ويأتي هذا النقاش في أعقاب إعلان عدد من رؤساء المجالس وبرلمانيين بالأقاليم الجنوبية تغيير انتمائهم الحزبي أو التلويح بخوض الانتخابات المقبلة بألوان سياسية جديدة، في مشهد يعكس حركية غير مسبوقة داخل الخريطة الحزبية بالمنطقة. وتعد هذه التحولات امتدادا لموجة من إعادة الاصطفاف السياسي التي تشهدها عدة جهات بالمملكة؛ غير أنها تكتسب بالأقاليم الجنوبية أهمية خاصة، بالنظر إلى الثقل الانتخابي لعدد من الأعيان ورؤساء المجالس الترابية وتأثيرهم في موازين المنافسة.
وفي استجلائها لمختلف أبعاد هذه الظاهرة، استقت هسبريس آراء فاعلين من مشارب حزبية وأكاديمية وقانونية متباينة، إذ اعتبر فريق منها أن الترحال السياسي يندرج، في الأصل، ضمن حرية الاختيار وإعادة التموضع داخل المشهد الحزبي متى احترم الضوابط القانونية؛ فيما رأى آخرون أنه بات يفرغ الانتماء الحزبي من مضمونه ويقوض ثقة الناخبين في المؤسسات المنتخبة.
تفاعلا مع الموضوع، قال محمد بنساسي، عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال، إن النقاش المثار حول الترحال السياسي، خاصة بالأقاليم الجنوبية، يقتضي قدرا كبيرا من الدقة والتمييز بين ما يندرج ضمن الحق الدستوري في حرية الانتماء السياسي وما يخضع لضوابط قانونية واضحة، مؤكدا أنه لا ينبغي الخلط بين حرية الانتماء، باعتبارها حقا يكفله الدستور، وبين ممارسات قد تفرغ الإرادة الشعبية من مضمونها أو تمس باستقرار المؤسسات المنتخبة.
وأوضح المحامي بهيئة المحامين بالرباط أن الفصل الحادي والستين من الدستور حسم وضعية أعضاء مجلس النواب، من خلال النص على تجريد النائب البرلماني من عضويته إذا تخلى عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه أو عن الفريق أو المجموعة النيابية التي ينتمي إليها، وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون؛ وهو ما يعكس حرص المشرع الدستوري على تحقيق التوازن بين حرية الانتماء السياسي وحماية الإرادة الشعبية واستقرار المؤسسات المنتخبة.
وبخصوص الحالات المرتبطة بتغيير الانتماء الحزبي، نبه المتحدث ذاته إلى ضرورة التمييز بين وضعيتين مختلفتين؛ الأولى تتعلق بمنتخب ما يزال يمارس مهامه باسم الحزب الذي ترشح باسمه، وهنا قد يرتب تغيير انتمائه الحزبي آثارا قانونية متى توفرت شروطها، والوضعية الثانية تخص الحركية السياسية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية أو أشخاصا لا توجد في حقهم موانع قانونية تحول دون تغيير انتمائهم الحزبي، وفي هذه الحالة يظل الأمر، من حيث الأصل، تعبيرا عن حرية العمل السياسي التي يكفلها الدستور.
واستدرك المتحدث عينه قائلا: إن هذه القراءة لا تعني اختزال جميع الانتقالات الحزبية في صورة سلبية، لأن الحياة الديمقراطية تقوم بطبيعتها على حرية الاختيار وتطور القناعات السياسية، وقد تفرض التحولات الداخلية للأحزاب أو الاختلاف حول الرؤى والبرامج أو غياب شروط الممارسة الديمقراطية داخل بعض التنظيمات مراجعة الانتماء السياسي.
وفي هذا السياق، أبرز محمد بنساسي أن ما تشهده الأقاليم الجنوبية اليوم يعكس دينامية سياسية مرتبطة بالاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بالنظر إلى المكانة الاستراتيجية التي تحتلها هذه الأقاليم في الخريطة الانتخابية الوطنية، مستدركا أنه ليس من الإنصاف وضع جميع الانتقالات الحزبية في سلة واحدة، لأن منها ما تفرضه تحولات حقيقية داخل الأحزاب أو اختلافات في الرؤى والبرامج، ومنها ما تحكمه اعتبارات انتخابية مرحلية، لافتا إلى أن الفيصل في تقييم هذه السلوكيات يبقى هو المواطن عبر صناديق الاقتراع.
وخلص عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال إلى أن الديمقراطية لا تقاس بعدد المنتقلين بين الأحزاب، وإنما بقدرة التنظيمات السياسية على إنتاج الثقة وتأطير المواطنين والمحافظة على مناضليها من خلال قوة المشروع السياسي وجودة الأداء واحترام المؤسسات الداخلية.
انحدار حزبي
بدوره، سجل دداي بيبوط، الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية بالعيون الساقية الحمراء، أن النقاش حول الترحال السياسي لا يمكن فصله عن طبيعة الممارسة الحزبية والديمقراطية بالمغرب.
وأوضح المستشار الجماعي بالعيون أن الحزب الديمقراطي لا يمكن أن يزدهر إلا داخل بيئة ديمقراطية تعددية، تضع فيها الدساتير والقوانين حدودا واضحة لاختصاصات الأحزاب وسلوك نخبها، وتنظم العلاقة بين مختلف السلط، سواء الحكومة أو البرلمان أو باقي المؤسسات، في ظل رقابة قضائية صارمة تمنع تغول أي سلطة على أخرى، وتضع ضوابط تكفل حماية الحياة السياسية من مظاهر “الميوعة” التي تسيء إلى الذوق العام وتفرغ العمل الحزبي من مضمونه.
وأبرز الباحث في الشؤون الصحراوية أن المغرب اختار منذ السنوات الأولى للاستقلال نظاما برلمانيا تعدديا، استجابة لخصوصياته التاريخية والاجتماعية، باعتباره بلدا عرف تعددية قبلية وسياسية حالت دون تكريس نموذج الحزب الوحيد الذي طبع تجارب عدد من الدول العربية والإفريقية بعد الاستقلال.
ولفت المتحدث عينه إلى أن هذه الدينامية كانت تعكس، في مراحلها الأولى، اختلافات فكرية حقيقية أكثر من كونها صراعات حول المواقع.
كما استحضر المصرح لهسبريس أن هذا التحول لم يعد يقتصر على تأسيس أحزاب جديدة عقب كل خلاف؛ بل انتقل إلى نمط آخر يقوم على الاحتفاظ بالأحزاب القائمة واستعمالها كأوعية لاستقبال المنتخبين والفاعلين السياسيين الذين يغيرون انتماءاتهم كلما ضاقت بهم ظروف الممارسة داخل تنظيماتهم، سواء عبر الاستقالة أو الطرد، مع السعي إلى تجاوز القيود القانونية المرتبطة بالمناصب الانتدابية والالتحاق بأحزاب أخرى استعدادا للاستحقاقات الانتخابية.
وتابع قائلا: إن الدفاع عن التعددية الحزبية لا يعني القبول بتحويلها إلى فضاء مفتوح للتنقلات غير المنضبطة؛ لأن التعددية الحقيقية تقوم على وضوح المرجعيات والالتزام السياسي، لا على تبديل الانتماءات تبعا للمصالح والرهانات الانتخابية الظرفية، مؤكدا أن حماية الحياة السياسية تستوجب احترام روح الدستور وقانون الأحزاب، إلى جانب ترسيخ أخلاقيات الممارسة السياسية.
منطق الأعيان
من زاوية أنثروبولوجية، قال زكرياء أقنوش، الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، إن عودة الترحال السياسي إلى واجهة النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، خاصة بالأقاليم الجنوبية، تعكس ديناميات سوسيو-أنثروبولوجية عميقة تحكم سلوك المنتخبين، وتتداخل فيها الامتدادات القبلية والمحلية مع المرجعية الدستورية والاجتهادات القضائية.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن الحزب لا يُنظر إليه باعتباره حاملا لمشروع سياسي أو إيديولوجي، وإنما كإطار قانوني ومؤسساتي يسمح للنخب المحلية والأعيان بولوج مراكز التدبير؛ بينما يظل الولاء الحقيقي موجها إلى البنية القبلية وشبكات المصالح أكثر من ارتباطه بالتنظيم الحزبي.
وأوضح الخبير في الأنثروبولوجيا السياسية أن القضاء الدستوري المغربي لم يكتف بالتفسير الحرفي للنصوص؛ بل طور اجتهادا قضائيا متكاملا يقوم على اعتبار المقعد الانتخابي ثمرة تعاقد يجمع الناخب والحزب والمنتخب، وهو ما جعل التجريد من العضوية وسيلة قانونية لحماية هذا التعاقد، وليس مجرد عقوبة زجرية في مواجهة المنتخب المترحل.
ونبه المحلل السياسي عينه إلى أن القضاء الإداري المغربي واكب هذه التحولات من خلال الانتقال من الاكتفاء بالشكل القانوني إلى اعتماد معيار “التخلي الفعلي والضمني” عن الحزب، معتبرا أن التصويت المتكرر ضد توجهاته أو الظهور العلني إلى جانب منافسيه أو طلب تزكية حزب آخر كلها قرائن مادية يمكن أن تؤسس للتجريد من العضوية.
ولفت أقنوش الانتباه إلى أن الترحال السياسي بالأقاليم الجنوبية يكشف عن مرحلة انتقالية يعيشها العقل الانتخابي المغربي، يحاول خلالها النسق القبلي التكيف مع الضوابط الدستورية والقانونية الجديدة، في ظل استمرار تأثير البنيات التقليدية في تشكيل السلوك السياسي.
الترحال السياسي بالصحراء .. الاستقطاب يخلط الأوراق ويختبر صرامة القانون Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الترحال السياسي بالصحراء الاستقطاب يخلط الأوراق ويختبر صرامة القانون
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الترحال السياسي بالصحراء الاستقطاب يخلط الأوراق ويختبر صرامة القانون قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الترحال السياسي بالصحراء .. الاستقطاب يخلط الأوراق ويختبر صرامة القانون.
في الموقع ايضا :