في زحمة التنافس الانتخابي، تفجّر جدل جديد حول دور مستشاري الملك محمد السادس، على إثر تصريحات للأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بنكيران، انتقد من خلالها نفوذ ذوي السلطة والمال على القرار السياسي، مشيرا بالاسم إلى اثنين من مستشاري الملك هما فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي.
وبالرغم من وضوح مضمون المواقف التي عبّر عنها بنكيران، إلا أن الجدل الإعلامي ركّز على اللغة التي عبّر بها عن مواقفه، وخصوصا لفظ “القندوح” الذي تلفظ به في معرض كلامه في مهرجان حزبي بمدينة الصويرة.
تصريحات بنكيران يبدو أنها أزعجت المستهدفين بها، ممن انبروا للرد عليه بتسفيه كلامه، خصوصا وأنها تعيد مرة أخرى إلى الواجهة سؤالا سياسيا ما فتئ يتكرر في عهد الملك محمد السادس، كلما اشتد التنافس السياسي أو برزت أزمة في تدبير العلاقة بين المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين.
لاحقا، بادر بنكيران إلى سحب الكلمة والاعتذار عنها، لكنه تشبث بالتحليل والمواقف التي عبّر عنها كاملة. اعتذار ربما يكشف عن حجم الضغوط التي تعرض لها الرجل، سواء من داخل حزبه أو من خارجه. ما يعني نجاح خصومه في نقل النقاش من مضمون المواقف التي عبّر عنها، إلى اللغة التي عبر بها، ومن سؤال النفوذ السياسي لبعض مستشاري الملك أو مقربين منه إلى سؤال اللياقة في الكلام/الخطاب.
غير أن اختزال الواقعة في بعدها اللغوي لا ينبغي أن يحجب سؤالا أكثر أهمية: هل يتعلق الأمر بزلة لسان معزولة، أم بامتداد لمسار سياسي وفكري ظل يميز خطاب بنكيران خلال صعوده السياسي؟ وهل كان انتقاد مستشاري الملك استثناء فرضته اللحظة الانتخابية الراهنة أم أنه يمثل أحد الثوابت في الخطاب السياسي لبنكيران منذ خروج فؤاد عالي الهمة إلى معترك العمل السياسي والحزبي سنة 2007؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها لأن النقاش لا يتعلق بشخص بنكيران وحده، ولا بعلاقة حزب العدالة والتنمية بمراكز السلطة، وإنما بطبيعة الحقل السياسي المغربي نفسه، وبحدود النقاش العمومي حول أدوار مستشاري الملك وقوى أخرى غير منتخبة داخل بنية السلطة.
فمنذ بداية تجربة التناوب السياسي بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، مرورا بحكومة بنكيران بعد دستور 2011، ظل موضوع مستشاري الملك يحضر بصورة متقطعة في الخطاب الحزبي والإعلامي وحتى الأكاديمي، كلما برزت تساؤلات حول صناعة القرار السياسي أو تدبير الانتخابات أو رسم التوازنات بين المؤسسات.
من هذه الزاوية تحديدا، لا يبدو الجدل الذي خلّفته تصريحات بنكيران حول “القناديح” شيئا جديدا، بقدر ما تعكس استمرارية لنقاش قديم يتجدد كلما تغيرت موازين القوى أو اقتربت البلاد من محطة انتخابية مفصلية. لذلك فإن فهم ما جرى يقتضي تجاوز الضجة التي صاحبت لفظة “القناديح”، والعودة إلى السياق السياسي الذي أنتجها، وإلى المسار الذي تشكلت داخله العلاقة المعقدة بين بنكيران ومحيط المؤسسة الملكية.
انتقاد محيط الملك.. ثابت في خطاب بنكيران
خلافاً لما قد توحي به ردود الفعل التي أعقبت تصريحات الصويرة، فإن انتقاد عبد الإله بنكيران لبعض الشخصيات النافذة في محيط الملك، وخصوصا فؤاد عالي الهمة، ليس بالأمر الجديد في خطابه السياسي، بل يمثل أحد أكثر عناصره ثباتا منذ انتخابه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية في سنة 2008 على الأقل. وهو الحدث الذي تزامن حينها مع استقالة الهمة من حكومة عباس الفاسي للترشح في انتخابات 2007، وهي الخطوة التي تلاها تأسيس “الحركة من أجل كل الديمقراطيين” ثم تأسيسه حزب الأصالة والمعاصرة في 2009، بهدف معلن حينها وهو مواجهة حزب العدالة والتنمية.
