السيادة الاقتصادية ليست شعارًا… والتمويل الخارجي ليس تهمة ...تونس

اخبار عربية بواسطة : (جريدة الحرية التونسية) -

الكاتب : عبد الوهاب بن موسى — مهندس إعلامية وإطار بنكي 

  كلما أعلنت الدولة عن توقيع اتفاقية تمويل أو قرض خارجي، يتكرر المشهد نفسه: ترتفع الأصوات التي ترى في ذلك دليلاً على سقوط شعار “التعويل على الذات”، وكأن مجرد اللجوء إلى التمويل الخارجي يمثل اعترافًا بالفشل أو تنازلاً عن السيادة الوطنية.

هذه القراءة، رغم بساطتها وجاذبيتها الإعلامية، تعكس في الحقيقة خلطًا بين مفهومين مختلفين: السيادة الاقتصادية من جهة، والاعتماد على التمويل الخارجي من جهة أخرى. فالسيادة ليست مرادفًا للاكتفاء الذاتي المالي، كما أن الاقتراض ليس مرادفًا للتبعية.

 بين الخطاب والواقع

لا توجد اليوم دولة حديثة، مهما بلغت قوة اقتصادها، تعتمد حصريًا على مواردها الذاتية لتمويل جميع احتياجاتها. فالولايات المتحدة، واليابان، وفرنسا، وألمانيا، والصين، وغيرها من الاقتصادات الكبرى، تلجأ باستمرار إلى أدوات التمويل المحلية والخارجية، وتصدر السندات وتقترض لتمويل الاستثمار أو إدارة المالية العمومية. ولم يقل أحد إن هذه الدول فقدت سيادتها بسبب لجوئها إلى الاقتراض.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل اقترضت الدولة؟ وإنما: لماذا اقترضت؟ وبأي شروط؟ ولأي غاية؟

ليست كل القروض سواء

من الأخطاء الشائعة وضع جميع مصادر التمويل الخارجي في سلة واحدة. فهناك فرق كبير بين قرض استثماري يوجه إلى مشاريع إنتاجية، وتمويل مخصص لدعم ميزان المدفوعات، وخط ائتمان تجاري، وتمويل من مؤسسة مالية إقليمية، أو قرض مشروط بإصلاحات اقتصادية.

كما أن الفارق لا يكمن فقط في هوية المقرض، بل أيضًا في كلفة التمويل، وآجال السداد، وفترة الإمهال، والضمانات، والالتزامات المترتبة عنه. إن تقييم أي تمويل يجب أن يستند إلى هذه المعايير، لا إلى مجرد كونه “خارجيًا”.

التعويل على الذات… مفهوم يحتاج إلى تدقيق

التعويل على الذات لا يعني رفض التمويل الخارجي، وإنما يعني أن يكون الاقتصاد الوطني قادرًا على خلق الثروة، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، ورفع الادخار والاستثمار، بما يقلص تدريجيًا الحاجة إلى الاستدانة.

أما تحويل التعويل على الذات إلى شعار يقتضي الامتناع عن كل تمويل خارجي، فهو فهم أقرب إلى الاكتفاء الذاتي المغلق، وهو نموذج لم يعد قائمًا في أي اقتصاد معاصر. فالسيادة لا تعني الانغلاق، بل تعني حرية الاختيار.

أين يجب أن يكون النقاش؟

بدل الاكتفاء بإعلان قيمة القروض وإطلاق الأحكام النهائية، يجدر بالنقاش العام أن يركز على أسئلة أكثر أهمية وعمقًا:

* هل ستوجه هذه الأموال إلى الاستثمار أم إلى تغطية نفقات الاستهلاك؟

* هل ستساهم في خلق الثروة الحقيقية وفرص العمل؟

* هل ستعزز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني؟

* وهل سيكون الاقتصاد قادرًا على سدادها دون إثقال كاهل الأجيال القادمة؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تميز النقاش الاقتصادي الرصين والمسؤول عن السجال السياسي العقيم.

بين الشعبوية والموضوعية

من السهل سياسيًا تحويل كل قرض إلى عنوان للفشل، كما أنه من السهل أيضًا اعتبار كل تمويل إنجازًا في حد ذاته. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالتمويل الخارجي ليس نجاحًا مطلقًا، كما أنه ليس فشلًا مسبقًا.

إنه مجرد أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، تتحدد قيمتها بمدى حسن توظيفها، وبقدرة الدولة على تحويل الأموال المقترضة إلى استثمارات منتجة تعزز النمو، وتخلق الثروة، وتضمن سداد الالتزامات دون المساس باستقلال القرار الوطني.

إن السيادة الاقتصادية لا تُقاس بعدد القروض التي تحصل عليها الدولة، بل بقدرتها على اختيار شركائها، والتفاوض على أفضل الشروط، وتوجيه التمويل نحو مشاريع تحقق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

أما اختزال كل تمويل خارجي في كونه دليلاً على التخلي عن التعويل على الذات، فهو تبسيط مخل لا يساعد على فهم الواقع، ولا يثري النقاش العمومي، بقدر ما يغذّي الشعبوية الاقتصادية. فالاقتصادات تُدار بالأرقام والمؤشرات والاستراتيجيات، لا بالشعارات. والسيادة تُبنى بالإنتاج والاستثمار وحسن الحوكمة، قبل أن تُرفع في الخطب أو تُختزل في منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.

السيادة الاقتصادية ليست شعارًا… والتمويل الخارجي ليس تهمة first appeared on جريدة الحرية التونسية.

مشاهدة السيادة الاقتصادية ليست شعار ا hellip والتمويل الخارجي ليس تهمة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السيادة الاقتصادية ليست شعار ا والتمويل الخارجي ليس تهمة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريدة الحرية التونسية ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السيادة الاقتصادية ليست شعارًا… والتمويل الخارجي ليس تهمة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار