المسار | مقالات الرأي
صالح بن سعيد الحمداني
في عالم يموج بالضجيج وتسارع الإيقاع وتداخل العلاقات بشكل متزايد، أصبح الكثيرون يظنون أن الوصول إلى مرحلة النضج يعني تحمّل الضغوط إلى أقصى حد، أو تقديم التنازلات بشكل مستمر، أو كبت المشاعر وإخفاء ما يجري داخل النفس، غير أن المعنى الحقيقي للنضج يتجاوز هذه التصورات الشائعة، فهو حالة من الاتزان الداخلي والوعي العميق، حيث يستقر الإنسان في مساحة من الفهم الهادئ لنفسه ولمن حوله، بعيداً عن الاندفاع والتوتر غير الضروري، حين يختار الإنسان أن يميل إلى الهدوء في المواقف التي تستفزه، وحين يكتفي بالصمت في اللحظات التي يشتعل فيها الانفعال، وحين يتجاوز الرغبة في العتاب رغم شدّة الحاجة إليه، وحين يشعر بالاكتفاء بذاته رغم كثرة الوجوه من حوله، وحين يتصالح مع الغياب دون أن ينهك قلبه في دوامة التعلق، وحين يتعامل مع العلاقات ذات الاهتمام المتذبذب دون الدخول في صراعات إثبات أو طلب مستمر للاهتمام، عندها يمكن القول إنه يقترب من مساحة النضج الحقيقي.
كثير من الناس ينظرون إلى الصمت على أنه ضعف أو انسحاب، بينما التجربة الإنسانية العميقة تكشف أن الصمت قد يكون من أعلى درجات القوة والسيطرة على الذات، اختيار الهدوء في المواقف الصعبة لا يعني الهروب أو التجاهل، إنما يعكس قدرة الإنسان على إدارة انفعالاته بوعي، وعلى اختيار ردود أفعاله بدقة، فمع مرور الوقت، يدرك الإنسان أن كل موقف لا يستحق الاستنزاف، وأن كل كلمة لا تستحق الرد، وأن الحفاظ على الطاقة النفسية أهم من الانخراط في جدالات لا تنتهي، وعلم النفس الحديث يشير إلى أن التحكم في ردود الأفعال يعد مؤشراً مهماً على تطور الشخصية ونضجها، الطفل غالباً ما يعبر عن غضبه بالصراخ، والمراهق قد يميل إلى ردود فعل حادة وسريعة عند أول خلاف، بينما الإنسان الأكثر نضجاً يتعامل مع المواقف بهدوء واتزان، مدركاً أن التسرع في الرد قد يفتح أبواباً من التعقيد، وأن الصبر في كثير من الأحيان يوفر حلولاً أكثر عمقاً وراحة.
من المراحل الصعبة في رحلة الإنسان أن يتجاوز رغبته الدائمة في العتاب، فالعتاب في جوهره يعكس اهتماماً ومودة، لكنه في بعض الحالات يتحول إلى عبء نفسي متكرر لا يضيف قيمة حقيقية، وقد يزيد الجروح عمقاً، وهنا يختار الإنسان الناضج أن يكتفي بالصمت عندما يدرك أن الحديث لن يغير الواقع، وأن تكرار العتاب قد يفقده تأثيره ومعناه، تجاهل العتب في بعض المواقف لا يعكس قسوة أو جفاء، إنما يعبر عن وعي بأن القلب يحتاج إلى حماية، وأن الطاقة العاطفية تستحق أن تُوجّه نحو ما هو أكثر قيمة واستقراراً، وهذا الفهم يجعل الإنسان أكثر حفاظاً على كرامته، وأكثر قدرة على توجيه مشاعره نحو ما يضيف له بدلاً من ما يستنزفه. ومع مرور التجارب، يدرك الإنسان أن الاكتفاء بالذات لا يعني الانعزال عن الآخرين، إنما يعبر عن حرية داخلية واستقلال في التقدير والشعور، وكلما قلت الحاجة إلى الاعتماد الكامل على الآخرين من أجل الإحساس بالقيمة، زادت مساحة السلام الداخلي، واتسع نطاق الرضا الذاتي، والشخص الناضج يدرك أهمية الآخرين في حياته، لكنه في الوقت ذاته لا يربط سعادته بالكامل بوجودهم أو بمدى رضاهم عنه، فهو يفهم أن تقدير الذات يبدأ من الداخل، وأن الاعتماد المفرط على الآخرين قد يفتح أبواباً واسعة للتقلبات النفسية وخيبات التوقعات، لذلك يصبح الاكتفاء بالذات نوعاً من الحماية النفسية التي تحفظ التوازن في مواجهة تقلبات العلاقات.