تميّزت تلك الفترة بالمواجهة الصريحة بين الرجلين، بلغت مستوى غير مسبوق عشية احتجاجات الربيع العربي، حين خاطب بنكيران الملك مباشرة في تجمع خطابي، يدعوه علانية إلى إبعاد الهمّة ومنير الماجدي.
غير أن بنكيران حرص باستمرار على التمييز بين المؤسسة الملكية باعتبارها مركز الشرعية الدستورية والدينية، وبين محيط الملك، المكون من مستشارين أو مقربين أو حتى أصدقاء. أي ما يمكن وصفه بشبكات نفوذ أو فاعلين غير منتخبين يمارسون تأثيرا قويا في الحياة السياسية والإدارية. هكذا، وبينما ركّز بنكيران على مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة قبل سنة 2011، انسجاما مع طبيعة المرحلة وحدود الخطاب السياسي آنذاك، أعاد تدقيق خطابه بعدما أصبح رئيسا للحكومة في 2012، عبر نحت مفاهيم وألفاظ جديدة دخلت القاموس السياسي المغربي حينها مثل “الصدر الأعظم” و”التماسيح والعفاريت” و”التحكم”.
وخلال رئاسته للحكومة ما بين 2012 حتى 2016، أصبح مفهوم “التحكم” محوريا في الخطاب السياسي لبنكيران. ولم يكن يقصد به مجرد هيمنة حزب منافس أو اختلال في قواعد التنافس الانتخابي، وإنما كان يشير إلى وجود مراكز تأثير غير منتخبة تتدخل في عمل حكومته، وفي عمل المجالس المنتخبة، بل وفي هندسة الخريطة الحزبية، وتؤثر في عمل المؤسسات، وتحد من استقلالية القرار السياسي والحزبي.
مع مرور الوقت، لم يعد الرجل يكتفي بالإشارة إلى هذه المراكز بصيغ عامة، بل أصبح يسمي بعض الشخصيات من داخل المؤسسات أو من خارجها، وفي مقدمتها فؤاد عالي الهمة وإلياس العماري وآخرين، مع التأكيد في كل مرة أن خلافه ليس مع الملك والملكية، وإنما مع من يعتبر أنهم يتجاوزون حدود أدوارهم الطبيعية داخل النظام السياسي.
ولعل أزمة “البلوكاج الحكومي” التي أعقبت انتخابات 2016 كانت أكثر اللحظات التي تجلت فيها هذه المقاربة بوضوح. فرغم حدة الأزمة، ظل بنكيران يرفض تحميل الملك مسؤولية تعثر تشكيل الحكومة، معتبرا أن أسباب الانسداد ترتبط بتدخلات سياسية خارج منطق التفاوض الحزبي، وأن الملك ينبغي أن يبقى فوق التجاذبات السياسية. ومنذ تلك المرحلة، ترسخت في خطابه معادلة تكاد تكون ثابتة: احترام المؤسسة الملكية من جهة، وانتقاد بعض الفاعلين المحيطين بها من جهة ثانية.
لهذا، فإن الجدل الذي رافق تصريحاته الأخيرة بسبب كلمة “قندوح” لا يتعلق بأصل الفكرة أو الموقف، لأنها حاضرة في خطابه منذ سنوات طويلة، وإنما يتعلق بانتقاله من النقد السياسي التقليدي إلى استعمال لغة شعبية ساخرة حملت دلالات قدحية في نظر خصومه، الأمر الذي غطى على النقاش السياسي الذي كان يريد إثارته، ودفعه لاحقا إلى الاعتذار عن العبارة دون أن يتراجع عن مضمون موقفه السياسي.
التدقيق في مضمون بلاغ الاعتذار يكشف أنه كان اعتذارا لغويا فقط أكثر منه تراجعا عن موقف سياسي. فقد سحب الرجل لفظة “قندوح” واعتذر عنها صراحة، لكنه في المقابل تمسك بجميع الأفكار التي تضمنها خطابه في مدينة الصويرة، وهو ما يعني أن الاعتذار انصرف إلى اللغة التي عبّر بها، ولم يمس جوهر الرسالة التي أراد تبليغها لكل من يهمه الأمر.
