الأئمة والخطباء وبناء الإنسان التركي في عهد أردوغان ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

أحمد شوقي عفيفي - خاص ترك برس

ليست نهضة الأمم بما تشيّده من طرق وجسور ومطارات، ولا بما تقيمه من مصانع ومشروعات عمرانية فحسب، وإنما بما تصنعه من إنسان يحمل القيم، ويملك الوعي، ويؤمن برسالته الحضارية. فبناء الإنسان هو الأساس الذي تبنى عليه الدول، والركيزة التي تستند إليها كل نهضة مستدامة.

ومن هذا المنطلق، تبرز التجربة التركية في العقود الأخيرة بوصفها نموذجا جديرا بالتأمل، إذ لم يقتصر مشروع التنمية فيها على الإصلاح الاقتصادي والتوسع العمراني، بل اقترن باهتمام واضح بتعزيز الهوية الثقافية والدينية، وترسيخ القيم الأخلاقية في المجتمع. وفي هذا السياق، احتلت مدارس الأئمة والخطباء ورئاسة الشؤون الدينية مكانة بارزة ضمن رؤية هدفت إلى إعداد الإنسان قبل تشييد البنيان انطلاقا من قناعة مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء العقول وتزكية النفوس.

لقد شهدت تركيا منذ قيام الجمهورية تحولات عميقة في طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية. فعلى الرغم من أن مدارس الأئمة والخطباء أسست عام 1951 لتلبية حاجة المجتمع إلى إعداد الأئمة والخطباء، فإن مسيرتها لم تكن مستقرة، بل تأرجحت بين فترات ازدهار وانكماش تبعا للتحولات السياسية. وبلغت هذه التحديات ذروتها عقب ما عرف بإجراءات الثامن والعشرين من فبراير عام 1997 حين فرضت قيود واسعة على هذه المدارس مما أدى إلى تراجع كبير في أعداد طلابها وانحسار دورها في الحياة التعليمية.

ومع تولي الرئيس رجب طيب أردوغان قيادة تركيا دخلت مدارس الأئمة والخطباء مرحلة جديدة اتسمت بإعادة الاعتبار لهذا الصرح التعليمي بعد سنوات من التضييق والانكماش. فقد رفعت كثير من القيود التي كانت تحد من الالتحاق بها، واتسع نطاق انتشارها في مختلف الولايات، واستعادت مكانتها في المنظومة التعليمية حتى أصبحت مقصدا لأعداد متزايدة من الطلاب والطالبات. وتشير البيانات الرسمية إلى أن أعداد الدارسين فيها ارتفعت من عشرات الآلاف عقب سنوات التراجع إلى أكثر من مليون طالب وطالبة في مختلف المراحل التعليمية في دلالة واضحة على التحول الكبير الذي شهدته هذه المؤسسات خلال العقدين الأخيرين.

ولم يكن هذا الاهتمام وليد المصادفة، بل ارتبط أيضا بالتجربة الشخصية للرئيس أردوغان، الذي تخرج في إحدى مدارس الأئمة والخطباء، ولم يخف في مناسبات عديدة ما تركته تلك المرحلة من أثر عميق في تكوين شخصيته، وصقل وعيه، وترسيخ انتمائه الديني والوطني. ومن هنا، لم ينظر إلى هذه المدارس باعتبارها مؤسسات تعنى بإعداد الأئمة والخطباء فحسب، بل بوصفها مؤسسات تربوية تسهم في صناعة الإنسان، وتخريج أجيال تجمع بين العلم الحديث، والوعي الحضاري، والالتزام الأخلاقي، والإحساس بالمسؤولية تجاه الدين والوطن والمجتمع.

وتقوم فلسفة مدارس الأئمة والخطباء على رؤية تربوية متكاملة لا ترى تعارضا بين العلوم الحديثة والعلوم الشرعية، بل تعتبرهما جناحين متكاملين في بناء الإنسان. ولهذا ينهل الطالب من الرياضيات والعلوم الطبيعية واللغات الأجنبية كما ينهل من القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف، والفقه، والسيرة النبوية، والأخلاق الإسلامية في إطار منهج يهدف إلى تكوين شخصية متوازنة تجمع بين رسوخ المعرفة، واستقامة السلوك، واتساع الأفق، وسمو القيم. ومن ثم، فإن هذه المدارس لا تعد خريجيها للإمامة والخطابة وحدهما، بل تسعى إلى تخريج مواطنين قادرين على الإسهام في مختلف ميادين الحياة، وهم يحملون كفاءة علمية، ووعيا حضاريا، ومسؤولية أخلاقية.

وإلى جانب الدور الذي تنهض به هذه المدارس، تضطلع رئاسة الشؤون الدينية التركية بدور محوري في ترسيخ الرسالة الدينية وخدمة المجتمع، فهي تتولى إعداد الأئمة والخطباء وتأهيلهم علميا ومهنيا، وتشرف على شؤون آلاف المساجد في مختلف أنحاء البلاد كما تعد خطب الجمعة والبرامج الدعوية والإرشادية، وتنظم الدورات العلمية والتوعوية التي تستجيب لحاجات المجتمع ومتغيرات العصر. ولم يقتصر نشاطها على الداخل التركي، بل امتد إلى الساحة الدولية من خلال برامج تعليمية وتدريبية متنوعة، واستقبال مدارس الإمام والخطيب الدولية آلاف الطلاب القادمين من عشرات الدول في إطار تعاون مع مؤسسات تعليمية وخيرية بما يعكس البعد العالمي الذي أخذته هذه التجربة، ويجسد حرص تركيا على الجمع بين رسالتها التعليمية وانفتاحها على العالم الإسلامي.

