في الشمال البعيد حيث تنخفض الأصوات ويعلو صدى الفراغ، تستلقي القريات ككائن قديم يعرف كيف يخفي تضاريسه المتباينة. فإلى جانب ظلال أشجار الزيتون العتيقة والخزامى والأودية تجد في الجهة الأخرى ساحات ترابية وحراتٍ بركانية. ومن هذا التشكيل خرج الدكتور سعد البازعي ابناً حقيقياً لهذا التكوين المركب، وكأن القريات كانت تعد بصمتٍ طويل نماذجها الإنسانية الخاصة بها. فهو يحمل في وعيه اتساع الأرض وفي أسئلته ذلك القلق العميق الذي يشبه الحرات القديمة وهي تخبئ نارها تحت السكون وتحفظ داخل صمتها المهيب تاريخاً من الاشتعال والاضطراب والقلق. ومن المدهش أن الأثر الأول للدكتور سعد البازعي لم يبدأ من مؤسسة أكاديمية، ولا منابر ثقافية ولا من ضجيج المشهد الثقافي بل صنعته مكتبة أخٍ آمن. صفحات وأرفف طوت براءته وتخلَّق بداخله قلقاً أكثر اتساعاً ووحشة حتى غدا هو نفسه نصاً طويلًا من الأسئلة ومرآة قلِقة لعصرٍ كامل! لا تبدو المكتبة بريئة مما حدث فانتقاله بين أرفف متفرقة حولت القراءة من أثر شخصي إلى مشروع تأويلي، ومن فضول معرفي إلى جهاز نقدي يعيد تنظيم العلاقة بين النص والعالم، وبين الثقافة وسؤالها الأوسع. فتشكلت هنا الذاكرة الأولى لوعي طفل سيصبح لاحقاً أحد أبرز أصوات النقد العربي. وللمطلع على انتاج وكتب الدكتور البازعي سيلحظ علامة واضحة في مشروعه يتمثل في نزوعه الدائم الى مساءلة البداهات التي تبدو أخلاقياً أو ثقافياً مستقرة فقد جعلته الغربة أيضاً أكثر شكاً في اليقينيات الكبرى؟ وفي هذا السياق تتجاوز أهمية تجربته حدود الإنجاز الفردي إلى كونه تمثيلاً رصيناً لصورة المثقف السعودي في فضاء المعرفة العربية والعالمية.
بدايةً: الابتعاث “مسافة غيرت وعي”
هل شعرت أن البعثة لم تكن انتقالاً جغرافياً بقدر ما كان اقتلاعاً هادئاً من طمأنينة فكرية كاملة. وما أول مفهوم فقد براءته هناك؟ كانت البعثة بكل تأكيد إرباكاً لحياة ثقافية لا أقول هادئة مطمئنة ولكن أكثر انسجاماً مع واقعها. أما أول مفهوم فقد براءته هناك فهو المفهوم الديني: معرفة الآخر والشعور بأن الذات ليست متفوقة أو أفضل من غيرها بالضرورة.
في مؤلفاته:
–كيف يمكن قراءة المشروع النقدي لدى سعد البازعي من البدايات التأسيسية إلى أعمالك اللاحقة هل كان تمرينًا على “تعريب المركز” أم محاولة لقلبه من الداخل؟ وهل كان مسارك تصاعداً طبيعياً أم مناورة واعية لبناء سلطة نقدية عبر الترجمة ثم تجاوزها؟ المشروع النقدي لدي يسعى إلى تأصيل روح النقد للذات وللآخر في محاولة لتجسير الفجوات. وهو أيضاً مسعى لأن تستعيد الذات اعتزازها بنفسها دون الغرق في نرجسية ثقافية. وأظن أن المسار كان تصاعداً طبيعياً جاءت الترجمة امتداداً له أو امتداداً للتأليف نفسه، فاختيار الأعمال كان بناء على ذات الأسس التي حركت البحث والكتابة. لك العديد من الاصدارات النقدية والكثير من الكتب والدراسات والترجمات والأبحاث “مرحلة التوقف أو الخوف من عقم الانتاج” هل ينتاب فطاحلة النقد واباطرته؟ نعم، أرى أن الخوف حالة طبيعية تنتاب الإنسان، بل إن غياب ذلك الخوف يمكن النظر إليه على أنه لون من السذاجة التي تدل على غياب روح النقد، لأنه ينم عن ثقة مفرطة في الذات تتنافى مع محدودية القدرات الإنسانية وواقع الحياة وكذلك تحديات الظروف المحيطة.
