محمد البادي يكتب: حين يصمت القلم أمام سرير أمي ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (صحيفة المسار العُمانية) -

المسار | مقالات الرأي 

محمد بن علي البادي  اعتاد قلمي أن يركض في ميادين السياسة، وأن يشتبك مع قضايا الوطن، وأن يفكك طلاسم الأحداث ويحلل المواقف الصاخبة. كنت أظن أن حبر قلمي لا يجف أمام معضلات الفكر وشؤون العامة. لكنني اليوم، أجدني أضع كل تلك المجلدات جانباً، وأصمت صمت المتعبد في محراب الذهول؛ لأن هناك “قضية” واحدة أخرست كل الأصوات، ولم تعد تسمح لأي حديثٍ آخر أن يتقدم عليها. اليوم… لا أكتب بفكري، بل أنزف بقلبي. اليوم… أكتب عن أمي. منذ عامٍ تقريبًا، وهي ترقد على سرير المستشفى الأبيض، ذلك السرير الذي تحول إلى ساحة لمعركة صامتة، لا يسمع ضجيجها العابرون، ولا يدرك قسوتها إلا من جرب طعم الانتظار. إنها معركة شرسة بين جسدٍ ينهكه الألم، وأملٍ في الله لا ينطفئ، وبين غريزة فطرية تتشبث بالحياة، وتسليمٍ مطلقٍ لقضاء الله وقدره. أما نحن، أبناؤها، فنقف إلى جوارها واجمين، في حالة من الذهول المعلق؛ لقد اختُصرت الحياة كلها في تلك الغرفة، وأصبحت تمارس علينا نوعاً من الفلسفة الإجبارية الصارمة. تجدنا وقوفاً، أعيننا معلقة بشاشات الأجهزة الصامتة والعدادات الرقمية التي تقيس الحياة بالأرقام، بينما آذاننا مستسلمة كلياً لتسمع أنفاسها اللاهثة، نعدّ الشهيق والزفير كأنه ثروتنا الأخيرة في هذا العالم. نقف في صمتٍ ثقيل، نترقب شفتيها، فلربما تجود علينا بكلمة واحدة، كلمة واحدة منها الآن تزن في كفتنا الأرض ومن عليها. في تلك اللحظات، تتجلى فلسفة الوجود في أصدق صورها: كيف يمكن لآلة جامدة من حديد وبلاستيك أن تتحكم في نبضات قلوبنا، وكيف يمكن لنَفَسٍ واحد يخرج من صدر أمي أن يكون هو الفارق بين الطمأنينة والانهيار؟ لقد كان هذا العام الطويل كافيًا ليزلزل قناعاتي، ويعيد ترتيب أولوياتي، ويغير نظرتي إلى الحياة بأكملها. لقد اكتشفت أن الإنسان قد يقضي عمره يطارد سراباً: مجداً، أو مالاً، أو سلطة، ثم يكتشف في لحظةٍ خاطفة، عند حافة الفقد، أن أعظم أمنياته في الوجود قد اختُصرت في تفاصيل صغيرة جداً، لم يكن يلقي لها بالاً من قبل. تصبح قمة الطموح: أن يرى من يحب يبتسم بغير تكلف، أو يتنفس براحة دون مساعدة الأجهزة، أو ينام ليلةً واحدة هادئة دون أن يوقظه الأنين. هناك, في غرف المستشفيات الضيقة، تتساقط كل الحسابات الأرضية، تذوب الخلافات التافهة، تصغر الدنيا وتتضاءل المشاريع الكبرى، وتعود الحياة إلى عريها الأول ومعناها الحقيقي المجرد. وتعلّمت أن المستشفيات ليست مجرد دورٍ للاستشفاء والعلاج الطبي، بل هي مدارس كبرى للصبر تروّض النفوس الجامحة، وجامعات لتعميق الإيمان تُدرس مادة اليقين العملي، ونوافذ يرى الإنسان من خلالها حجم ضعفه الحقيقي، وعجزه أمام ميكروب أو خلايا متمردة، فيوقن من أعماقه أن القوة والملك والقدرة كلها لله وحده. وهنا، لا يسعني وسط هذا الذهول إلا أن أزجي تحية إجلال وشكر صادقة لتلك الأطقم الطبية والتمريضية، الذين يمارسون عملهم بكل مهنية، وإخلاص، وإنسانية صامتة؛ يقفون معنا في خندق واحد، يسهرون حين ننام، ويتحركون في ممرات العتمة كجنود خفيين، محاولين بكل ما أوتوا من علمٍ وعطف أن ينقذوا ما يمكن إنقاذه من الروح، ويرمّموا ما هدمه التعب بيقظتهم ورعايتهم. كل يوم كنت أطيل النظر في