الأشغال تستمر وتتكثّف، تتحرك فيها الآليات وأصحاب السترات الصفراء بديناميّة واضحة على امتداد الخط الفاصل بين الشارع الذي يطل عليه “قصر البحر” ومدخل المدينة العلوي، الواقع على ناصية “وادي الشعبة” الذي فاض وغمر المدينة، متآزراً مع السيول الجارفة المفاجئة التي أعقبت هطول أمطار غزيرة.
يطلعنا حارس البنك في ساحة الاستقلال بأنه “لا جدوى من القيام بجولة في الفضاءات العتيقة”، فهي بنايات مؤجلة الوظيفة والدور إلى غاية انتهاء الأوراش التي انطلقت دون أن تغير شيئاً كثيراً في معنويات المكلومين والضّحايا وعائلاتهم؛ إنها، وفقه، “تدّخر جمرة عنيدة”، تفيد بأنّ الزمن الطبيعي لا يكفي لاستعادة ما أتلفته السيول التي دخلت على حين غرة من “باب الشعبة” يوم الأحد 14 ديسمبر 2025.
بالصّدفة، وبعد نداء وُجِّه إلى تجار قيسارية الأحباس الأولى للحضور من أجل قياس الأبواب الزرقاء تمهيداً لتغييرها، التقت الجريدة بعبد العزيز (ج)، الذي قضى شقيقه الثلاثيني يوسف (ج) ليلة التساقطات الرعدية القوية التي شهدتها الحاضرة الساحلية؛ كان يتفقّد دكّاني والده وعمّه المتاخمين لبعضهما عند مدخل الفضاء التجاري المغلق، الذي يضمّ 28 دكاناً، 14 منها تقابل نظيراتها تماماً.
غادر شقيقه الأصغر والأقرب إلى قلبه، يوسف، بائع الملابس التقليدية، إلى جانب 36 ممّن غرقوا في السيول الجارفة التي دفنتهم لاحقاً تحت التّراب؛ ترك خلفه طفلين صار محدّثنا يعيلهما ويتحمّل مسؤوليتهما، وتكاليف دراسة أحدهما. وهكذا، إذا كان “الموت قدراً إلهياً لا رادّ له” فإن تدبير ملف الضحايا يعدّ “قضية مصلحة” بالنسبة إلى الرجل، الذي شدد على “حماية الأرامل والأطفال كأولوية الأولويات”، بتعبيره.
وزاد عبد العزيز: “أخشى على مستقبله، وعلى غد كافة أبناء الذين توفاهم الله جراء الفيضانات”، لأنهم ليسوا أرقاماً في معطيات رسمية، وإنما “عائلات باتت بلا سند وبلا معيل”، وفق قوله.
الجريدة أثارت الانتباه إلى وجود برامج حكومية رسمية موجهة حصرياً إلى هذه الفئات، غير أن المصرح يذكر أن “مفعول هذه الإعانات الرسمية بقي معلقاً في حقّ المعنيين، رغم أن عددهم ليس كبيراً ولن تنجم عنه تعقيدات إداريّة ومسطريّة”، ملمحاً إلى إمكانية منح بعض الأطفال ضحايا الفيضانات صفة “مكفولي الأمة”، على غرار الذين تيتّموا وأضحوا بدون موارد عقب زلزال 8 شتنبر 2023.
يسترجع السائق الذاكرة وهو يصعد من شارع إدريس بن ناصر نحو تقاطع شاعر محمد الخامس وشارع الحرية في مساء غائم، موردا: “كانت السيارة حينها بحوزة السائق الآخر (وفق التناوب)، وكنتُ بعيداً عن مناطق تدفق السيول، غير أن الأحزان كانت ضخمة”.
ويعتبر المهني نفسه أن “انتظار عودة المدينة إلى توهجها، وما تقترحه على السياح، مازال قائماً بحدة لا يستهان بها”، مبرزاً أن “الحركية السياحية على مستوى المدينة الساحلية كانت أقوى قبل الفاجعة، أما اليوم فحتى الفنادق الصغيرة الموجودة فيها تخضع لإعادة التأهيل، والمتاجر التقليدية التي كانت تضفي نوعاً من الأناقة على مؤهلات هذه الحاضرة صارت بدورها معطّلة”.
متغيرات متوترة
في صبيحة السبت 4 يوليوز تجلس عند برج المدينة المقابل لـ”قصر البحر” سيدة سبعينية قالت إن اسمها مباركة، تتحدث وعلامات طفح جلدي تطغى على وجهها، مستحضرة مشهد السيول الذي كان قريباً منها تلك الليلة، ومصرحة بأنه “مخيف، ومازال مستقراً في النفوس”، رغم مرور مدّة تعادل أزيد من نصف سنة شمسية كاملة.