هناك من رأى أن كتاب “المكون اليهودي” يقترب من الموضوع ببرودة معرفية في منطقة ماتزال مشتعلة تاريخياً. قبل كتابته هل كنت مدركاً أنك لا تدخل إلى حقل معرفي فقط بل إلى منطقة يعاد فيها تفسير النوايا قبل الأفكار؟ تأسس الكتاب على الوعي بأن الطريق مليء بالألغام، وقلت ذلك في مقدمة الكتاب بل في مقدمة المقدمة. قلت إن من الصعب أن يكتب الإنسان عمن يحبهم وعمن يكرههم لأنه في الحالين مطارد بسوء القراءة والفهم بمعنى أنه معرض لأن يسيء الفهم نتيجة الموقف العاطفي المترتب بالنسبة لي على الكتابة عن اليهود.
في كتاب “عبقريا عصرهما “هل كنتم تستحضرون شخصيتين تاريخيتين أم كنتم تصدرون لائحة اتهام كاملة ضد انحدار العقل العربي؟ ترجمتي لكتاب “عبقريا عصرهما” جاءت نتيجة لعدة دوافع من أهمها شعوري بأننا نعيش لحظة تاريخية تحتاج إلى ترسيخ الثقة بالذات وقدرتها على المشاركة الحضارية باستحضار تلكما الشخصيتين. ولا شك أن ذلك المسعى كان مسكوناً بالقلق على ما وصلت إليه حالة العالم العربي الإسلامي. كون الكتاب من تأليف باحث غربي كان دافعاً آخر لأنه بمثابة شهادة لقدرات العقل العربي الإسلامي على الإبداع.
ما لذي يجعلنا نقدس أسماء مثل ابن سينا، بينما نخاف من ممارسة منهجه القائم على الشك والسؤال والتجاوز؟ لا أؤيد تقديس الأسماء سواء كان ابن سينا أو غيره، ولا أوافق على أن منهج ابن سينا قائم على الشك والسؤال والتجاوز. كان فيه شيء من ذلك لكن المعروف عنه أنه كان معظم حياته يرى أرسطو مثالاً أعلى ويحاول السير على منواله. ومع أنه شك في المنطق اليوناني أواخر حياته وسعى إلى استبداله بما سماه منطق المشرقيين، فإني بصفة عامة لم أترجم الكتاب إعجاباً بكل منجز ابن سينا على أهميته وتفوقه، وإنما لأنه في المجمل منجز جدير بالتقدير ورمز لقدرات العقل الآسيوي على التفوق.
ترجماته:
–كيف تحدد موقفك من ثنائية التدجين والتغريب عند نقل النصوص النقدية أو الأدبية! هل تحاول إعادة تشكيل النص داخل أفق ثقافي عربي أم أنك تحافظ على “غرابته” الأصلية؟ ترجمتي مراوحة بين قطبي التدجين والمحافظة على غرابة الأصل، ذلك أن التدجين يعني إلغاء للاختلاف، بينما الحفاظ على الغرابة وحدها تعني إهمال القارئ الذي لن يقرأ لغة عربية يفهمها. لابد للترجمة من الموازنة قدر الإمكان بين ذينك القطبين.
“حين تتصارع المناهج من يملك المعنى؟” الجذر الفلسفي لاشتباك المرجعيات
–يصف بعض النقاد أسلوبك في النقد بأنه “يرتب الانفجارات الفكرية” بطريقة منهجية بينما يرى آخرون أن التحليل يجب أن يفجّر الحدود. كيف ترى هذا التباين؟ وكيف تقيّم تأثير هذا على الجمهور هل عزز من فهم النقد بشكل أعمق أم أن بعضهم ضاع بين “الانفجار والفهم المنظم”؟ للمنهج حضوره دون شك في ما كتبت وأكتب، لكني لا أراه حضوراً صارماً. منهجيتي جزء من تربيتي الأكاديمية، ما تعلمته طالباً في مراحل الدراسة الجامعية والعليا، وأنا ممن يؤمنون بتأثير التنظيم المنهجي خوفاً من فوضى التفكير والتناول. ومع ذلك لم أكن يوماً متبنياً لمنهج أو نظرية محددة. لم أقل يوماً بأنني بنيوي أو تفكيكي أو متبنياً لنقد ثقافي أو نفسي أو غير ذلك، ولا أظن في ما كتبت ما يشير إلى مثل ذلك النزوع. فإن كان ثمة نزوع فهو لترتيب الأفكار. صحيح أن لذلك أثره على ما تسميه “الانفجارات الفكرية” لكنه أيضاً مسؤول عن ولادة بعض تلك الانفجارات، ثم إن البديل هي فوضى سواء في توليد الأفكار أو في عرضها بطريقة تمكن القارئ من الفهم.
-هل كنت ستتمكن من تقديم تحليلك بنفس القوة أم أن فوضى الغذامي كانت الوقود الأساسي لترتيبك البنيوي؟
لست من يفترض أن يجيب على هذا السؤال. أعتقد أن القارئ أقدر على تقدير علاقتي بالآخرين وأثر أطروحاتهم على تفكيري. كتابي “استقبال الآخر” كان مدفوعاً ليس بفوضى النقد العربي الحديث بصورة عامة وإنما بتعجل الكثير من أصواته على تبني مناهج غربية بصورة غير ناضجة. كثير من النقاد العرب منظمون وممنهجون لكنهم تائهون في محاولات التعلق بالركب الغربي دون كبير التفات إلى الاختلاف الثقافي في الأدب العربي وتأبيه على التطبيقات المتعجلة لكل نظرية جديدة.
– هل كان استدعاء منهجية سوسير ودريدا في خلافكما مجرد أدوات أم أقنعة فكرية لصراع أعمق حول النفوذ الثقافي وممارسة دور الناقد داخل المجتمع؟ الخلاف مع الغذامي هو نفس الخلاف مع نقاد عرب آخرين: الاستعجال في تبني النظريات الغربية على النحو الذي يتضح في سوء فهمها وتطبيقها. الغذامي تنقل بين العديد من المناهج: التفكيك، التشريح، البنيوية، النقد الثقافي. ومع أن الانتقال أو التخلي عن نظرية أو منهج ظاهرة صحية بحد ذاته إلا أن المفترض أن يكون مبنياً على أسس مقنعة أو تحولات مبرَّرة في الفكر النقدي وليس مجرد ركوب كل جديد. ————-
حين يلتقي النشر بالنقد: العودة والبازعي في مشروع كلمات:
إلى أي حد يمكن قراءة تعاونك مع الاستاذ فهد العودة ودار كلمات بوصفه شراكة ثقافية لإعادة إنتاج خطابك النقدي لا مجرد إعادة طباعة؟ وهل التنقيحات التي طالت كتبك تمثل مراجعة معرفية أم إعادة صياغة تتواءم مع تحولات السوق الثقافي؟ لا أراها إعادة إنتاج لخطاب نقدي، فإعادة الإنتاج توحي بحدوث تعديلات جوهرية أو حتى طفيفة. لم يحدث شيء من ذلك في مشروع كلمات بقيادة الصديق فهد. هي إعادة طباعة تجدد العهد بكتب أوشك الكثير منها على النفاد والغياب من ثم عن المعروض وكذلك ما لمسته من بعض القراء من صعوبة الوصول إلى تلك الكتب. قبل مشروع كلمات أعاد النادي الأدبي طباعة كتابين كان النادي قد نشرهما لي أحدهما “ثقافة الصحراء” الذي كان غير متوفر في أي مكان. ثم أعاد الأخوة العمانيون طباعة كتاب “الاختلاف الثقافي” بعد فوزي بجائزة السلطان قابوس عام 2017. الآن الاتفاق مع كلمات على إعادة طباعة مجمل الأعمال بحيث تشكل “الأعمال الكاملة”، وأنا ممتن لمسعى الدار وحماسة أ. فهد العودة.
——————
الحداثيون: ألا ترى أن أزمة الحداثة العربية كامنة في أنها حاولت انتاج حداثة دون سياقها التاريخي فهي هنا عقلانية دون تنوير, وفردانية دون تحولات اجتماعية ونقد دون مؤسسات حداثية فعلية؟ أتفق مع القول بأن جانباً من أطروحات الحداثة العربية مجلوب من الآخر أو مفروض من أعلى، شأن النهضة العربية منذ الطهطاوي والنقاش والبستاني، بمعنى أن ذلك الحراك لم يكن ليحدث لولا التعرف على النهضة الأوروبية. لكن حراكات بتلك الضخامة لا يمكن أن تكون كلها مفتعلة أو مستوردة. لو لم تكن هناك حاجة للتغيير لما حدث شيء من ذلك. الجمود الذي اتسمت به الثقافة العربية الإسلامية منذ القرن الثالث عشر الميلادي تقريباً، وطوال العهد العثماني، كان دافعاً رئيساً للسعي للنهوض والبحث عن بدائل. وكذلك كان الحال مع الحداثة الأدبية في خمسينيات القرن الماضي: بحث عما يخرج الأدب، الشعر بوجه خاص، من جمود الأشكال المتوارثة. لكن ذلك البحث أدى في كثير من وجوهه إلى تبني أشكال وأفكار صالحة في منبتها ونابعة بصورة منطقية في مصادرها لكنها ليست مناسبة دائماً للتربة الثقافية العربية (الكتابة السريالية مثلاً). تماماً كما كان الحال في استيراد النظريات الغربية في النقد الأدبي.
في حال افترضنا نهاية الحداثة ما الذي يحل محلها معرفياً ما بعد الحداثة أم حالة “سيولة مفاهيمية” تعيد إنتاج عدم اليقين النقدي؟ وهل سيفقد النقد بوصلته داخل هذا التشظي؟ أقنعتني أطروحة باومان حول السيولة بوصفها مرحلة تلت ما سماه الصلابة في تحول الحضارة الغربية منذ أواسط القرن العشرين. الحداثة السائلة ليست قطيعة مع الحداثة الصلبة وإنما هي امتداد حول الصلابة إلى سيولة، الصلابة التي اكتسبتها أثناء التنوير. تلك السيولة يمكن أن توصف بأنها تشظياً أو ما يسمى حالياً “ما بعد الحقيقة”. مرحلة فوضى المفاهيم وتراجع اليقين نتيجة لهيمنة التقنية الذكية. هي فترة يعيشها العالم الآن لكنه يعيشها بتفاوت من منطقة إلى أخرى. لا أعتقد أن تأثر بعض المجتمعات الإفريقية والآسيوية بتراجع اليقين يعادل ما يحدث في أوروبا وامريكا الشمالية. ثمة يقينيات ما تزال تؤثر على البنى الثقافية وعلى الوعي الاجتماعي والفردي في مجتمعات ما تزال متدينة ولها ثوابت لم يصبها السيلان الغربي على الأقل حتى الآن.