وجه أمي المنهك، فما أرى تجاعيد التعب، بل أرى “الصبر” وقد تجسد خلقاً يمشى ويقاوم. أرى الإيمان وهو يخوض معركته ضد الوجع في صمتٍ مهيب. وأدركت حينها أن البطولة الحقيقية ليست دائمًا في ميادين القتال برنين السيوف وصخب الهتاف، بل قد تكون مستترة في غرفة مستشفى هادئة، فوق سرير مريض، يقاوم عواصف الألم العاتية، ولا يملك من السلاح إلا كبرياء الصمت، وكلمة واحدة يهمس بها قلبه قبل لسانه: “الحمد لله”. وفي غمرة هذا الصمت الممتد، كان يتوافد علينا الزوار؛ أولئك الذين يأتون وفي عيونهم حزنٌ دافق يفيض بالشفقة علينا نحن الأبناء، نظراتٌ تواسينا على أعمارنا المعلقة بين جدران المستشفى، وعلى ملامحنا التي غزاها الشحوب، وتدعو لنا بالصبر على هذا البلاء الطويل. لكن ما كان يسترعي انتباهي في عيونهم، ليس حزنهم علينا، بل ذلك الذهول والتعجب الصامت وهم ينظرون إلى أمي؛ كانوا يقفون مبهوتين أمام جسدٍ أنهكه المرض وعاث فيه الأنين، ومع ذلك يتعجبون من هذه السيدة المقاتلة التي تتشبث بالشهيق والزفير، وتغالب الضعف الإنساني في كل لحظة، لا لتنجو بنفسها فحسب، بل لتمنحنا نحن الحياة والأمان بوجودها. في عيون الزوار كنت أقرأ سؤالاً حائراً: “من أين تأتي بهذه القدرة على التمسك بالحياة وسط كل هذا الركام من الوجع؟” ولم أكن أجد إجابة إلا أنها الأمومة؛ تلك القوة الخفية التي تجعل الأم تقاوم وتصبر، لا حرصاً على الدنيا، بل خوفاً على قلوب أبنائها أن تنكسر من بعدها. يا أمي… إن كان المرض قد أخذ من نضارة جسدك وأتعب عظامك، فإنه قد أحيا فينا نفوساً كانت غافلة. لقد علّمنا مرضكِ معنى الرحمة التي كنا نقرأ عنها في الكتب، ومفهوم البر الذي تجاوز مجرد الطاعة إلى ذوبان الروح في خدمة المحبوب. علّمنا أن الدعاء ليس مجرد طقسٍ نؤديه، بل هو لغة القلب الوحيدة، والمنفذ الأخير عندما تغلق في وجوهنا الأسباب، وتعجز الكلمات. أسأل الله العظيم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي أخرج الحي من الميت، ويحيي العظام وهي رميم، أن يجعل كل غرزة إبرة، وكل أنين مخفي، وكل ليلة سهر، رفعةً لدرجاتكِ، وتطهيراً لكِ. اللهم بدّل أنينها راحة، ومرضها عافية تسري في عروقها، وأقر أعيننا برؤيتها تبتسم وتخطو بيننا من جديد، سالمة معافاة. وأختم مستصرخاً كل من يقرأ كلماتي، ممن لا تزال الدنيا تبتسم له: إذا كانت أمك بجوارك، تتنفس في زوايا بيتك، وتملأ بوجودها أمانك، فلا تؤجل برها ساعة واحدة. لا تؤخر كلمةً طيبة، ولا تبخل عليها بوقتٍ بحجة “المشاغل”. قبّل يدها صباح مساء، واشبع من النظر إلى وجهها؛ فالأيام تمضي أسرع مما نظن، والزمن غدار، والنعم العظيمة لا يُعرف مقدارها الحقيقي إلا عندما تُهدد بالرحيل والفقد. اللهم اشفِ أمي، واشفِ أمهات المسلمين جميعاً، شفاءً لا يغادر سقمًا. أعد إليها صحتها وعافيتها، واجعل ما أصابها في ميزان حسناتها، واجعل لنا من هذا الابتلاء صبراً جميلاً وأجراً عظيماً وثباتاً لا يلين. إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

مشاهدة محمد البادي يكتب حين يصمت القلم أمام سرير أمي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد البادي يكتب حين يصمت القلم أمام سرير أمي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محمد البادي يكتب: حين يصمت القلم أمام سرير أمي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار