كتب - زياد فرحان المجالي لم يكن السابع من أكتوبر حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن اختزاله في عملية حدودية واسعة، أو قياسه فقط بعدد المواقع التي تعرضت للاختراق، بل مثّل لحظة فاصلة أعادت فتح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أسئلة ظن كثيرون أنها أُغلقت أو جرى تجاوزها: الأرض، والاحتلال، والحصار، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وحدود القوة الإسرائيلية، وقدرة القضية الفلسطينية على العودة إلى صدارة الاهتمام العالمي. وفي قلب هذه اللحظة برز اسم يحيى السنوار بوصفه أحد أبرز العقول التي ارتبطت بالتخطيط السياسي والعسكري للهجوم، وفق ما أعلنته حركة حماس وما تناولته تقارير وتحقيقات إسرائيلية متعددة. غير أن قراءة دوره لا ينبغي أن تتوقف عند تفاصيل التخطيط والتنفيذ، بل تمتد إلى فهم الرهان الاستراتيجي الذي انطلق منه: إحداث صدمة كبرى تمنع تصفية القضية الفلسطينية، وتكسر حالة الجمود، وتعيد غزة إلى مركز المعادلات الإقليمية والدولية، مهما كانت الكلفة المتوقعة لذلك القرار. ومن الواضح أن السنوار لم يبنِ حساباته على انتظار تحرك عربي رسمي واسع، ولا على الثقة بأن المؤسسات الدولية ستفرض من تلقاء نفسها حلًا عادلًا. لقد بدا رهانه الأساسي موجّهًا إلى الرأي العام العالمي، وإلى قدرة مشاهد الحرب والمعاناة الفلسطينية على اختراق جدران الرواية الإسرائيلية التقليدية. وبالفعل، شهدت مدن وجامعات وعواصم كثيرة احتجاجات واسعة، وأصبحت القضية الفلسطينية موضوعًا مركزيًا في النقاشات السياسية والإعلامية والحقوقية، بعد سنوات كانت فيها مشاريع التطبيع وإدارة الصراع تدفعها تدريجيًا نحو الهامش. لكن قوة الحدث لا تعني إغفال تعقيد نتائجه أو أثمانه الإنسانية الهائلة. فالسابع من أكتوبر فتح الباب أمام حرب مدمرة تعرض خلالها قطاع غزة لقتل واسع ونزوح ودمار غير مسبوق، وهي نتائج تفرض على أي قراءة مسؤولة أن تميز بين فهم أهداف القرار الاستراتيجي وبين تجاهل المأساة التي لحقت بالمدنيين. ومن هنا، لا يقدم هذا المقال حكمًا نهائيًا على جميع نتائج العملية، بل يحاول قراءة التحول السياسي والاستراتيجي الذي أحدثته في بنية الصراع. لقد أصيب مفهوم الأمن الإسرائيلي في صميمه. فالدولة التي بنت جزءًا كبيرًا من صورتها الردعية على التفوق الاستخباري، والإنذار المبكر، والسيطرة التقنية، فوجئت باختراق واسع كشف ثغرات خطيرة في منظومات المراقبة والقيادة والاستجابة. ولم يعد النقاش داخل إسرائيل يدور فقط حول مسؤولية الجيش أو أجهزة الاستخبارات، بل حول انهيار تصور سياسي كامل افترض إمكان حصار غزة، وإضعافها اقتصاديًا، وإدارة الصراع من دون تقديم حل سياسي للقضية الفلسطينية. من هذه الزاوية، يمكن القول إن صورة «الجيش الذي لا يُقهر» تعرضت لضربة عميقة، لا لأن إسرائيل فقدت تفوقها العسكري أو قدرتها التدميرية، فهي ما تزال تمتلك واحدة من أكثر الترسانات تطورًا في المنطقة وتحظى بدعم غربي كبير، بل لأن التفوق العسكري لم يمنع المفاجأة، ولم يوفر لإسرائيل نصرًا سياسيًا واضحًا، ولم ينجح وحده في إعادة جميع الأسرى أو إنهاء جذور المقاومة والصراع. وقد كشفت الحرب أيضًا حجم الارتباط الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة وعدد من حلفائها الغربيين. فالدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي الذي تلقته تل أبيب لم يكن هامشيًا، بل شكل عنصرًا أساسيًا في قدرتها على مواصلة الحرب. وفي المقابل، أثار هذا الدعم أسئلة أخلاقية وقانونية متزايدة داخل المجتمعات الغربية نفسها، خاصة مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين واتساع الدمار، وهو ما أضعف ادعاء أن النظام الدولي يتعامل مع النزاعات بمعايير واحدة. أمام هذه الترسانة الضخمة، ظهرت في المشهد مفارقة عسكرية وإنسانية لافتة: مقاتلون فلسطينيون بإمكانات محدودة يواجهون جيشًا مدعومًا بأحدث تقنيات الاستطلاع والطيران والذخائر. وقد تحولت بعض مشاهد الاشتباك القريب إلى جزء من الحرب النفسية والإعلامية، إذ استُخدمت لإثبات أن التفوق التكنولوجي لا يلغي أثر الإرادة، ومعرفة الأرض، والقدرة على التكيف، وإن كان ميزان القوة المادي يميل بصورة ساحقة لمصلحة إسرائيل. غير أن المعيار الحقيقي لنتائج الحروب لا يقتصر على حجم الدمار أو عدد الضربات، بل يرتبط بالأهداف السياسية التي تحققها الأطراف. فقد أعلنت إسرائيل أهدافًا كبرى، من بينها تفكيك البنية العسكرية لحماس، وإنهاء قدرتها على الحكم والقتال، وإعادة الأسرى. لكن استمرار المفاوضات غير المباشرة، وبقاء قضية الأسرى في قلب أي اتفاق، أظهرا أن القوة العسكرية وحدها لم تكن كافية لحسم الملف. فالأسرى الذين عادوا لم تتم إعادتهم جميعًا عبر العمليات العسكرية، بل كان التفاوض والوساطة وتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار أدوات أساسية في إطلاق سراح أعداد منهم. وهذه الحقيقة تؤكد أن النزاعات المعقدة لا تُحل بالدبابات والطائرات وحدها، وأن السياسة تعود إلى الواجهة حتى بعد أقسى جولات القتال. أما دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أي ترتيبات أو تفاهمات لاحقة، فينبغي تقييمه وفق النتائج الموثقة للوساطات والاتفاقات، لا عبر منحه منفردًا فضل إنهاء مأزق تشارك في إدارته أطراف إقليمية ودولية عديدة. لقد نجح السابع من أكتوبر في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز العالم، وكشف عجز سياسة إدارة الصراع عن إنتاج استقرار حقيقي، لكنه في الوقت ذاته أطلق حربًا ذات أثمان كارثية على غزة وأهلها. وبين هاتين الحقيقتين يجب أن تتحرك القراءة التاريخية المنصفة: فلا تختزل الحدث في بطولة مجردة، ولا تحصره في الخسائر وحدها، بل تدرسه بوصفه قرارًا غيّر مسار الصراع، وأعاد تعريف حدود القوة، وفرض على إسرائيل والعالم الاعتراف بأن القضية الفلسطينية لا يمكن دفنها بالحصار أو تجاوزها باتفاقيات إقليمية. رحل يحيى السنوار، لكن الجدل حول رؤيته وإرثه سيظل طويلًا. سيعدّه أنصاره قائدًا أعاد فلسطين إلى الواجهة، وسيحمّله خصومه مسؤولية قرار فتح أبواب حرب مدمرة. غير أن ما يصعب إنكاره هو أن الرجل ترك أثرًا يتجاوز حياته وتنظيمه؛ فقد ساهم في إسقاط وهم إمكان شطب القضية الفلسطينية من التاريخ، وأثبت أن الاستقرار المبني على تجاهل الحقوق ليس استقرارًا، وأن القوة مهما بلغت لا تستطيع وحدها كتابة الفصل الأخير. لقد كتب السنوار فصلًا بالغ القسوة والتعقيد في تاريخ فلسطين، لكن التاريخ لم يصدر حكمه النهائي بعد. فالحكم الحقيقي لن يتحدد فقط بما حدث في السابع من أكتوبر، بل بما ستؤول إليه القضية بعده: هل تتحول التضحيات الهائلة إلى مسار سياسي يفضي إلى الحرية والدولة، أم يبقى الحدث صدمة كبرى بلا ثمرة استراتيجية مكتملة؟ هنا يقع الفارق بين صناعة الحدث وصناعة التاريخ؛ فالحدث يُحدث الزلزال، أما التاريخ فيُقاس بما يبقى بعد انقشاع الغبار. .
مشاهدة طوفان الوعي والتحول الاستراتيجي السنوار وإعادة كتابة الصراع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ طوفان الوعي والتحول الاستراتيجي السنوار وإعادة كتابة الصراع قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.