المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

وتندرج هذه التحولات ضمن ما يمكن تسميته بالقرن الأطلسي، باعتباره الإطار الجيوسياسي والجيواقتصادي الذي تتشكل في ظله موازين القوة خلال القرن الحادي والعشرين. ففي هذه المرحلة، تجاوزت المنافسة الدولية السيطرة على المجال الترابي، لتتأسس الرؤى الاستراتيجية على القدرة على تنظيم التدفقات التجارية والطاقية والصناعية والرقمية التي تربط القارات. وبذلك، يصبح الوزن الإقليمي والعالمي للدول رهينًا بقدرتها على إدارة هذه الشبكات وتأمينها وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة مضافة في الاقتصاد الدولي.

هيمنت المقاربة المتوسطية طويلاً على إدراك فرنسا وأوروبا للمغرب. غير أن التحولات الجيواستراتيجية تفرض اليوم الانتقال من رؤية تعتبره امتدادًا للضفة الجنوبية للمتوسط إلى قراءة أطلسية لموقعه ووظيفته. فالمملكة أصبحت إحدى نقاط الارتكاز في فضاء يصل أوروبا بإفريقيا، ويربط طرق التجارة والطاقة والممرات البحرية بالشبكات القارية.

يساعد التفكير الجيوسياسي الكلاسيكي على فهم هذا التحول. فقد أبرز هالفورد ماكندر أن الموقع لا يصبح مصدرًا للقوة إلا عندما تنجح الدولة في توظيفه داخل التنافس بين المجالات الكبرى. ولم يكن اهتمامه منصبًا على الأرض باعتبارها مساحة جامدة، بل على قدرتها على ربط الأقاليم وتوجيه حركة القوى بينها. ومن هذا المنظور، يستمد المغرب قيمته من وجوده في نقطة اتصال بين أوروبا وإفريقيا، ومن إشرافه على مجالين بحريين يختصران جزءًا مهمًا من حركة التجارة العالمية.

وتتضح هذه الوظيفة أكثر عند قراءة التحول المغربي من خلال أفكار ألفرد ثاير ماهان حول القوة البحرية. في هذا الصدد، لم يحصر ماهان هذه القوة في امتلاك الأساطيل، بل ربطها بالموانئ والتجارة والموقع والقدرة الصناعية وحماية طرق الملاحة. وعلى ضوء هذا التصور، لا يمكن التعامل مع طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي باعتبارها مشاريع اقتصادية منفصلة، بل باعتبارها عناصر ضمن واجهة بحرية متكاملة تعزز حضور المغرب في سلاسل الإمداد الدولية وتفتح امتدادات جديدة نحو غرب إفريقيا ودول الساحل.

وأكدت الأزمة أن القيمة الاستراتيجية للممر البحري لا ترتبط بإغلاقه الكامل فقط. فمجرد ارتفاع مستوى التهديد أو تعرض السفن والمنشآت الساحلية للهجمات يكفي لدفع الناقلات إلى التوقف أو تغيير مسارها، ورفع تكاليف التأمين والشحن وتعطيل عمل الموانئ ومرافق التصدير. وقد شهدت حركة السفن عبر هرمز في يوليو 2026 انخفاضًا حادًا مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، بما أظهر أن التأثير في التدفقات قد يتحقق بالردع والتهديد وتقويض الثقة التجارية، من دون الحاجة إلى احتلال الممر أو إغلاقه ماديًا بصورة دائمة.

ولا تقتصر السيادة، ضمن هذا المنظور، على التحكم في التراب الوطني، بل تشمل أيضًا القدرة على إدارة شبكات النقل والطاقة والبنية التحتية وضمان استمرارها عند تعرض أحد مكوناتها للاضطراب. وهنا يبرز مفهوم “StraitBelt” بوصفه قراءة تربط المضائق والموانئ والمحاور البرية ضمن منظومة واحدة. فقد أظهرت أزمة هرمز أن تركيز جزء كبير من التدفقات في ممر ضيق يمنحه قيمة استراتيجية استثنائية، لكنه يحوله أيضًا إلى نقطة ضعف. لذلك أصبحت القوة ترتبط بتنويع المسارات، وربط الموانئ بالشبكات البرية والطاقية والصناعية، وتطوير بدائل تسمح بإعادة توجيه التجارة عند تعطل أحد الممرات.