—————
جمعية فلسفة: …… –يرى بعض المتابعين أن الجمعية السعودية للفلسفة تميل أحياناً إلى الاشتغال داخل الفضاء الثقافي النخبوي عبر موضوعات أدبية ونظرية تبدو بعيدة عن القلق اليومي للمواطن وأسئلته المعيشية المباشرة. إلى أي حد توافقون على أن الفلسفة المحلية ما تزال تعاني فجوة بينها وبين المجال العام؟ النشاط الفلسفي بطبيعته نخبوي. قد يخرج فيلسوف هنا أو هناك إلى الفضاء العام ويحاول تقريب المفاهيم والأطروحات للثقافة العامة لكن الأصل أن الفلسفة للنخبة وحين تنزل إلى الشارع تصير حكمة عامة أو أراء مفيدة ربما لكنها غير قادرة على التعمق إلى ما دون السطوح. وهذا ليس حكراً على الفلسفة: العلم والأدب نخبويان في جوانب مهمة منهما، وإن اقتربا من التبسيط والوضوح في جوانب أخرى. ولا أظن أن الجهود السعودية في التفلسف بمنأى عن ذلك. كيف يمكنك أن تبسط فلسفة الفينومينولوجيا مثلاً لعامة الناس. هي فلسفة معقدة أصلاً وتبسيطها سيكون مخلاً وتسطيحياً لا محالة. وهذا هو الحال في الغرب أيضاً، فليس كل الناس قادرين على استيعاب أطروحات هابرماس أو فتغنشتاين مثلاً، ناهيك عن كانط وهايدغر.
—————
المؤسسة الثقافية العمل من الداخل “الشريك الأدبي” هل استطاع مشروع الشريك الأدبي من خلال المحاضرات والورش التدريبية أن يصنع بنية ثقافية مستدامة! أم أنه نجح فقط في تنشيط الفعاليات وصناعة الشهادات والانطباعات أكثر من تعميقه؟ هذا سؤال ما يزال مطروحاً وجرت مناقشته مؤخراً في هيئة الأدب بعد أن طالبت بعقد اجتماع مع مسؤولي الهيئة للتعرف على معالم المشروع وما يواجهه من تحديات. شاركت د. عزيزة المانع في النقاش وخرجنا بمزيد من المعرفة بطبيعة الشريك الأدبي وأنه فعلاً يسعى لصناعة أفق ثقافي مختلف عما كان سائداً. في تقديري أن تلك الصناعة لم تحقق ثمارها المرجوة بعد أو أن الوقت ما زال مبكراً للحكم عليها. لكن المؤشرات تتضمن بعض ما هو مقلق من حيث أن الكثير من الفعاليات تحولت إلى نشاط ميكانيكي هدفه تفوق مقهى أو نادٍ على غيره في عدد الفعاليات وبالتالي الفوز بجوائز أو مكافآت مالية. الاستدامة مطلب صعب ولكني أظنها ما سيتمخض عنه ذلك الحراك بعد أن تعدل بعض شروط المشاركة فيه للتخلص مما ليس ضرورياً أو ذا أثر سلبي.
