كتب حلمي الأسمر: الأفكار الكبرى لا تولد في لحظة، ولا يكتشفها شخص واحد، ولا تعلن عن نفسها بضجيج. إنها تنمو بصمت، يضيف إليها كل جيل حجرًا صغيرًا، حتى يأتي يوم يلتفت فيه الناس إلى البناء فيظنون أنه ظهر فجأة، بينما يكون قد استغرق عقودًا، وربما قرونًا، حتى اكتمل. هكذا كانت حكاية العلاقة بين الغذاء والمرض. فعلى امتداد القرن العشرين حقق الطب الحديث إنجازات هائلة. انتصر على كثير من الأمراض المعدية، وطور المضادات الحيوية، وأجرى عمليات جراحية كانت تبدو أقرب إلى الخيال، وزرع الأعضاء، وفك الشفرة الوراثية للإنسان. لكن، وبينما كان ينتصر في معارك كثيرة، كانت معركة أخرى تتعقد بصمت. السكري يزداد، والسمنة تنتشر، وأمراض القلب تتوسع، والسرطان يصبح أكثر حضورًا، والكبد الدهني يتحول إلى وباء عالمي. ومع كل هذا التقدم، ظل السؤال يزداد إلحاحًا: لماذا تتزايد الأمراض المزمنة في عصر هو الأكثر تقدمًا في تاريخ الطب؟ لم يأت الجواب من مختبر واحد، بل بدأت الخيوط تظهر متفرقة، وكأن كل باحث كان يعثر على قطعة من لوحة كبيرة لا يرى منها إلا الجزء الذي يقع أمامه. في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، داخل واحدة من أعرق الجامعات الطبية في العالم، جامعة كاليفورنيا، كان يعمل الدكتور دونالد أبرامز، أستاذ الطب واستشاري الأورام. وطب الأورام هو الفرع الذي يختص بدراسة السرطان وتشخيصه وعلاجه، ويعد من أكثر تخصصات الطب تعقيدًا لأنه يلتقي فيه علم الوراثة والمناعة والكيمياء الحيوية والبيئة ونمط الحياة. وبعد سنوات طويلة من علاج آلاف المرضى، بدأ أبرامز يوجه أنظار زملائه إلى سؤال لم يكن يحظى بالاهتمام نفسه: لماذا نترك الغذاء خارج غرفة العلاج؟ ولماذا نتعامل معه وكأنه تفصيل ثانوي، بينما تشير الأبحاث إلى أنه قد يكون أحد العوامل المؤثرة في نشأة المرض ومساره؟ لم يكن يعلن ثورة على الطب، بل كان يدعو إلى أن يعود الطعام إلى مكانه الطبيعي داخل المنظومة الطبية. وفي الجهة الأخرى من الولايات المتحدة، كان الدكتور روبرت لوفكين، أستاذ الطب في جامعة جنوب كاليفورنيا، يسلك طريقًا مختلفًا. لم يكن طبيب أورام، بل متخصصًا في طب الاستقلاب، وهو العلم الذي يدرس كيف يتعامل الجسم مع الغذاء، وكيف يحوله إلى طاقة، وكيف يؤدي اضطراب هذه العمليات إلى السكري والسمنة وأمراض القلب والكبد وغيرها من الأمراض المزمنة. وبعد عقود من الممارسة والبحث، وجد نفسه يصل إلى سؤال قريب جدًا من سؤال أبرامز. فإذا كانت التكنولوجيا الطبية تتقدم بهذا الشكل، فلماذا تتراجع صحة الإنسان؟ وكان استنتاجه أن المشكلة لا تكمن فقط في كمية ما نأكل، وإنما في طبيعة الغذاء الذي أصبح يملأ موائدنا، وفي التحول الذي طرأ على الصناعة الغذائية خلال العقود الأخيرة. وبينما كان هذان الطبيبان يراجعان العلاقة بين الغذاء والمرض من زاويتين مختلفتين، جاءت التجارب السريرية لتضيف خيطًا ثالثًا. ففي المملكة المتحدة أطلق باحثون دراسة عرفت عالميًا باسم DiRECT لاختبار إمكانية السيطرة على السكري من النوع الثاني من خلال تدخل غذائي مكثف. ولم يكن هدف الدراسة إثبات نظرية فلسفية، بل اختبار فرضية طبية قابلة للقياس. وكانت النتائج لافتة؛ إذ أظهرت أن عددًا من المرضى استطاعوا الوصول إلى هدوء طويل للمرض بعد تغيير نمط الغذاء وفقدان الوزن، وهو ما أعاد فتح نقاش ظل مغلقًا سنوات حول طبيعة السكري نفسه. وفي الوقت ذاته، كان فرع علمي حديث يخرج من الظل إلى الواجهة. إنه علم الميكروبيوم، وهو العلم الذي يدرس مليارات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل جسم الإنسان، ولا سيما في الأمعاء. وقد كشفت أبحاث هذا المجال أن تلك الكائنات ليست مجرد ضيوف عابرين، بل شريك بيولوجي يشارك في تنظيم المناعة والالتهاب والاستقلاب، وأن نوعية الغذاء تغير تركيب هذا العالم الخفي، فينعكس ذلك على صحة الإنسان بطرق لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة. ثم جاءت الدراسات التي تناولت الأغذية فائقة التصنيع، وهي المنتجات الغذائية التي خضعت لعمليات تصنيع معقدة وأضيفت إليها مكونات صناعية كثيرة، لتربط بين الإفراط في استهلاكها وارتفاع خطر عدد من الأمراض المزمنة. ولم يكن معنى ذلك أن جميع الأسئلة قد حُسمت، أو أن كل علاقة أصبحت مؤكدة، لكنه كان يعني شيئًا آخر أكثر أهمية؛ أن النقاش العلمي نفسه بدأ يتحول، وأن الغذاء لم يعد يُختزل في عدد السعرات الحرارية أو نسب الدهون والسكريات، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره منظومة بيولوجية كاملة تؤثر في وظائف الجسم. للمرة الأولى، لم يعد طبيب الأورام يتحدث عن الورم وحده، ولا طبيب الاستقلاب عن السكر وحده، ولا عالم الميكروبيوم عن البكتيريا وحدها، ولا باحث التغذية عن السعرات وحدها. كانت جميع هذه التخصصات، من حيث لا تدري، تتحرك نحو نقطة التقاء واحدة. وعند هذه النقطة يصبح من الممكن أن نقرأ مشروع الدكتور ضياء الدين العوضي قراءة مختلفة. ليس باعتباره الرجل الذي اكتشف ما غاب عن العالم كله، وليس باعتباره صاحب الكلمة الأخيرة في علم التغذية، وإنما باعتباره طبيبًا أمضى اكثر من ستة عشر عامًا في البحث والقراءة والمتابعة السريرية، محاولًا أن يجمع هذه الخيوط المتفرقة في رؤية واحدة. قد يوافقه العلم الحديث في بعض النتائج، وقد يختلف معه في نتائج أخرى، لكن القيمة التاريخية لمحاولته تكمن في أنه نظر إلى الإنسان كوحدة واحدة، وإلى الغذاء بوصفه أحد المفاتيح الكبرى لفهم المرض، في وقت كانت فيه معظم التخصصات لا تزال تنظر إلى أجزاء الصورة منفصلة عن بعضها. وهكذا، لم تعد الحكاية حكاية طبيب واحد، ولا نظرية واحدة، بل حكاية فكرة بدأت تخرج من زوايا متباعدة في العالم، حتى أخذت ملامحها تتجمع شيئًا فشيئًا، وما زالت، حتى اليوم، تكتب فصلها الأخير. لم يتفق هؤلاء العلماء على كل شيء، ولم ينطلقوا من مدرسة واحدة، وربما لم يسمع بعضهم ببعض، لكن التاريخ لا يشترط الاتفاق حتى تتقدم الأفكار. يكفي أن تتحرك العقول المستقلة في الاتجاه نفسه. وعندما تتجمع هذه الخيوط، يصبح من المشروع أن نعيد قراءة كل محاولة سعت مبكرًا إلى فهم العلاقة بين الغذاء والمرض، ومن بينها محاولة الطبيب العربي الدكتور ضياء الدين العوضي الذي يرى البعض أنه مجرد (مشعوذ) ، لا باعتبارها خاتمة النقاش، بل باعتبارها جزءًا من حكاية ما تزال تُكتب (من أجواء كتابي الجديد الذي يصدر قريبا إن شاء الله عن دار نشر (الآن) بعنوان "المنشق:: ضياء العوضي ونظام الطيبات" ...
مشاهدة حكاية تطور فكرة عن المشعوذ ضياء العوضي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حكاية تطور فكرة عن المشعوذ ضياء العوضي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.