ومن هنا تبرز أهمية مفهوم سيادة الربط، الذي لا يحل محل السيادة الترابية، بل يضيف إليها بعدًا وظيفيًا يتعلق بإدارة شبكات الحركة والاتصال. فقد تكون الدولة مستقلة من الناحية القانونية، لكنها تظل معرضة للضغط إذا كانت عاجزة عن حماية إمداداتها الطاقية أو بياناتها أو تجارتها أو سلاسل تموينها. أما الدولة التي تمتلك موانئ فعالة وشبكات نقل متطورة وقدرة على تنويع شركائها ومساراتها، فإنها توسع هامش استقلالها الاستراتيجي وتعزز قدرتها على التكيف مع الأزمات.

من الشراكة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية

ولا ترتبط أهمية الشراكة مع المغرب بالنسبة إلى فرنسا بالحفاظ على حضورها في القارة الإفريقية فقط، بل أيضًا برغبتها في توسيع مجال حركتها في مرحلة أصبحت فيها خياراتها الخارجية أكثر تأثرًا بالتوازنات الأوروبية وبالمنظومة الأمنية الأطلسية. فرغم احتفاظها بقدرات صناعية وعسكرية ودبلوماسية مهمة، أصبحت قدرتها على التحرك المستقل أكثر ارتباطًا بإطار الاتحاد الأوروبي وبالدور الأمريكي في الأمن الأوروبي.

ولا تكمن قيمة المغرب بالنسبة إلى فرنسا في كونه منفذًا جغرافيًا إلى إفريقيا، بل في قدرته على المشاركة في بناء فضاء مشترك للإنتاج الصناعي والربط اللوجستي والتعاون الطاقي. فهذه الشراكة توسع مجالات التحرك الفرنسي، وتساعد المغرب في الوقت نفسه على تسريع انتقاله الصناعي والتكنولوجي وتعزيز اندماجه في سلاسل القيمة الأوروبية والدولية. ولا يتعلق الأمر باستعادة امتيازات تاريخية، بل بعلاقة تقوم على تبادل عناصر القوة وتوسيع مجال القرار لدى الطرفين.

وتظهر الواقعية السياسية عند هنري كيسنجر أهمية هذا التوازن. فاستقرار العلاقات الدولية لا يقوم على التطابق الكامل بين الدول، بل على اعتراف كل طرف بالمصالح الحيوية للطرف الآخر. وقد بينت الأزمة التي مرت بها العلاقات المغربية الفرنسية أن القرب التاريخي لا يكفي عندما تختلف تصورات السيادة والمكانة. كان المغرب يعتبر موقف فرنسا من قضية الصحراء معيارًا لصدق الشراكة، بينما حافظت باريس لفترة طويلة على قدر من الغموض، اعتقادًا منها أنه يسمح بمراعاة توازنات إقليمية متعارضة.

وفقًا للمنطق الكيسنجري، لا تكمن قيمة هذا التحول في التطابق السياسي، بل في استعادة الحد الأدنى من التوازن الضروري لبناء شراكة طويلة المدى. فالمغرب وفرنسا لن يتفقا في جميع القضايا، وقد تختلف مصالحهما في ملفات أوروبية أو إفريقية أو دولية، لكن العلاقة يمكن أن تستمر إذا ظلت الخلافات داخل إطار يحمي المصالح الكبرى ويمنع تحولها إلى أزمة شاملة.

وتجمع الصحراء المغربية بين الأبعاد البرية والبحرية التي تناولها كل من ماكندر وماهان. فهي تمنح المغرب امتدادًا قاريًا نحو الساحل، وتوسع في الوقت نفسه واجهته البحرية نحو جنوب الأطلسي. ولذلك، فإن استقرارها لا يرتبط بالمغرب وحده، بل بمستقبل الممرات التجارية ومشاريع الطاقة وإمكان منح دول الساحل الحبيسة منافذ جديدة نحو البحر.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطًا بقدرة باريس على التعامل مع المغرب بوصفه شريكًا مستقلًا. فقد وسعت المملكة علاقاتها مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وروسيا والهند ودول الخليج وإفريقيا، في إطار سياسة تهدف إلى تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمركز دولي واحد. ولا يتعارض هذا التعدد مع روابط المغرب الأوروبية، بل يعكس انتماءه إلى دوائر عربية وإسلامية وإفريقية ومتوسطية وأطلسية متداخلة.

ولا ينبغي أن تتحول هذه العلاقة إلى محور مغلق بين الرباط وباريس، لأن المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي أوسع من قدرة دولتين على تنظيمه بمفردهما. وتكمن قيمة التقارب في اندماجه ضمن شبكة تشمل إسبانيا والبرتغال والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج والدول الإفريقية الأطلسية، بما يعزز شرعيته ويبعده عن منطق مجالات النفوذ الحصرية.