——————-
مسابقة القلم الذهبي:
كنت رئيس ادارة القلم الذهبي في انطلاقته الأولى ما الأسباب الحقيقية وراء توقف هذه المسابقة ؟ هل كانت مالية، تنظيمية أم مرتبطة بنقص التفاعل؟ لا أعلم من الأسباب التي أدت إلى توقف الجائزة إلا ما علمته من رسالة وصلتني من معالي رئيس هيئة الترفيه أ. تركي آل الشيخ يقول فيها إن الجائزة توقفت لأسباب تتعلق
*البوكر: –منذ انطلاق جائزة البوكر بنسخته العربية عام 2007 ونحن نسمع عن مشكلات تثار في كل دورة كالتحيز الجغرافي أو الإثني إلى التشكيك والتساؤل حول نزاهة اللجنة تعليقك على هذه التداعيات خاصة بعد تجربتك السابقة عندما ترأست لجنة التحكيم في 2014؟ مايمنحك مسافة تجعلك أكثر قدرة على التقييم؟ تحدثت مرات عديدة عن البوكر، والغريب أن موضوع النزاهة لا يثار إلى حول تلك الجائزة، كأن الجوائز الأخرى منزهة عما يعيبها. يبدو لي أن السبب يعود إلى أن البوكر ليست جائزة حكومية فيصير نقدها والتشكيك فيها أسهل. لا توجد جائزة منزهة عن التحيز ابتداءً بنوبل ومروراً بكل جائزة تمنح في العالم. والتحيز ليس بالضرورة دلالة على فساد أو أي عيب أخلاقي وإنما هي طبيعة الإنسان المتحيز أساساً لما يراه أنسب وأصلح وسيختلف معه في ذلك آخرون حتماً. البوكر مثل كل الجوائز لا تخلو من تحيز لكنه ليس التحيز المتعمد وإنما هي آراء لجان التحكيم التي تغلب رواية على أخرى. المهم هنا أن البوكر أكثر نزاهة حتى في تحيزها من كثير من الجوائز الأخرى لأنها لا تخضع لإملاءات أو تدخلات سياسية أو أيديولوجية وتطبق أعلى معايير النزاهة الممكنة كونها خاضعة للمعايير البريطانية التي فرضت منذ البدء، ابتداء بمشاركة عضو غير عربي ومروراً بحضور سكرتيرة الجائزة، وهي بريطانية وتجيد العربية، كل اجتماعات اللجان، ثم الإعلان في النهاية عن أسماء لجان التحكيم وقيامها بالدفاع عن قراراتها. هذه المعايير تكاد تغيب عن أي جائزة عربية أعرفها. الكل تقريباً يتخفى وراء قراراته.
–هل ترى خطراً في أن تتحول هذه المسابقات إلى مصانع أنماط تُكافئ ما يشبهها؟ خاصة أنها تخضع لاشتراطات ومعايير مقيدة وثابتة؟ الخطورة قائمة في كل الجوائز، لكن المؤسسات التي تحرص على سمعتها تعتمد على معايير تخفف من ذلك الخطر. ومع ذلك فإن الجوائز على مخاطرها أو مساوئها ضرورية لحيوية الإنتاج الثقافي، هي حوافز في نهاية المطاف، وكانت حاضرة طوال التاريخ وفي كل مكان وبصور متعددة. نحتاج الجوائز لكي ننمي جوانب من الثقافة نراها مهمة. وتلك التنمية تعدل بأية سلبيات قد تنجم، لأن البديل هو إهمال الناتج وعدم مكافئة من يستحق المكافأة. الخطورة ستظل في مكافأة من لا يستحق، الأمر الذي ينتج عنه الإحباط، لكن ذلك إن حصل فهو ثمن. البديل سيكون أسوأ.
