المخرج ستيفن سبيلبرغ يعود إلى طرح الأسئلة الكبرى في "يوم الكشف" ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ومنذ لحظاته الأولى، لا يتعامل فيلم “يوم الكشف” مع فكرة الكائنات القادمة من المجهول بوصفها حدثًا استثنائيًا أو مغامرة خيالية عابرة، ولكنه يحولها إلى امتحان روحي وأخلاقي للإنسان المعاصر. فالمكاشفة هنا ليست كشفًا لأسرار مخبأة في أرشيفات الحكومات، وإنما كشف لما يختبئ في أعماق النفوس من ارتباك وهشاشة وعجز عن التصالح مع المختلف. وكأن الفيلم يهمس لنا بأن أكثر المسافات رهبة ليست تلك الفاصلة بين الأرض والنجوم، ولكنها تلك التي تفصل الإنسان عن الحقيقة حين تأتيه عارية من كل أوهامه.

وهكذا يتحول فيلم “يوم الكشف” إلى مرثية رقيقة ليقين الإنسان القديم، وإلى قصيدة سينمائية عن الكائن الذي يقف بين الرغبة في المعرفة والخوف منها، بين واجب الحقيقة وإغراء الصمت، بين غريزة النجاة وحلم التحرر. ومن قلب هذا التمزق العميق، تولد رباعيات الفيلم الكبرى؛ الخوف والرغبة والنجاة والواجب، لا بوصفها أفكارًا مجردة، ولكن باعتبارها القوى الخفية التي تشكل مصير الإنسان منذ أن رفع عينيه لأول مرة نحو السماء وسأل، ببراءة وقلق معًا: من نكون في هذا الاتساع الهائل؟ ومن سيكشف لنا حقيقة أنفسنا قبل أن يكشف لنا حقيقة النجوم؟

وتحكي القصة عن عالم يقف على حافة حدث غير مسبوق، بعد تسرب معلومات ووثائق سرية تشير إلى أن الحكومات الكبرى أخفت لعقود أدلة على وجود حياة ذكية خارج الأرض. وفي قلب هذه العاصفة، يقف دانيال كلنر (جوش أوكونور)، الرجل الذي يقرر كشف الحقيقة مهما كان الثمن، فيما تجد مذيعة الأرصاد الجوية مارغريت فيرتشايلد (إيميلي بلانت) نفسها منخرطة في سلسلة من الظواهر الغامضة التي تقودها إلى مواجهة ما يفوق حدود الفهم البشري.

ويشبه فيلم “يوم الكشف” من هذه الزاوية امتدادًا روحيًا لأفلام سبيلبرغ الكبرى. فهو يستعيد دهشة “لقاءات قريبة من النوع الثالث”، وحنان “إي. تي”، وقلق “حرب العوالم”، لكنه يضيف إليها نبرة أكثر تشاؤمًا وتأملًا. إنه فيلم عن الحقيقة أكثر مما هو فيلم عن الفضاء، وعن الإنسان أكثر مما هو عن الغرباء القادمين من النجوم، وكأن سبيلبرغ في سنواته الأخيرة لا يبحث عن إجابة نهائية بقدر ما يبحث عن سؤال أكثر جمالًا واتساعًا.

لحظات الانتظار وسؤال الدهشة

وفي فيلم “يوم الكشف”، لا يصنع المخرج سبيلبيرغ جمالياته من الانفجارات أو المعارك أو الاستعراض البصري الخالص، ولكنه يصنعها من لحظات انتظار طويلة، ومن صمت يسبق الكلمات، ومن نظرات بشرية ترتجف أمام ما يتجاوز حدود الإدراك. وكأن الفيلم كله قائم على فكرة أن أعظم الأحداث في التاريخ لا تبدأ بالضجيج، وإنما بالدهشة.

ثم يأتي مشهد دانيال كلنر وهو يقف في غرفة معتمة، محاطًا بالوثائق والملفات السرية التي أمضى سنوات في جمعها. والمشهد كله مشبع بالظلال. الضوء الوحيد يأتي من شاشة حاسوبه. وهنا، لا يبدو الرجل بطلاً، وإنما ناسكًا معاصرًا يفتش في أرشيف الخوف البشري. وعندما يسأله أحد مساعديه إن كان مستعدًا لما سيحدث بعد النشر، يجيبه: “الحقيقة لا تطلب منا أن نكون مستعدين… إنها فقط تصل.”

ومن بين أجمل مشاهد الفيلم، ذلك المشهد الذي يسبق البث العالمي بدقائق، حيث يحدق ملايين البشر في الشاشات. وتبدو مدن كاملة وكأنها توقفت عن التنفس، كل شيء متوقف، السيارات متوقفة، والمطارات شبه خالية، والمقاهي صامتة، وحتى الأطفال يرفعون رؤوسهم نحو السماء دون أن يعرفوا لماذا.

ويسأل الطفل: “هل جئت من بعيد؟”. فيأتيه الجواب: “أبعد مما تتخيل… وأقرب مما تعتقد.”

أما المشهد الذي سيبقى طويلًا في ذاكرة عشاق السينما، فهو لحظة الظهور النهائي أثناء البث العالمي. فلا يختار سبيلبيرغ مشهدًا صاخبًا أو احتفاليًا، ولكنه يجعل العالم كله يواجه الصمت أولًا، صمتًا كثيفًا وثقيلًا يشبه الصمت الذي يسبق الولادة أو الموت. ثم يظهر الكائن أخيرًا وسط الضوء. وفي تلك اللحظة، لا نسمع موسيقى تقريبًا. لا شيء سوى أنفاس البشر. وحين ينطق الكائن كلمته الوحيدة: “Genesis.” (البداية).