ولعل تزامن بروز بعض السجالات الإعلامية والسياسية مع كل مرحلة يشهد فيها التقارب المغربي الفرنسي تقدمًا ملموسًا يذكر بأن العلاقات الاستراتيجية الكبرى لا تتطور في فراغ، وإنما تتحرك في بيئة تتقاطع فيها المصالح والتنافس ومحاولات التأثير. ويؤكد ذلك أن ترسيخ هذه الشراكة لا يقتصر على تطوير المشاريع الاقتصادية أو تنسيق المواقف السياسية، بل يقتضي أيضًا بناء قدر أكبر من الثقة والقدرة المشتركة على مواجهة التهديدات التي قد تستهدف مسارها أو البيئة التي تتحرك فيها.

تملك فرنسا قدرات متقدمة في الصناعات الدفاعية والطيران والفضاء والأمن السيبراني، بينما راكم المغرب خبرة في مكافحة الإرهاب وفهمًا للبيئات الإفريقية وقدرة على التنسيق الأمني مع شركاء متعددين. ويتيح الجمع بين هذه القدرات بناء تعاون يتجاوز تبادل المعلومات والتمارين العسكرية إلى حماية البنية التحتية والممرات البحرية وتطوير صناعات دفاعية مشتركة.

ويظل الاقتصاد المجال الذي ستختبر فيه جدية التحول. فالانتقال من الشراكة التقليدية إلى شراكة استراتيجية استثنائية يقتضي تجاوز نموذج السوق والمستثمر نحو الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء سلاسل قيمة تمتد إلى إفريقيا وأوروبا. وتمثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي وصناعة السيارات والطيران والفضاء والصناعات الدفاعية مجالات قادرة على منح العلاقة مضمونًا طويل المدى.

مسارات العلاقة وشروط نجاحها

يمكن للعلاقات المغربية الفرنسية أن تسلك خلال السنوات المقبلة مسارات مختلفة. قد تستعيد شكلها التقليدي القائم على الزيارات والاستثمارات والتعاون الثقافي والأمني، من دون تغيير حقيقي في بنيتها. وقد تتطور إلى شراكة قطاعية تركز على الطاقة والدفاع والصناعة، لكنها تظل من دون رؤية جامعة. أما المسار الأكثر طموحًا، فيتمثل في بناء شراكة استراتيجية متوازنة تجعل من البلدين نقطتي ارتكاز داخل المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي.

ولا يتعلق مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية بالعودة إلى مرحلة سابقة، لأن الشروط التي أنتجتها تغيرت. فقد أصبح المغرب أكثر استقلالاً وتنوعًا في شراكاته، بينما تحتاج فرنسا إلى إعادة تعريف حضورها في إفريقيا والمتوسط. وفي ظل التنافس المتزايد حول الطاقة والموانئ والممرات والتكنولوجيا، يمكن للعلاقة بين البلدين أن تكتسب أهمية أكبر إذا قامت على تبادل الوظائف والقدرات، لا على الامتياز التاريخي أو التراتبية.

إن القرن الأطلسي، الذي تتشكل ملامحه خلال القرن الحادي والعشرين تحت تأثير التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية، لن تحدده الدول المطلة على المحيط فحسب، بل الدول القادرة على تنظيم العلاقات بين ضفتيه وربطهما بامتداداتهما المتوسطية والإفريقية. ومن هذه الزاوية، يمكن للشراكة المغربية الفرنسية أن تتجاوز إطارها الثنائي لتصبح إحدى البنى المنظمة لهذا الفضاء، بما تتيحه من وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين المتوسط والأطلسي، وبين القدرات الصناعية والمالية والتكنولوجية من جهة، والعمق الجغرافي واللوجستي والإفريقي من جهة أخرى. وعندئذ، لا يعود الرهان مقتصرًا على إدارة المصالح المشتركة، بل يمتد إلى المساهمة في صياغة هندسة جيوسياسية جديدة تقوم على سيادة الربط، وتكامل التدفقات، والمرونة الاستراتيجية، بما يؤهل البلدين للإسهام في تشكيل أحد أهم أقطاب الاستقرار والتعاون داخل المجال الأورو-إفريقي-الأطلسي.

المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب وفرنسا في القرن الأطلسي .. من ذاكرة العلاقة إلى جغرافيا القوة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار