد، ككل الأطفال في سنّه، يحب كرة القدم، ويلعبها مع أصدقائه في الشارع وفي الأزقة المجاورة لبيوتهم. إلا أنه لم يكن لاعبًا موهوبًا بما يكفي ليحوّل حب الكرة إلى مسيرة لعبٍ احترافية. لكن كان هناك شيء آخر يتشكّل في أعماقه: حسّ بالتنظيم، وملاحظة أيّ طفل يحتاج إلى تشجيع، وأيّهم يحمل بذرة موهبة تحتاج إلى الرعاية، وقدرة على تحويل حفنة أطفال فوضويين إلى ما يشبه فريقًا.
في الحادية والعشرين من عمره، سنة 1997، تولّى منصبه الأول في قسم الفتيان لنادي مكابي بروكسل، وهو نادٍ صغير أقرب إلى جمعية ذات أنشطة اجتماعية وتربوية. وهنا لا يمكننا تجاهل رمزية بدء شاب من أصل مغربي، ومن أسرة مسلمة، حياته التدريبية في نادٍ يهوديّ. إنها واحدة من حالات التنوع والتعايش التي كان يعيش وسطها الجيلان الأولان من مغاربة المهجر، حيث تتعايش الهويات بيسر أكبر مما صارت عليه الأوضاع لاحقًا حين فرضت الأطماع السياسية الفرقة بين أبناء الحي الواحد.
نيربيدا: سبعة عشر عامًا من صقل المواهب
انتقل محمد وهبي خلال موسم 2003-2004 إلى أكاديمية آندرلخت في نيربيدا، وهي واحدة من أبرز مراكز التكوين في بلجيكا، بل في أوروبا، بادئًا مع الفئة العمرية دون سن التاسعة. هناك، ومن بين الفتيان الصغار الذين كانوا يركضون تحت إشرافه في تلك السنوات الأولى، أسماء ستبزغ لاحقًا وستحترف في أكبر الأندية الأوروبية، لكنهم حتى ذلك الوقت كانوا أطفالًا لا يملكون بعد رؤية الضوء في نهاية النفق. وهنا تبرز أكاديميات الناشئين في تكوين كرة القدم كمصدر توتر دائم، إذ تعد بالتحوّل والتطور، بينما تواصل الانتقاء والإقصاء باستمرار؛ وقد بقي وهبي داخل هذا التوتر سبعة عشر عامًا، حتى درّب كل الفئات من أصغر الناشئين إلى تحت الحادية والعشرين.
نوّه تكريم أكاديمية آندرلخت، عند رحيله، بامتنان مؤسسي، إلى أنّ كثيرًا من نجوم النادي الكبار تشكّلوا على يديه قبل مسيرات لامعة في الخارج. أما وهبي فقال عنها إنها لم تكن فقط مدرسة عظيمة للاعبين الصغار، وإنما أيضًا مدرسة للمدربين.
بحلول الوقت الذي جاء فيه نداء المغرب، كانت كلمة “الجالية” قد كفّت عن وصف مجرد سكان يعيشون خارج التراب الوطني. في كرة القدم، أصبحت مفردة “الجالية” أكاديمية وطنية ثانية منتشرة في أنحاء أوروبا. بدأت الهجرة المغربية إلى بلجيكا، وهولندا، وفرنسا، وإسبانيا، على نطاق واسع عبر التوظيف العمالي في الستينيات؛ وما كان يُتخيَّل انتقالًا مؤقتًا صار استقرارًا دائمًا، بأبناء وُلدوا في المدن الأوروبية، ودخلوا المدارس والأندية الأوروبية، بينما استمرت الروابط بالمغرب، ماديًا عبر التحويلات المالية، واجتماعيًا عبر الأسر الممتدة، ووجدانيًا عبر رحلة الصيف السنوية نحو مدن الناظور والحسيمة وطنجة وغيرها.
في مارس 2022، جاء تعيين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لمحمد محمد وهبي مدربًا لمنتخب المغرب تحت 20 عامًا. لم تكن النتائج الأولى في صالحه. أخفق المغرب في بلوغ نهائي كأس أمم إفريقيا تحت 20 عامًا لسنة 2023، وكان ثمة، حتمًا، شكّ فيما إذا كان مدرب تكوّن كليًا في أكاديميات الأندية البلجيكية قادرًا على ترجمة ذلك التكوين إلى عالم كرة قدم المنتخبات الوطنية الأكثر اضطرابًا والأقل صبرًا مؤسسيًا، حيث تُطلب النتائج وفق جدول زمني قصير، وحيث إن مباراة إقصائية واحدة يمكنها أن تهدم جهد أشهر من العمل المجهد. لكن الجامعة المغربية ثبتت على موقفها. وثبت هو أيضًا.
المجد في تشيلي
ثم جاءت تشيلي، وكأس العالم للناشئين تحت 20 عامًا لسنة 2025، البطولة التي حوّلت محمد وهبي إلى اسم يُلفظ في أرجاء العالم الكروي العربي والإفريقي. هزم المغرب الولايات المتحدة في ربع النهائي، وتجاوز فرنسا بركلات الترجيح في نصف النهائي، وهزم الأرجنتين بنتيجة 2-0 في النهائي في سانتياغو يوم 19 أكتوبر 2025، ليصبح أول منتخب عربي وثاني منتخب إفريقي على الإطلاق يفوز بهذه البطولة. حمل اثنان من لاعبيه الكرة الذهبية والكرة الفضية للبطولة، شهادةً على مدرّب بنى هوية هجومية حقيقية، ولم يكتفِ ببناء قوة دفاعية وانتظار ضربة الحظ التي قد تأتي بالفوز من الهجمات المرتدة.
في عرين الأسود
في مارس 2026، غادر وليد الركراكي، الذي حقّق نصف نهائي المغرب التاريخي في مونديال 2022. وهنا، عوضًا عن البحث عن اسم بارز في الخارج، كما كانت عادة الجامعة طيلة عقود، التفتت الجامعة إلى الداخل، إلى الرجل الذي حقّق للمغرب للتوّ لقبًا عالميًا في فئة الناشئين، وأسندت إليه المهمة الوطنية الأولى. قُدّمت الخطوة كجزء من مشروع “المغرب 2030” الأوسع، الذي يربط المنتخب الأول بالتكوين وكرة القدم النسوية. لكن الرمزية كانت واضحة لا لبس فيها: سيقود المنتخب الوطني الآن مغربيّ تشكّل في أوروبا، وأثبت جدارته في كرة الناشئين، وأنتجه النظام العابر للحدود نفسه الذي أنتج كثيرًا من لاعبيه.
قال البعض إنها مغامرة خطيرة وتهور من الجامعة، وربما قال ذلك كثيرون. أما وهبي، البروفيسور، فقد تسلّم المهمة، كأيّ مدرّس محترف، خطوةً تالية في مشروع بدأ يبنيه منذ كان في الحادية والعشرين من عمره في نادٍ للهواة في بروكسل.
هذه، في صورة مصغّرة، حكاية جيل بأكمله من أبناء الجالية المغربية عبر أوروبا: بلجيكا، وفرنسا، وهولندا، وإسبانيا، وُلدوا أو نشؤوا بعيدًا عن المغرب، لكنهم لم يغادروه تمامًا قطّ، وتعلّموا أن يحملوا جواز سفر أوروبيًا وقلبًا مغربيًا. مسيرة وهبي نفسها تعكس قرارًا اتخذه عشرات من لاعبي الجالية، حين اختاروا تمثيل المغرب بدل الدول التي وُلدوا أو نشؤوا فيها. وهو يمثّل أيضًا تحوّلًا في مكانة معرفة الجالية نفسها: أجيال سابقة من المهاجرين كانت تُتخيّل بصفة أساسية عبر التحويلات المالية؛ أما وهبي فينتمي إلى نمط لاحق تعود فيه الخبرة نفسها: نقل معرفي، لا مالي وحسب.
من "زنقة الحمير" إلى "عرين الأسود" .. حكاية البروفيسور محمد وهبي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة من زنقة الحمير إلى عرين الأسود حكاية البروفيسور محمد وهبي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من زنقة الحمير إلى عرين الأسود حكاية البروفيسور محمد وهبي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من "زنقة الحمير" إلى "عرين الأسود" .. حكاية البروفيسور محمد وهبي.
في الموقع ايضا :