وفي المجتمع التركي، لا تنحصر رسالة الإمام في إمامة المصلين وإلقاء خطبة الجمعة، بل تمتد لتشمل أدوارا تربوية واجتماعية وإنسانية واسعة، فهو مرشد للأسرة، وناصح للشباب، ومشارك في المبادرات المجتمعية، وزائر للمرضى، وساع في الإصلاح بين الناس، ومساهم في معالجة كثير من القضايا الاجتماعية. وبهذا يغدو المسجد فضاء لبناء الإنسان، ومنارة لغرس القيم، ومؤسسة تربوية واجتماعية تؤدي إلى جانب رسالتها التعبدية دورا فاعلا في ترسيخ التماسك المجتمعي وتعزيز روح المسؤولية والتكافل.

ومن هذا المنطلق، اكتسب منبر الجمعة مكانة خاصة بوصفه أحد أبرز جسور التواصل بين المؤسسة الدينية وشرائح المجتمع المختلفة، إذ يخاطب ملايين المواطنين كل أسبوع، ويعالج في خطبه قضايا تمس واقع الناس وحياتهم، مثل ترسيخ القيم الأسرية، وتعزيز الأمانة والإتقان في العمل، ونشر ثقافة التكافل والتراحم، واحترام النظام العام، ومواجهة مظاهر العنف والتطرف إلى جانب تناول القضايا الإنسانية التي تشغل المجتمع التركي والعالم الإسلامي بما يجعل الخطبة منبرا للتوجيه والإصلاح، وبناء الوعي العام.

غير أن هذه التجربة على ما حققته من نجاحات، ليست بمنأى عن التحديات التي فرضتها التحولات المتسارعة في عالم اليوم. فقد أوجد العصر الرقمي بما يحمله من ثورة معلوماتية وتأثير واسع لوسائل التواصل الاجتماعي أنماطا جديدة في التفكير والتلقي، وأعاد تشكيل اهتمامات الأجيال الصاعدة ووسائل تفاعلها مع الخطاب الديني. ومن ثم، بات من الضروري أن يواصل الأئمة والخطباء تطوير أدواتهم العلمية والإعلامية، وتجديد أساليب خطابهم حتى يتمكنوا من مخاطبة الشباب بلغة واعية تستوعب تحديات العصر، وتجمع بين أصالة الشريعة، وفقه الواقع، وحكمة الدعوة بما يحفظ ثوابت الدين ويعزز قدرته على الإسهام في بناء الإنسان والمجتمع.

لقد أثارت السياسات التعليمية والدينية التي انتهجتها الحكومات التركية في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان نقاشا واسعا داخل تركيا وخارجها، وتباينت بشأنها القراءات والتقييمات. فبينما يرى مؤيدوها أنها أسهمت في إعادة الاعتبار للتعليم الديني، وتعزيز حضور الهوية الثقافية والإسلامية في المجال العام، وترسيخ منظومة القيم في المجتمع، يرى منتقدوها أنها وسعت نطاق حضور المؤسسات الدينية في الحياة العامة بصورة تستحق المراجعة والنقاش. ومن ثم، لا يزال تقييم هذه السياسات محل بحث وحوار في الأوساط الأكاديمية والفكرية والسياسية في ضوء اختلاف الرؤى وتباين المرجعيات.

ومهما تباينت وجهات النظر، فإن تجربة الأئمة والخطباء في تركيا تظل واحدة من أبرز التجارب المعاصرة التي سعت إلى الجمع بين التربية الدينية، وبناء الشخصية، وخدمة المجتمع في إطار مؤسسي منظم. فقد انطلقت من قناعة بأن التنمية الحقيقية لا تقاس بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، وإنما تقاس أيضا بقدرة المجتمع على إعداد إنسان يجمع بين العلم، وسمو الأخلاق، وصدق الانتماء، وروح المسؤولية، والقدرة على الإسهام في نهضة وطنه وخدمة أمته، إذ إن الإنسان هو الركيزة الأولى لكل مشروع حضاري مستدام.

ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الأئمة والخطباء في عهد أردوغان لا ينصرف إلى مؤسسة تعليمية أو دينية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى رؤية تنموية شاملة تجعل من بناء الإنسان نقطة الانطلاق في بناء الدولة، وتؤمن بأن النهضة الراسخة تبدأ من المدرسة التي تعلم، والمسجد الذي يهذب، والأسرة التي تربي قبل أن تتجلى آثارها في الاقتصاد، والعمران، وسائر ميادين التقدم الحضاري.

مراجع الكتب:

1. محمد نور الدين، تركيا: الجمهورية الحائرة.

2. محمد نور الدين، تركيا في الزمن المتحول.

3. إريك زورخر، تاريخ تركيا الحديث.

4. الجزيرة.

5. الأناضول العربية.

 

مشاهدة الأئمة والخطباء وبناء الإنسان التركي في عهد أردوغان

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأئمة والخطباء وبناء الإنسان التركي في عهد أردوغان قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأئمة والخطباء وبناء الإنسان التركي في عهد أردوغان.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار