كتب وسام السعيد _ عندما ننظر إلى المشهد التجاري اليوم، يبدو للوهلة الأولى أن الجميع رابح. المستهلك يشتري بسعر أقل، والتاجر الصغير يستطيع الاستيراد مباشرة، والمصنع يبيع إلى عدد أكبر من العملاء، والمنصات الإلكترونية تحقق مليارات الدولارات من العمولات. لكن الاقتصاد لا يُقرأ من زاوية واحدة، بل من خلال الصورة الكاملة. فإذا ربح الجميع، فلماذا نرى آلاف المؤسسات التجارية تغلق أبوابها في مختلف دول العالم؟ ولماذا تتراجع الأسواق التقليدية؟ ولماذا تقل فرص العمل في قطاعات كانت حتى وقت قريب من أكثر القطاعات نشاطًا؟ الحقيقة أن الرابح الأكبر في هذه المعادلة ليس المستهلك… وليس تاجر المفرق… بل المصنع والمنصة الإلكترونية. فالمصنع كان يبيع سابقًا إلى مستورد، ثم إلى موزع، ثم إلى تاجر جملة، ثم إلى تاجر مفرق، وكان هامش الربح يتوزع بين جميع حلقات سلسلة التوريد. أما اليوم، فقد أصبح المصنع قادرًا على بيع منتجاته مباشرة إلى آلاف التجار أو ملايين المستهلكين حول العالم، مع الاحتفاظ بجزء أكبر من الأرباح التي كانت تتوزع سابقًا على الوسطاء. أما المنصات الإلكترونية، فقد ابتكرت نموذجًا اقتصاديًا بالغ الذكاء. فهي لا تنتج البضائع، ولا تستوردها، ولا تستأجر مستودعات في كل دولة، ولا تتحمل كلف المحال التجارية، ومع ذلك تحصل على عمولة من كل عملية بيع، وتستفيد من البيانات، والإعلانات، وخدمات الدفع، والشحن، والتسويق، لتصبح لاعبًا رئيسيًا في التجارة العالمية دون أن تمتلك معظم البضائع التي تعرضها. وماذا عن المستهلك؟ لا شك أنه استفاد من انخفاض الأسعار، وتنوع الخيارات، وسهولة المقارنة، وسرعة الوصول إلى المنتجات، لكن هذه المكاسب قد لا تكون دائمة. فعندما تضعف التجارة المحلية، ويغلق عدد كبير من المؤسسات، وتقل المنافسة داخل السوق الوطني، وتتركز القوة في عدد محدود من المنصات العالمية، يصبح المستهلك أكثر اعتمادًا عليها، وعندها قد تتغير قواعد اللعبة. أما الخاسر الأكبر فهو الاقتصاد المحلي. فكل دينار كان يدور بين المستورد، وتاجر الجملة، وتاجر المفرق، وشركات النقل، والمستودعات، والمحاسبين، والعمال، والخدمات المساندة، كان يخلق قيمة مضافة داخل البلد، ويوفر فرص عمل، ويحرك قطاعات عديدة. اليوم، أصبح جزء متزايد من هذه القيمة ينتقل إلى الخارج، بينما تتراجع مساهمة الحلقات المحلية في دورة الاقتصاد. ولا يعني ذلك أن المصنع أو المنصة الإلكترونية خصمان يجب محاربتهما، فهما يمثلان تطورًا طبيعيًا في الاقتصاد العالمي. لكن الخطأ أن نقف متفرجين، وكأن دور الاقتصاد الوطني هو استهلاك ما ينتجه الآخرون فقط. إن الدول الناجحة لم تواجه هذه التحولات بالمنع، بل ببناء شركات محلية قادرة على المنافسة، وتطوير التجارة الرقمية، ودعم الخدمات اللوجستية، وتحفيز الابتكار، وخلق بيئة تسمح للتاجر المحلي بأن يكون جزءًا من الاقتصاد الرقمي، لا ضحية له. ويبقى السؤال الأهم… إذا استمرت الأرباح، والبيانات، والتجارة، والقيمة المضافة بالانتقال تدريجيًا إلى خارج حدودنا، فمن سيمول الاقتصاد المحلي؟ ومن سيخلق الوظائف؟ ومن سيستثمر في الأسواق، والعقارات التجارية، والخدمات؟ إن الرابح الحقيقي ليس من يبيع أكثر اليوم، بل من ينجح في الاحتفاظ بالقيمة المضافة داخل اقتصاده. وهنا يكمن التحدي الحقيقي. فالمعركة لم تعد بين متجر ومنصة، ولا بين تاجر ومصنع، بل بين اقتصاد يكتفي بدور المستهلك، واقتصاد يعرف كيف يحجز لنفسه مكانًا في سلاسل القيمة العالمية. والدول التي تدرك ذلك مبكرًا لن تخشى المستقبل… بل ستكون شريكًا في صناعته .
مشاهدة من الرابح الحقيقي المصنع أم المنصة الإلكترونية أم المستهلك
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من الرابح الحقيقي المصنع أم المنصة الإلكترونية أم المستهلك قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.