حول ارائه: قلت عن روايات اسامة المسلم أنها “سطحية وبلا رسالة”. لماذا يُقابل الأدب الجماهيري دائماً بشبهة “السطحية” قبل قراءته بجدية؟ و لماذا يبدو أن ما يحبه الجمهور غالبًا لا يحتفي به النقد الأكاديمي؟ السبب أن الأدب الجماهيري سطحي أو هامشي فعلاً. هكذا ببساطة. والأمثلة ساطعة. اقرأ أي عمل جماهيري وستجد أنه لم يتحول إلى جماهيري إلا لأنه لا يرهق ذهنياً ويوظف كل أساليب التشويق وعلى حساب العمق وجدية الطرح ومستواه، أنه لا يطرح قضية ولا يتبع أساليب صعبة في السرد إن كان روائياً أو يرسم صوراً شعرية ومجازية مرهفة إن كان شعراً. تلك سمات عالمية قد تستثنى منها أعمال تكرست مع الزمن وصارت كلاسيكيات تحظى بقراء كثيرين وترجمت إلى لغات عديدة لكن مستوى تلقي تلك الأعمال يتفاوت تفاوتاً شديداً أيضاً، بين تلقٍ يبحث عن الإثارة وآخر عن العمق سواء في الدلالة أو الجمال. فمثلما أن هناك أدباً جماهيرياً سطحياً هشاً هناك أيضاً تلقٍ جماهيري سطحي وهش. -هل ترفض النخبة هذا النوع من الكتابة لأنه ضعيف أم لأن هنالك خوف من أن يصبح الناقد غير ضروري في زمن يختار فيه القارئ بنفسه؟ القارئ نفسه ناقد، أي قارئ يقرأ فهو يمارس النقد وإن حسب قدراته، لأنه يختار والاختيار عملية نقدية. فالنقد ليست مهنة بالضرورة، هي ممارسة شخصية تجدها عند الكاتب حين يكتب وينقح ما يكتب وعند القارئ حين يختار ما يقرأ فيغير أو يصدر حكماً. لذا لا خوف على النقد. الخوف يقع على الأدب الذي يسطح الحياة ويبحث عن المال بتحوله إلى أعمال جاذبة للقراء لأنها تمتعهم وتدفعهم للشراء ليس أكثر.
—————
كتاب ومنعطف
برنامج «كتاب ومنعطف» كان محاولة جادة لإعادة الاعتبار للكتاب بوصفه محوراً للنقاش العام لا مجرد مادة عرض عابرة. نال إشادات واسعة في الأوساط الثقافية كواحد من المساحات القليلة التي منحت الكتابة حقها في التحليل لا الترويج لكنه توقف. شكراً للثناء على البرنامج، أما التوقف فمن القناة الثقافية وليس مني. الموسم الثالث للبرنامج جاهز لكن لم يصلني حتى الآن من القناة ما يشير إلى رغبتها بعودته.
–هل توقف البرنامج يعني أن النقد الثقافي الجاد لا يزال عنصرًا غير قابل للاستيعاب الكامل داخل مؤسسات إعلامية كبرى مهما حظي بإشادة فكرية؟ لا علاقة للبرنامج بالنقد الثقافي أولاً. هو برنامج يعتمد على الطرح الفكري أي أنه يقدم تعريفاً بالفكر ونقداً له. كان الموسم الأول حول كتب غيرت مجرى التاريخ الثقافي، كان تعريفا بتلك الكتب وتحليلاً وإبرازاً لأهميتها، في حين تركز الموسم الثاني على الاستشراق. أما الثالث فالمفترض أن يتركز على الرواية.
—————
سؤال ختامي:
أخيراً وبعد كل هذه الرحلة الطويلة من الاشتباكات الفكرية مع الحداثة والأسئلة الكبرى والنقد والترجمة ما الذي تتمنون أن يبقى من سعد البازعي في ذاكرة الثقافة العربية؟ أتمنى أن يبقى أن سعد البازعي وسع دائرة الوعي بما هو مهم وجميل وجدير بالمعرفة والتعمق والتذوق، وأنه فعل إلى ذلك متكئاً على معايير وقيم آمن بكونها منطلقات لكل نشاط فكري ونقدي وثقافي.
مشاهدة ضيف ldquo الرأي rdquo الدكتور سعد البازعي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ضيف الرأي الدكتور سعد البازعي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة الراي الالكترونية ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ضيف “الرأي” الدكتور سعد البازعي.
في الموقع ايضا :
- Australia warns its citizens against traveling to Abha airport amid fears of renewed Yemeni strikes
- انقطاعات منتظرة للكهرباء غدا الثلاثاء من السادسة صباحا الى منتصف النهار على عدة مناطق من الجمهورية
- عاجل.. صحيفة واشنطن تايمز الأمريكية: مجرد تهديد السفن السعودية في باب المندب يعطل الحركة الملاحية للمملكة حتى من دون تنفيذ هجمات