ظل الرجل يحرّك شفتيه، وتتناثر من فمه عبارات ضخمة عن الوطن والوعي والمستقبل، غير أنني لم أعد أرى أمامي إلا باكورًا هنديًا متأنقًا في هيئة رجلٍ يخالُ نفسهُ يعتلي منبر الحكمة، ويقيس مصائر الشعوب بدرجة نضجه، ويفسّر أزمات العصر بسَمَاكَة قِشرته، ويعِدُ الحَاضرين بالخَلاص متى أحسنُوا فهْم مَوسمه.
ما إن يجلس صاحبنا أمام الناس حتى يُخرج “الباكور الهندي” من جَيْبِه الخِطابي، وينفض عنه غبار الصمت، ثم يضعه على مائدة الكلام كأنما يقدّم مشروعًا لإنقاذ الأمة.
يسألونه عن البطالة، فيعتدلُ في جلسته ويقول: “المشكلة تشبه الباكور الهندي”. ينتظر الناس التفسير، فيفركُ ذقنه، ويضيّق عينيه، ثم يشرح أن الباكور يحتاج إلى من يعرف متى يقطفه. لا يفهم أحد ما علاقة الشاب العاطل بالثّمرة، غير أن صاحبنا يوَاصل حديثَه بثقة الخبير الذي اكتشفَ قانونًا اقتصاديًا جديدًا.
ويسألونه عن التعليم، فيطرق رأسه لحظة، كأنما يستدعي من ذاكرته خلاصة تجارب الأمم، ثم يقول: “المدرسة التي لا تعرف قيمة “الباكور الهندي” لا تصنعُ أجْيالًا”.
خلال دقائق قليلة، يتحوّل “الباكور الهندي” إلى مادَّة إجْبارية، ويتحوَّل الرّجل إلى مُصلح تربوي، ويتحوَّل السَّامعون إلى تلاميذ ينتظرون الجَرس.
يُقسِّم الناس إلى من يفهم الباكور ومن يُعاديه، وإلى من يراه من زاوية وطنية ومن ينظر إليه بعين مُستوردة.
ثم يحذر من “الاستعمال الشعبوي للباكور”، مع أنه لا يستعمل في حياته شيئًا غيره.
“الباكور الهندي” بين السِّياسة والثّرثرة
يتحدَّث عن الفقر فيقول إن الفقير يعرف قيمة الثَّمرة أكثر من الغنيّ.
يتحدث عن المدينة فيتَّهمُها بأنها قطعت صلتها بالمواسم.
يتحدث عن المرأة فيجعلها حارسة أسراره، ويتحدث عن الرجل فيجعله مسؤولًا عن ضياع هيْبته، ويتحدث عن الشباب فيلومُهم لأنهم يلتقطون الصُّور ولا يتأمَّلون الثّمار.
صاحبنا لا يحتاج إلى معلومات، “فالباكور الهندي” يعفيه من القراءة.
لا يحتاجُ إلى برنامج سيَاسي، لأن موسمَ القطاف يوفِّر له برنامجًا كاملًا.
يمدحُ السلطة إذا رأى أمامه صاحب منصب، فيصفها بالشجرة التي تحمي الثمر.
ومع مرور الوقت، صار النّاس يعرفونَ خطابه قبل أن يبدأ.
ما إن يرفع سبابته حتى يستعدُّوا لموسم القطاف.
جعلها تتحدث في الاقتصاد، وتَفتي في التّعليم، وتُحاكم النّاس، وتشرح التّاريخ، وتُوجّه المستقبل.
غير أن صاحبنا لا يصمت.
يصفق لنفسه، ويغادر المجلس راضيًا، فيما يبقى الحاضرون يتساءلون: هل استمعوا إلى تحليل سياسي، أم حضروا نشرة فلاحية، أم وقَعُوا ضحيّة ثمرة استوْلى عليها رجل كثيرُ الكلام؟
وكلّما انكشف خواؤُه، أمعن في تكديس القُشور.
وحين انفضّ ذلك المجلسُ، أدركتُ أن الرَّجل لم يكن يستشهدُ “بالباكور الهندي”، وإنما كان يتَوَارَى خلْفَه؛ فكلَّما أعوزتْه الفِكرة دفع بالثّمرة إلى الوَاجهة، وكلّما خانهُ المعنى احْتمى بقشرتها.
لنتأمّل؛ وإلى حَديث آخر.
صَاحبُ "البَاكُور الهَنْدي" Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة ص احب الب اك ور اله ن دي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ص احب الب اك ور اله ن دي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، صَاحبُ "البَاكُور الهَنْدي".
في الموقع ايضا :