في مسار الحياة يمر الإنسان بخسارات متعددة، بين أشخاص يغيبون، وأماكن تتغير، وفرص تتلاشى، التعامل مع هذه التحولات يحتاج إلى وعي خاص، حيث يتعلم الإنسان أن التمسك الزائد بما انتهى لا يعيد الماضي، وإنما يضيف عبئاً جديداً على القلب، التصالح مع الغياب هنا يتحول إلى خطوة ضرورية لاستمرار الحياة بشكل أكثر هدوءاً واتزاناً، وهذا التصالح يمنح الإنسان فرصة لإعادة اكتشاف ذاته، ويمنحه قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات دون انهيار داخلي، ومع الوقت يصبح الغياب جزءاً من التجربة الإنسانية التي تُفهم وتُستوعب دون مقاومة مرهقة.
في عصر تتكاثر فيه الرسائل والمكالمات والمنشورات بشكل يومي يصبح من السهل أن ينجرف الإنسان نحو كثرة الكلام، ومع ذلك، يميل الإنسان الأكثر وعياً إلى تقليل الحديث والتركيز على المعنى الحقيقي وراء التواصل، فالكثرة في الحوار لا تعكس بالضرورة عمق العلاقة، بينما الصدق والوضوح في كلمات قليلة قد يحملان قيمة أكبر بكثير، العلاقات الحقيقية لا تعتمد على إثبات دائم أو تواصل مستمر بلا انقطاع، إنما تقوم على حضور متوازن وثقة متبادلة، وعندما تتوفر هذه العناصر، يصبح الصمت أحياناً أكثر تعبيراً من الكلمات.
الإنسان بطبيعته يمر بتقلبات في مشاعره واهتمامه، وقد يمر بفترات من القرب وأخرى من التباعد، الشخص الناضج يتعامل مع هذه التحولات بفهم ومرونة، دون أن يفسر كل تغير على أنه فقد أو نهاية، فهو يدرك أن التباعد أحياناً يكون مساحة لإعادة التوازن الداخلي، وفرصة لإعادة تقييم الذات والعلاقات، من خلال هذا الفهم يتحرر الإنسان من ضغط التوقعات المبالغ فيها، ويعيش علاقاته بشكل أكثر واقعية وهدوءاً، بعيداً عن الصدمات المتكررة الناتجة عن المثالية الزائدة.
في نهاية المطاف يمكن النظر إلى النضج على أنه خلاصة تجربة طويلة من التأمل والتعلم والتجارب المتراكمة، قد يصل إليه البعض في سن مبكرة، وقد يبتعد عنه آخرون رغم مرور السنوات، لأن المسألة لا ترتبط بالعمر بقدر ما ترتبط بالوعي والقدرة على فهم الحياة بعمق، وعندما يبلغ الإنسان هذه المرحلة، يصبح أكثر هدوءاً في مطالبه، وأكثر تصالحاً مع ذاته، وأسوع صدراً تجاه تقلبات الحياة، والأهم من ذلك أنه يتوقف عن السعي المستمر لإثبات نفسه للآخرين، ويبدأ رحلة أكثر صدقاً مع ذاته، ويمكن تلخيص النضج على أنه فن تبسيط الحياة؛ تبسيط المشاعر، وتبسيط العلاقات، وتخفيف التوقعات، إنه أسلوب جديد في العيش، لا يتقنه إلا من خاض تجارب صاخبة ثم وصل إلى قناعة أن الهدوء أكثر عمقاً، هو تجربة تنقل الإنسان من البحث عن الضجيج الخارجي، إلى اكتشاف السكون الداخلي، حيث تبدأ أعمق أشكال الراحة.
مشاهدة صالح الحمداني يكتب حين تصبح الذات كافية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ صالح الحمداني يكتب حين تصبح الذات كافية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، صالح الحمداني يكتب: حين تصبح الذات كافية.
في الموقع ايضا :