وهذا التمييز ليس جزئية ثانوية، بل يمثل مفتاحا لفهم الواقعة. ففي التجربة السياسية المغربية، كثيرا ما تتحول اللغة إلى موضوع للنقاش على حساب القضايا التي أريد لها أن تكون موضوع النقاش السياسي. لذلك لم يكن مستغربا أن تتركز ردود الفعل على العبارة المستعملة أكثر مما تركزت على السؤال الذي أعادت طرحه، وهو: ما حدود الدور الذي يمارسه مستشارو الملك في الحياة السياسية المغربية؟
من هذه الزاوية، فإن عبارة “القناديح” لم تكن سوى حاملا لغويا حمل نقاشا أقدم بكثير من الواقعة نفسها. فبنكيران لم يبتدع موضوع مستشاري الملك، ولم يكن أول من أثار مسألة تأثيرهم في الحياة السياسية، لأن الموضوع قديم. الجديد هو أن هذا النقاش خرج هذه المرة في صيغة شعبية ساخرة، ربما أعمق من لغة الحيوانات (التماسيح، العفاريت…) الأمر الذي سهّل تحويله من نقاش حول بنية السلطة إلى سجال حول لغة الخطاب السياسي.
غير أن هذا التحول لا ينبغي أن يحجب حقيقة أساسية، وهي أن بنكيران ظل، منذ أكثر من عقدين، وفياً لمعادلة سياسية واحدة: الفصل بين المؤسسة الملكية وبين بعض الشخصيات المحيطة بها. فهو لا يقدم نفسه في مواجهة الملك، بل في مواجهة ما يعتبره مراكز نفوذ غير منتخبة تمارس تأثيرا في الحياة السياسية باسم قربها من مركز القرار. ولهذا لم يكن اعتذاره تراجعاً عن هذا التصور، وإنما محاولة لفصل المضمون عن الأسلوب، والحيلولة دون أن تتحول كلمة واحدة إلى سبب لإغلاق نقاش سياسي جدي.
هنا تبرز القضية الأكثر أهمية، والتي يتجاوز أثرها الجدل الحالي، خصوصا في عهد الملك محمد السادس مقارنة بعهد والده مثلا، وربما يرجع ذلك إلى أن ادريس البصري غطى على دور مستشاري الملك الراحل آنذاك.
مضمون القضية محور نقاش بنكيران وجزء من الطبقة السياسية المغربية دائما تتمثل في المفارقة التالية: يحتل مستشارو الملك مثل الهمّة وغيره موقعا فريدا داخل النظام السياسي المغربي؛ فهم من أكثر الفاعلين تأثيرا في المجال العام، وفي الوقت نفسه هم من أقل المؤسسات تنظيما من الناحية الدستورية والقانونية.
وعلى سبيل التوضيح، فدستور 2011، كما الدساتير التي سبقته، وعلى خلاف ما هو معمول به بالنسبة للحكومة أو البرلمان أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا ينظم مؤسسة مستشاري الملك تنظيما مستقلا، ولا يحدد اختصاصاتهم أو طرق تعيينهم أو مسؤولياتهم. ومن ثم، فإن تأثيرهم السياسي الملموس لا يستند إلى اختصاص دستوري مباشر، وإنما إلى موقعهم الخاص داخل المؤسسة الملكية، ومن قربهم من الملك.
ومن زاوية دستورية، نحن إزاء وضعية تتطلب التمييز بين الاختصاص والنفوذ؛ فالاختصاص هو السلطة التي يمنحها الدستور أو القانون لمؤسسة أو مسؤول معين، ويحدد حدود ممارستها وآليات مساءلتها. أما النفوذ فهو القدرة على التأثير في القرار أو في الفاعلين السياسيين دون أن يقترن ذلك بسلطة قانونية مستقلة. وعليه، لا يمكن القول إن مستشاري الملك يمارسون اختصاصات دستورية خاصة، لأن الدستور لا يمنحهم سلطات تقريرية مستقلة. لكن من الصعب إنكار أنهم يتمتعون بنفوذ سياسي وإداري ودبلوماسي قوي، بحكم قربهم من الملك، ومشاركتهم في تدبير ملفات استراتيجية، وقيام بعضهم بأدوار الوساطة السياسية أو الدبلوماسية وغيرها، وهو أمر تؤكده أدوار هؤلاء، وشهادات السياسيين.
وقد تناول عدد من الباحثين المغاربة والأجانب هذه المسألة عند تحليلهم لتطور النظام السياسي المغربي. فبينما يرى بعضهم أن اتساع أدوار المستشارين يعكس الطبيعة التنفيذية للمؤسسة الملكية واتساع مجالات تدخلها، يعتبر آخرون أن بروز فاعلين غير منتخبين في تدبير ملفات سياسية وحزبية ودبلوماسية يثير أسئلة مشروعة حول حدود المسؤولية السياسية وآليات المحاسبة داخل دولة يفترض أنها دولة دستور وقانون.