تصرح السيدة ذاتها، التي تقف، وفق التقدير، في تقاطع بين الستينيات والسبعينيات من العمر، بأن “منظر الأشغال والحوانيت المغلقة يعد صعباً على من ألفوا المدينة في حيويتها خلال الصباحات والمساءات”، وتابعت: “هذا قدر الله، ونحن راضون به، ونشكر الملك والسلطات على عنايتهم الدائمة بنا، خصوصاً بعد المحنة التي مررنا بها بسبب الفيضانات”.
من الجهة الأخرى يكشف خالد بنعيسى، الكاتب المحلي للاتحاد العام للتجار والمهنيين بآسفي، لجريدة هسبريس، معطيات جديدة بخصوص وضعية الأشغال، مشيراً إلى أن “سلطات الداخلية على مستوى المدينة صرفت قبل عيد الأضحى منحة جديدة شملت 139 مستفيداً، تنضاف إلى الدفعتين السابقتين في إطار تنزيل محاور البرنامج الرامي إلى إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضان”، ومبرزاً أن “هذه الإعانة وجهت لمن لم يستفد سابقاً”.
وبينت تلك المعطيات وقتها أن التجار سيتكفلون “بإنجاز الإصلاحات داخل المحلات، على أن تتكفّل شركة العمران بالإصلاحات الخارجية المتعلّقة بالواجهة وصباغتها”. كما أكد بنعيسى هذه المرة استفادة التجار من دفعة ثانية سابقاً تتراوح بين 50 و100 ألف درهم، تهم استئناف الأنشطة الاقتصادية، أي شراء السلع وغيرها، بعد إنجاز عمليات الإصلاح.
تقاطعات الزمن والتأهيل
لدى سؤاله عن الوتيرة المسجلة بالنسبة للإصلاحات ذكر المهني أنها “تتعاطى مع الوضع على نحو شمولي”، وتابع: “أعيد إنجاز شبكة التطهير بالكامل، كما أُعيد تأهيل شبكة الماء الصالح للشرب، بالإضافة إلى وضع شبكة جديدة للتطهير تخص القيساريات”، مشيراً إلى أن “أشغال التزفيت (التوفنة) بدأت، كما انطلقت الأنشطة الخاصة بالطبقة الإسفلتية”.
وأقرّ الكاتب المحلي للاتحاد العام للتجار والمهنيين بالمدينة المنكوبة بأن “الوضعية الحالية أثرت حقاً في الحركية الاقتصادية، بالإضافة إلى تأثيرها على النشاط السياحي”، مسجلاً أن “المهنيين مع ذلك ينتظرون أن يُؤخذ برأيهم في ما يتعلق بالأرضية والواقيات الأمامية للمحلات”، وتابع: “عُرض نموذج للأرضية، لكنه قوبل بالرفض من طرف التجار ولجنة التتبع، كما رُفض النموذج المقترح بالنسبة للواقيات المذكورة”.
وبعدها، سيتعين، وفق المتحدث، استكمال الواجهات التي يتبقى منها حوالي 3 تنتظر تقرير المختبر، إما بترميمها أو هدمها وإعادة بنائها، فضلاً عن “درب حدادو” الذي يشمل بعض الحوانيت التي تعلوها منازل سكنية بواجهات هشة تنتظر قرار الهدم، خالصاً إلى أن “الترتيبات تسير وفق البرنامج المسطر، ولم يتبقَّ منه سوى بعض الأرامل اللائي لم يتوصلن بعد بالتعزية المخصصة لهن من طرف وزارة الداخلية”.
وإلى هنا تتضح الصورة لهسبريس بأن مرور شهور لم يطفئ تماماً مفعول الأمطار الطوفانية التي مازالت تشكل “عصب الحياة اليومية” في مدينة آسفي. تتواصل الأعمال ميدانياً وتتوالى الدفعات مالياً، وصار “واد الشعبة” أخضر بالعشب والنبات، فيما يظل السؤال معلقاً: هل يكفي الطلاء الجديد والشكل المُحدَّث لمعالم المدينة لتغطية الندوب في أرواح من فقدوا أعزتهم؟ الجواب يوجد عند الساكنة حين تكون “عاصمة عبدة” في حلّتها المقبلة.
نصف عام على السيول .. آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة نصف عام على السيول آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نصف عام على السيول آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نصف عام على السيول .. آسفي تبني الحجر وتنتظر جبر خواطر البشر.
في الموقع ايضا :