بقلم : د.منى عبدالفتاح عثمان
(دكتورة الاقتصاد والعلوم السياسية -جامعة أسوان)
في كل مرحلة انتقالية كبرى، يظهر مورد أو قطاع جديد يُقدَّم بوصفه بوابة المستقبل. واليوم يبدو أن الهيدروجين الأخضر يحتل هذا الموقع في النقاش العالمي حول الطاقة والاقتصاد والتنمية. فالعالم يبحث عن بدائل أنظف، والصناعات الكبرى تسعى إلى خفض انبعاثاتها، والدول تتنافس على حجز موقع مبكر داخل اقتصاد منخفض الكربون لم تتحدد ملامحه النهائية بعد. وفي قلب هذا المشهد، تبرز إفريقيا بوصفها قارة تمتلك ما يغري العالم: الشمس، والرياح، والمساحات، وإمكانات إنتاج طاقة متجددة واسعة.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إفريقيا تملك فرصة في الهيدروجين الأخضر، بل ما إذا كانت ستعرف كيف تستثمرها. فالتاريخ يقول إن امتلاك الموارد لا يكفي وحده لصناعة التحول. كم مرة امتلكت القارة المواد الأولية التي احتاجها العالم، بينما ذهبت القيمة الأكبر إلى أماكن أخرى؟ وكم مرة تحولت الثروة الطبيعية إلى صادرات، من دون أن تتحول إلى صناعة، أو تكنولوجيا، أو تشغيل واسع، أو بنية اقتصادية أكثر قوة؟ لهذا، فإن الحديث عن الهيدروجين الأخضر لا ينبغي أن يبدأ من الحماس، بل من السؤال الأهم: هل نحن أمام فرصة تنموية حقيقية، أم أمام موجة جديدة من الوعود الكبيرة؟
لا شك أن جاذبية الفكرة قوية. فالهيدروجين الأخضر يقوم على استخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة لإنتاج وقود نظيف يمكن أن يدخل في الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، وبعض الأنشطة التي يصعب إزالة الكربون منها بوسائل أخرى. وهذا يمنحه مكانة خاصة في الاقتصاد العالمي المقبل. وبالنسبة إلى إفريقيا، فإن هذا الملف يفتح بابًا نادرًا: أن تنتقل من مجرد موقع يملك الموارد إلى موقع يمكنه أن يشارك في صناعة جزء من اقتصاد المستقبل.
لهذا السبب تتجه الأنظار إلى دول إفريقية بدأت تتحرك مبكرًا في هذا الملف، مثل ناميبيا وموريتانيا ومصر وجنوب إفريقيا وغيرها. فهذه الدول لا تُطرح فقط بوصفها منتجة محتملة للطاقة المتجددة، بل بوصفها مواقع قد تستضيف صناعات جديدة مرتبطة بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته. ومع تصاعد الحديث عن التحول الأخضر عالميًا، يبدو وكأن القارة تقف أمام لحظة يمكن أن تعيد من خلالها تعريف موقعها في الاقتصاد الدولي.
لكن هنا تحديدًا تبدأ الحاجة إلى قدر أكبر من الواقعية. فالهيدروجين الأخضر، رغم الضجيج الكبير المحيط به، ما يزال قطاعًا في طور التشكّل. السوق العالمية لم تستقر بعد، والطلب الفعلي ما يزال أقل كثيرًا من حجم التوقعات، وكثير من المشروعات المعلنة لم ينتقل بعد إلى التنفيذ الكامل.
وهذا يعني أن الحماسة وحدها قد تكون مضللة. فليس كل ما يُعلَن اليوم سيتحول غدًا إلى استثمار ناجح، وليس كل مشروع كبير على الورق سيصبح صناعة حقيقية على الأرض.
المشكلة أن بعض النقاشات في إفريقيا تتعامل مع الهيدروجين الأخضر وكأنه فرصة جاهزة، بينما هو في الحقيقة فرصة مشروطة. فهو يحتاج إلى بنية تحتية معقدة، وتمويل ضخم، ومياه، وموانئ، وشبكات كهرباء، وأطر تنظيمية مستقرة، وقدرة تفاوضية عالية مع المستثمرين والشركاء الدوليين. كما يحتاج إلى رؤية واضحة: هل الهدف هو مجرد إنتاج سلعة جديدة للتصدير، أم بناء قطاع يرتبط بالصناعة المحلية، وسلاسل القيمة، والتشغيل، ونقل المعرفة؟
وهنا يكمن الفرق بين الفرصة التاريخية والحماس المبكر. إذا دخلت إفريقيا هذا الملف بمنطق تصدير المورد فقط، فقد تعيد إنتاج النمط القديم نفسه في ثوب أخضر: القارة توفر الأرض والطاقة والموارد، بينما تبقى التكنولوجيا والتمويل والقيمة الصناعية الأعلى في الخارج. أما إذا دخلته بمنطق مختلف، يقوم على بناء المحتوى المحلي، وتطوير الصناعات المرافقة، وتدريب العمالة، وربط المشروعات بالبنية الاقتصادية الوطنية، فحينها فقط يمكن أن يتحول الهيدروجين الأخضر إلى أداة للتنمية، لا مجرد عنوان جديد في سوق الطاقة العالمية.
ولعل التجربة الناميبية تقدم هنا مثالًا بالغ الأهمية. فالقضية هناك لا تتوقف عند مشروع كبير أو عند تصدير وقود نظيف، بل ترتبط بفكرة أوسع: هل يمكن استخدام الهيدروجين الأخضر لبناء مسار جديد للتصنيع الأخضر؟ هل يمكن أن تتحول الموارد المتجددة إلى قاعدة اقتصادية أوسع؟ وهل تستطيع الدولة أن تجعل من هذا القطاع رافعة للتنويع الاقتصادي، لا مجرد مشروع لامع في التقارير الدولية؟ هذه الأسئلة لا تخص ناميبيا وحدها، بل تخص القارة كلها.
إن ما تحتاجه إفريقيا اليوم ليس مجرد الانضمام إلى سباق الهيدروجين الأخضر، بل صياغة شروطها الخاصة داخل هذا السباق. تحتاج إلى أن تسأل من البداية: ما الذي سيبقى داخل اقتصاداتنا؟ ما حجم القيمة المضافة المحلية؟ كم فرصة عمل حقيقية يمكن أن يولدها هذا القطاع؟ ما موقع الشركات الوطنية؟ وما نصيب التعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا؟ فالمشروعات العملاقة قد تبدو مبهرة في لحظة الإعلان، لكن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بعدد مليارات الاستثمار فقط، بل بما تتركه وراءها في بنية الاقتصاد والمجتمع.
كما أن على صناع القرار في إفريقيا أن ينتبهوا إلى أن العالم نفسه لم يحسم أمره بالكامل بعد. سوق الهيدروجين ما تزال ناشئة، والطلب العالمي النهائي لم يتبلور بالصورة التي توازي الطموح المعلن. وهذا يفرض على الدول الإفريقية قدرًا من الحذر الاستراتيجي. فمن الخطأ أن يُبنى مستقبل قطاع كامل على افتراضات متفائلة فقط. المطلوب هو التوازن بين الطموح والواقعية، بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية، وبين الانفتاح على السوق العالمية وبناء قاعدة محلية تستطيع الصمود.
لهذا، فإن الهيدروجين الأخضر في إفريقيا يستحق الاهتمام فعلًا، لكنه لا يستحق التبسيط. هو ليس معجزة جاهزة، وليس فرصة مضمونة تلقائيًا، لكنه أيضًا ليس مجرد وهم. إنه احتمال كبير، وفرصة مفتوحة، واختبار حقيقي لمدى قدرة القارة على أن تتعلم من تاريخها الاقتصادي الطويل. فإذا أحسنت إفريقيا إدارة هذه اللحظة، فقد يصبح الهيدروجين الأخضر بابًا نادرًا للانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصاد أكثر تعقيدًا وقيمة. أما إذا اكتفت بالحماس، وتركت قواعد اللعبة تُكتب في الخارج، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام مورد جديد يمر عبرها، دون أن ينهض بها.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إفريقيا تملك فرصة في الهيدروجين الأخضر، بل ما إذا كانت ستعرف كيف تستثمرها. فالتاريخ يقول إن امتلاك الموارد لا يكفي وحده لصناعة التحول. كم مرة امتلكت القارة المواد الأولية التي احتاجها العالم، بينما ذهبت القيمة الأكبر إلى أماكن أخرى؟ وكم مرة تحولت الثروة الطبيعية إلى صادرات، من دون أن تتحول إلى صناعة، أو تكنولوجيا، أو تشغيل واسع، أو بنية اقتصادية أكثر قوة؟ لهذا، فإن الحديث عن الهيدروجين الأخضر لا ينبغي أن يبدأ من الحماس، بل من السؤال الأهم: هل نحن أمام فرصة تنموية حقيقية، أم أمام موجة جديدة من الوعود الكبيرة؟
لا شك أن جاذبية الفكرة قوية. فالهيدروجين الأخضر يقوم على استخدام الكهرباء المولدة من مصادر متجددة لإنتاج وقود نظيف يمكن أن يدخل في الصناعات الثقيلة، والنقل البحري، وبعض الأنشطة التي يصعب إزالة الكربون منها بوسائل أخرى. وهذا يمنحه مكانة خاصة في الاقتصاد العالمي المقبل. وبالنسبة إلى إفريقيا، فإن هذا الملف يفتح بابًا نادرًا: أن تنتقل من مجرد موقع يملك الموارد إلى موقع يمكنه أن يشارك في صناعة جزء من اقتصاد المستقبل.
لهذا السبب تتجه الأنظار إلى دول إفريقية بدأت تتحرك مبكرًا في هذا الملف، مثل ناميبيا وموريتانيا ومصر وجنوب إفريقيا وغيرها. فهذه الدول لا تُطرح فقط بوصفها منتجة محتملة للطاقة المتجددة، بل بوصفها مواقع قد تستضيف صناعات جديدة مرتبطة بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته. ومع تصاعد الحديث عن التحول الأخضر عالميًا، يبدو وكأن القارة تقف أمام لحظة يمكن أن تعيد من خلالها تعريف موقعها في الاقتصاد الدولي.
لكن هنا تحديدًا تبدأ الحاجة إلى قدر أكبر من الواقعية. فالهيدروجين الأخضر، رغم الضجيج الكبير المحيط به، ما يزال قطاعًا في طور التشكّل. السوق العالمية لم تستقر بعد، والطلب الفعلي ما يزال أقل كثيرًا من حجم التوقعات، وكثير من المشروعات المعلنة لم ينتقل بعد إلى التنفيذ الكامل. وهذا يعني أن الحماسة وحدها قد تكون مضللة. فليس كل ما يُعلَن اليوم سيتحول غدًا إلى استثمار ناجح، وليس كل مشروع كبير على الورق سيصبح صناعة حقيقية على الأرض.
المشكلة أن بعض النقاشات في إفريقيا تتعامل مع الهيدروجين الأخضر وكأنه فرصة جاهزة، بينما هو في الحقيقة فرصة مشروطة. فهو يحتاج إلى بنية تحتية معقدة، وتمويل ضخم، ومياه، وموانئ، وشبكات كهرباء، وأطر تنظيمية مستقرة، وقدرة تفاوضية عالية مع المستثمرين والشركاء الدوليين. كما يحتاج إلى رؤية واضحة: هل الهدف هو مجرد إنتاج سلعة جديدة للتصدير، أم بناء قطاع يرتبط بالصناعة المحلية، وسلاسل القيمة، والتشغيل، ونقل المعرفة؟
وهنا يكمن الفرق بين الفرصة التاريخية والحماس المبكر، إذا دخلت إفريقيا هذا الملف بمنطق تصدير المورد فقط، فقد تعيد إنتاج النمط القديم نفسه في ثوب أخضر: القارة توفر الأرض والطاقة والموارد، بينما تبقى التكنولوجيا والتمويل والقيمة الصناعية الأعلى في الخارج. أما إذا دخلته بمنطق مختلف، يقوم على بناء المحتوى المحلي، وتطوير الصناعات المرافقة، وتدريب العمالة، وربط المشروعات بالبنية الاقتصادية الوطنية، فحينها فقط يمكن أن يتحول الهيدروجين الأخضر إلى أداة للتنمية، لا مجرد عنوان جديد في سوق الطاقة العالمية.
ولعل التجربة الناميبية تقدم هنا مثالًا بالغ الأهمية. فالقضية هناك لا تتوقف عند مشروع كبير أو عند تصدير وقود نظيف، بل ترتبط بفكرة أوسع: هل يمكن استخدام الهيدروجين الأخضر لبناء مسار جديد للتصنيع الأخضر؟ هل يمكن أن تتحول الموارد المتجددة إلى قاعدة اقتصادية أوسع؟ وهل تستطيع الدولة أن تجعل من هذا القطاع رافعة للتنويع الاقتصادي، لا مجرد مشروع لامع في التقارير الدولية؟ هذه الأسئلة لا تخص ناميبيا وحدها، بل تخص القارة كلها.
إن ما تحتاجه إفريقيا اليوم ليس مجرد الانضمام إلى سباق الهيدروجين الأخضر، بل صياغة شروطها الخاصة داخل هذا السباق. تحتاج إلى أن تسأل من البداية: ما الذي سيبقى داخل اقتصاداتنا؟ ما حجم القيمة المضافة المحلية؟ كم فرصة عمل حقيقية يمكن أن يولدها هذا القطاع؟ ما موقع الشركات الوطنية؟ وما نصيب التعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا؟ فالمشروعات العملاقة قد تبدو مبهرة في لحظة الإعلان، لكن قيمتها الحقيقية لا تُقاس بعدد مليارات الاستثمار فقط، بل بما تتركه وراءها في بنية الاقتصاد والمجتمع.
كما أن على صناع القرار في إفريقيا أن ينتبهوا إلى أن العالم نفسه لم يحسم أمره بالكامل بعد. سوق الهيدروجين ما تزال ناشئة، والطلب العالمي النهائي لم يتبلور بالصورة التي توازي الطموح المعلن. وهذا يفرض على الدول الإفريقية قدرًا من الحذر الاستراتيجي. فمن الخطأ أن يُبنى مستقبل قطاع كامل على افتراضات متفائلة فقط. المطلوب هو التوازن بين الطموح والواقعية، بين جذب الاستثمار وحماية المصلحة الوطنية، وبين الانفتاح على السوق العالمية وبناء قاعدة محلية تستطيع الصمود.
لهذا، فإن الهيدروجين الأخضر في إفريقيا يستحق الاهتمام فعلًا، لكنه لا يستحق التبسيط. هو ليس معجزة جاهزة، وليس فرصة مضمونة تلقائيًا، لكنه أيضًا ليس مجرد وهم. إنه احتمال كبير، وفرصة مفتوحة، واختبار حقيقي لمدى قدرة القارة على أن تتعلم من تاريخها الاقتصادي الطويل. فإذا أحسنت إفريقيا إدارة هذه اللحظة، فقد يصبح الهيدروجين الأخضر بابًا نادرًا للانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء اقتصاد أكثر تعقيدًا وقيمة. أما إذا اكتفت بالحماس، وتركت قواعد اللعبة تُكتب في الخارج، فقد تجد نفسها بعد سنوات أمام مورد جديد يمر عبرها، دون أن ينهض بها.
ظهرت المقالة الهيدروجين الأخضر في إفريقيا.. فرصة تاريخية أم حماس مبكر؟ أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة الهيدروجين الأخضر في إفريقيا فرصة تاريخية أم حماس مبكر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الهيدروجين الأخضر في إفريقيا فرصة تاريخية أم حماس مبكر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الهيدروجين الأخضر في إفريقيا.. فرصة تاريخية أم حماس مبكر؟.
في الموقع ايضا :