المستشار الملكي.. فاعلا سياسيا
لا يمكن فهم عودة الجدل حول دور مستشاري الملك بمعزل عن طبيعة النظام السياسي المغربي نفسه. فكلما عرف الحقل الحزبي حالة استقطاب، أو برزت أزمة حكومية، أو اقتربت البلاد من استحقاقات انتخابية، عاد الحديث عن دور الفاعلين غير المنتخبين الذين يعتقد جزء من الطبقة السياسية أنهم يمارسون تأثيرا مباشرا في إعادة تشكيل التوازنات الحزبية والانتخابية، وربما رسم الخريطة السياسية من وراء حجاب.
وليس بنكيران وحده من أثار هذه القضية. فقد حضرت، بدرجات متفاوتة، في كتابات عدد من الباحثين، كما ظهرت في تصريحات مسؤولين حزبيين من اتجاهات مختلفة، وإن اختلفت اللغة والسياقات. ولذلك فإن تحويل المسألة إلى خلاف شخصي بين بنكيران وبعض المستشارين يحجب بعدها البنيوي، باعتبارها جزءا من نقاش أوسع حول توزيع النفوذ داخل النظام السياسي، وحدود التداخل بين المؤسسات الدستورية والفاعلين غير المنتخبين.
وإذا كان بنكيران قد اختار أن يعبر عن هذا الموقف بلغة شعبية ساخرة (القندوح)، فإن السؤال الذي أثاره يظل قائما، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه: كيف يمكن التوفيق بين اتساع النفوذ السياسي لبعض الفاعلين غير المنتخبين، وبين متطلبات الاختيار الديمقراطي ومنطق دولة الحق والقانون؟
بعبارة أخرى، ما جدوى التعددية والانتخابات والدستور والمؤسسات إذا كانت مراكز نفوذ غير مرئية تستطيع أن تقرر كيفما تشاء دون أن تُحاسب وتُساءل؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي كاد أن يختفي وسط الضجة التي أثارتها كلمة “قندوح”.
وعليه،إذا كان الجدل الذي أثارته تصريحات بنكيران قد أعاد مستشاري الملك إلى واجهة النقاش العمومي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز الواقعة الظرفية ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المكانة التي يحتلها هؤلاء داخل النظام السياسي المغربي. فهل لا يزال المستشار مجرد خبير يقدم الرأي لرئيس الدولة، أي الملك، أم أن التحولات التي عرفها النظام السياسي خصوصا في عهد الملك محمد السادس قد جعلت منه فاعلا سياسيا يمارس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أدوارا تتجاوز وظيفة الاستشارة كما رسم معالمها عبد الهادي بوطالب مثلا في مذكراته؟
في الأنظمة الدستورية المقارنة، تعد وظيفة المستشار امتدادا طبيعياً لعمل رئيس الدولة أو رئيس الحكومة. فالمستشار لا يمتلك اختصاصا دستوريا مستقلا، وإنما يساعد صاحب القرار في إعداد الملفات، وصياغة الخيارات، وتقديم الخبرة التقنية والسياسية. ولذلك لا ينظر إليه بوصفه مؤسسة قائمة بذاتها، وإنما باعتباره جزءا من الجهاز المساعد لرئيس الدولة.
غير أن الحالة المغربية تثير نقاشا مختلفا. فمنذ بداية حكم الملك محمد السادس، اتجه عدد من الباحثين إلى الحديث عن اتساع الحضور العمومي لبعض المستشارين، ليس فقط من خلال مواكبة الملفات الاستراتيجية، وإنما من خلال القيام بأدوار الوساطة السياسية، والمشاركة في تدبير أزمات حزبية، وقيادة مبادرات دبلوماسية، وحضورهم في ملفات اقتصادية ومؤسساتية كبرى.
في الأدبيات السياسية حول هذا الموضوع، جرت إثارة السؤال من زاوية العلاقة بين السلطة الرسمية والسلطة غير الرسمية داخل النظام السياسي المغربي، وإن اختلفت زوايا المعالجة لهذه المسألة من باحث إلى آخر.
وإذا كان عهد الملك الراحل الحسن الثاني تميز بنفوذ شخصيات لها سلطة وصلاحيات دستورية وقانونية بحكم المسؤوليات العسكرية أو الأمنية التي تقلدوها في الدولة (أوفقير، الدليمي، البصري)، ما جعل الدور السياسي لمستشاري الملك محدودا مقارنة بنفوذ العسكريين والأمنيين في عهده؛ فإن عهد الملك محمد السادس تميز بالنفوذ الأوسع لمستشاري الملك، وخصوصا فؤاد عالي الهمة، الذي يكاد اسمه يرتبط بكل المبادرات السياسية الكبرى (الإنصاف والمصالحة، حزب الأصالة والمعاصرة،…) ، إلى حدّ جعلت الأستاذ الجامعي مصطفى اليحياوي يعتبره جزءا من الدولة العميقة في المغرب، في حين وصفه بعضهم بـ”نائب الملك”، ولو أن هذا المنصب غير موجود في التقاليد المؤسساتية المغربية.
من هذه الزاوية، يبدو أن الجدل الذي أثاره بنكيران لا يتعلق بوجود المستشارين في حد ذاته، وإنما بحدود النفوذ الذي يمارسه بعضهم. ومن تم فهو لا ينازع في مشروعية وجودهم إلى جانب الملك، وإنما يثير سؤالا سياسيا يتعلق بما إذا كان بعضهم قد تحول إلى فاعل سياسي مؤثر في المجال الحزبي والانتخابي والإداري، وهي فرضية لا نعثر على جواب لها في النصوص الدستورية والقانونية، وإنما موضوعا للتقدير السياسي والبحث الأكاديمي.
هنا يبرز اختلاف جوهري بين القراءة السياسية التي يقدمها بنكيران والقراءة الدستورية التي يتبناها عدد من الباحثين. فبنكيران لا يشكك في بنية النظام الدستوري، بل يقدم الملك باعتباره الضامن للتوازن بين الفاعلين، وهذا كرّره دائما وأعاد التأكيد عليه في خطابه بمدينة الصويرة، لكنه يرى أن الإشكال يكمن في تغول بعض مراكز النفوذ المحيطة بالملك، وخروجهم عن مبدأ الحياد الواجب في حق الملك إزاء شعبه بمختلف مكوناته.
أما القراءة الدستورية التي يتبناها البعض الآخر، فتؤكد أن اتساع أدوار الفاعلين غير المنتخبين يطرح، في حد ذاته، أسئلة تتعلق بالشفافية، والمسؤولية السياسية، وحدود ممارسة السلطة داخل الدولة الدستورية، بصرف النظر عن الأشخاص الذين يشغلون هذه المواقع، ولعل الانتقادات التي يوجهها محمد الساسي تندرج في هذا الإطار.
ولعل هذا التمييز يفسر جانبا كبيرا من الجدل الذي يتكرر كلما عاد الحديث عن مستشاري الملك. فالنقاش، في جوهره، ليس نقاشا حول الأشخاص، مهما كانت خلفياتهم وانحيازاتهم الذاتية أو الموضوعية، وإنما حول طبيعة السلطة في النظام السياسي المغربي، وكيفية التوفيق بين مركزية الملك ومكانته، واتساع أدوار المحيطين به من مستشارين ومسؤولين غير منتخبين، وما تقتضيه متطلبات المساءلة والمحاسبة التي تقتضيها الدولة الدستورية الحديثة.
خلاصة القول أن الجدل حول لفظ “القناديح” ليست سوى الحلقة الأخيرة في نقاش بدأ منذ سنوات حول مكانة الفاعلين غير المنتخبين داخل النظام السياسي المغربي. وإذا كان بنكيران قد أخطأ في اختيار العبارة، فإن الخطأ اللغوي لا يلغي مشروعية النقاش السياسي حول حدود نفوذ مستشاري الملك داخل الدولة.
فالدول لا تتقدم بإغلاق الأسئلة وتسفيه من يطرحها، وإنما بتنظيمها داخل فضاء عمومي يحترم المؤسسات، وفي الوقت نفسه لا يحول دون مساءلة أدوار الفاعلين المؤثرين في صناعة القرار.
ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحا ليس: بأي لغة يجوز أو لا يجوز الحديث عن مستشاري الملك؟ وإنما كيف يمكننا القول إننا إزاء نظام سياسي يحترم القانون والدستور والمؤسسات، بينما يسمح لفاعلين غير مرئيين، مستشارين للملك أو غيرهم، ممارسة نفوذ أكبر من الدستور والمؤسسات؟
بنكيران و”القناديح” صوت المغرب.
مشاهدة بنكيران و rdquo القناديح rdquo
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بنكيران و القناديح قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بنكيران و”القناديح”.
في الموقع ايضا :