غير أن المشهد الأشد تأثيرًا لا يأتي في النهاية، وإنما بعدها مباشرة. وهو مشهد وجوه البشر وهم ينظرون إلى بعضهم بعضًا. لا أحد يعرف ماذا يقول. لا أحد يعرف كيف يفسر ما حدث. للمرة الأولى، يبدو أن الإنسانية كلها تشترك في الشعور نفسه: الخوف نفسه، والدهشة نفسها، والهشاشة نفسها.

لهذا، لا تنتهي المشاهد الجمالية في فيلم “يوم الكشف” عند حدود الصورة. إنها تستمر داخل المشاهد بعد خروج الضوء من الشاشة. تظل تلاحقه كأسئلة معلقة في الهواء: ماذا لو كانت الحقيقة أكبر من قدرتنا على فهمها؟ وماذا لو كان الغريب الذي نخشاه يحمل إلينا فرصة لفهم أنفسنا؟ وماذا لو كانت أعظم رحلة في الكون ليست السفر إلى النجوم، ولكنها العودة إلى إنسانيتنا المفقودة؟

رباعيات التمزق

في فيلم “يوم الكشف”، لا يظهر البطل كما اعتادت السينما الأمريكية أن تقدمه؛ لا رجلًا خارقًا يركض لإنقاذ العالم في اللحظة الأخيرة، ولا محاربًا يمتلك القوة الكافية لسحق خصومه، ولا شخصية كاريزمية تُعيد ترتيب الفوضى بضربة واحدة من الإرادة. وهنا، يقترح ستيفن سبيلبيرغ صورة أخرى للبطل؛ صورة إنسان هشّ يقف أمام اتساع الكون، كما يقف طفل على حافة محيط لا يرى نهايته.

وفي هذا المعنى، يتحول البطل إلى ضمير. ويصبح أشبه بذلك الصوت الخافت الذي يرفض أن يصمت رغم الضجيج الهائل الذي تصنعه السلطة. إنه شخصية تعرف مسبقًا أن الحقيقة لن تمنحه المجد، وإنما ستجر عليه العزلة والخسارة وربما الفناء. ومع ذلك، تستمر في السير نحوها، كما يسير العاشق نحو قدره المحتوم.

ومن جهة أخرى، تقدم مارغريت فيرتشايلد نموذجًا مختلفًا للبطولة. إنها ليست بطلة الحدث بقدر ما هي بطلة الإدراك. وتعيش شخصيتها رحلة داخلية بطيئة تشبه نمو الضوء داخل غرفة مظلمة. وتبدأ كامرأة عادية تؤدي عملها اليومي، ثم تجد نفسها أمام حقيقة تتجاوز حدود الفهم البشري. وهنا، تتحول البطولة إلى قدرة على التقبل، وقدرة على استقبال الغريب دون كراهية، وعلى الإصغاء إلى المختلف دون خوف.

لهذا، يبدو الفيلم، في جوهره العميق، حكاية عن الغريب أكثر مما هو حكاية عن الفضاء. ولا تمثل الكائنات القادمة من المجهول سوى مرآة تعكس علاقتنا بالآخر. فكل خوف نكنّه لها، هو في الحقيقة خوف من أنفسنا. وكل محاولة لعزلها أو إقصائها، ليست سوى إعادة إنتاج لتاريخ طويل من رفض المختلفين والمهمشين والغرباء.

وتشارك الكاميرا نفسها في بناء هذه الصورة. فهي لا تُحيط أبطالها بهالة المنتصرين، بقدر ما تتركهم صغارًا أمام السماء، ضائعين وسط المسافات الشاسعة، كأنها تقول إن البطولة ليست السيطرة على الكون، ولكنها الاعتراف بضآلتنا داخله. وفي كثير من المشاهد، يبدو الإنسان مجرد نقطة عابرة في فضاء لا نهائي، ومع ذلك يمتلك شجاعة مذهلة لمواصلة طرح الأسئلة.

وفي النهاية، يتركنا فيلم “يوم الكشف” أمام صورة بطل نادرة في السينما المعاصرة: بطل لا ينتصر على أحد سوى خوفه، ولا يواجه وحشًا سوى جهله، ولا يبحث عن مجد شخصي بقدر ما يبحث عن لحظة صدق. وهنا تكمن قوة الفيلم الحقيقية؛ في تحويل البطولة من استعراض للقوة إلى تمرين شاق على الإنسانية، ومن معركة ضد الآخر إلى مصالحة مؤلمة معه، ومن سؤال عن الكائنات القادمة من السماء إلى سؤال أعمق بكثير: هل نستحق نحن، سكان الأرض، أن نُعرَف حقًا؟

المخرج ستيفن سبيلبرغ يعود إلى طرح الأسئلة الكبرى في "يوم الكشف" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة المخرج ستيفن سبيلبرغ يعود إلى طرح الأسئلة الكبرى في يوم الكشف

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المخرج ستيفن سبيلبرغ يعود إلى طرح الأسئلة الكبرى في يوم الكشف قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المخرج ستيفن سبيلبرغ يعود إلى طرح الأسئلة الكبرى في "يوم الكشف".

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار