yemenat
يمنات
سنان بيرق
إن الوقوف على عتبات العدالة ومحراب النيابة العامة يتطلب بصيرة نفَّاذة تُفرّق بين هيبة الجسد القضائي وبين الممارسات الفردية التي تشوب مسار التحقيق الابتدائي؛ فالأصل في الخصومة الجزائية هو التوازن والشفافية وتوفير ضمانات الدفاع المقررة شرعاً وقانوناً كافة. غير أن الواقع العملي يكشف عن معضلة إجرائية متكررة، تتمثل في نكوص بعض أعضاء النيابة العامة عن تمكين المتهم أو دفاعه من الحصول على صورة من ملف القضية، وهو الامتناع الذي يتخذ صوراً وأشكالاً شتى؛ فمنهم من يرفض تصوير الملف القادم من جهة الضبط والجمع “الشرطة”، ومنهم من يمتنع عن ذلك خلال مرحلة التحقيق الابتدائي المباشر بعد مثول الأطراف وتدوين الأدلة.
فبالنظر إلى النوع الأول، نجد أن بعض أعضاء النيابة يرفضون تمكين المحامي والمتهم من تصوير الأوراق القادمة من جهة الاستدلالات لأسباب شتى؛ فبعضهم يكتشف عقب اطلاعه على محاضر الشرطة أنها قد تنكبت طريق الجادة والصواب، وسارت في إجراءات باطلة شابتها خروقات جوهرية، فيسعى عضو النيابة إلى ستر ما أمكن ستره من تلك الخطيئة الإجرائية المرتكبة من قبل جهة الضبط، خشية انهيار البناء الاتهامي مبكراً. وبعضهم يحاول إدخال المتهم في دوامة من الغموض والإرجاء نتيجة الضغوط والتدخلات الهاتفية أو الاعتبارات الشفهية التي قد تحرجه. في حين يمتنع آخرون لأسباب خاصة ليس هذا المقال معنياً ببحثها إكراماً لمرحلة التحقيق واحتراماً لهيبة النيابة وسلطة تمثيل المجتمع.
أما النوع الثاني من أعضاء النيابة، فيظهر رفضهم لتمكين الدفاع والمتهم من صورة الملف أثناء مرحلة التحقيق ذاتها، نتيجة أخطاء مسلكية ومخالفات إجرائية فادحة تشوب تدوين المحاضر؛ إذ تجد عضو التحقيق – وفي حالات غير قليلة – قد انتدب له كاتباً لا يفقه من أصول التدوين ومبادئ الإملاء شيئاً، فيكسر في القواعد، ويخلط بين الهاء والتاء المربوطة، ولا يُميز بين الضاد والظاء، ولا يعرف همزة الوصل من القطع، ويجهل مواضع الفواصل والنقاط وأساليب كتابة محاضر التحقيق الجزائي المعتبرة. تجده يهيم داخل المحضر بكتابة مُكسّرة عشوائية تخلو من الانضباط، تقول له يميناً فيتجه شمالاً، وتقول له شمالاً فيسير يميناً، فلا يستطيع العضو المحققُ الاستمرارَ معه إلا إذا أُوتيَ صدراً واسعاً وقلباً صبوراً.
ومرد ذلك إلى أن قيادات إدارية متعاقبة جمعت كُتَّاباً ومُوظَّفين للنيابة العامة من كل حدب وصوب من مناطق متعددة … أشخاصاً لم ينالوا التأهيل المسلكي والكتابي الكافي، بل أقحموا في هذا العمل الدقيق مباشرة من مجالات عمل تقليدية نائية إلى أروقة النيابة العامة، فكانت النتيجة مُدوّنة محاضر مضطربة صُمّمت عشوائياً، يستحي المُحقّقون من تمكين الأطراف والمتهم ومحاميه من صورها كي لا يقعوا في الحرج الإداري أو يتعرضوا لسهام النقد العام. كذلك نجد فئة أخرى من أعضاء النيابة ممن هم حديثو العهد بالتخرج من معهد القضاء، لم تمضِ على تعيينهم إلا سنوات قليلة أو أشهر معدودة، يرفضون تمكين الدفاع من الأوراق نتيجة اتخاذهم قرارات غير مُتّزنة وتدوينهم أسباباً غير مستقيمة في الملف، فيغدو الامتناع وسيلة لستر تلك الهنات الإجرائية.
أما من يرفض منهم بدافع إهدار الضمير والواجب، فهم قلة يسيرة نرجو ألا تتكاثر. وحين يطالب الدفاع أو المتهم بحقه الثابت في الحصول على صورة الملف، يأتي الرد غالباً بعبارة مرسلة مفادها أن ذلك “ممنوع قانوناً”.
وأمام هذا الرفض المادي، يغدو من الواجب الاحتكام إلى القواعد والتمحيص في نصوص قانون الإجراءات الجزائية اليمني التي تدحض هذا الامتناع وتؤكد حق المتهم والدفاع في الاطلاع والتمكين: * مادة (2): يكون للكلمات والعبارات التالية، في هذا القانون المعاني المذكورة أمام كل منها:
الاستجواب: يقصد بالاستجواب علاوة على توجيه التهمة إلى المتهم مواجهته بالأدلة المختلفة القائمة قبله ومناقشته فيها تفصيلاً. فالاستجواب والمواجهة يقتضيان حتماً ولزوماً إعمال المواجهة الشفهية والتفصيلية، والتي لا يمكن أن تتم بحيدة وإنصاف إلا بعد تمكين المتهم أو محاميه من صورة من الملف للوقوف على الأدلة وإعداد الدفوع المناسبة وتقديم ما لديه من أسباب البراءة.
* مادة (8) بند (2): للمتهم الحق في المساهمة في الاستيثاق من الحقيقة وله التقدم بطلبات لإثبات براءته في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة ويجب في جميع الأحوال إثباتها وتحقيقها.
إن إعمال هذا النص التشريعي الناصع في حق المتهم بتقديم الطلبات والمساهمة الفاعلة في استبراء الحقيقة يغدو عديم الأثر، ومفرغاً تماماً من محتواه الإجرائي، إذا ما أُطبِق الحجب على أوراق القضية وتدثرت محاضرها بالسرية المطلقة؛ إذ كيف يُستوثق من الحقيقة مَن يُحرم ابتداءً من معاينة سندها المادي والوقوف على مفرداتها؟ بل إن العجب كله ليأخذ بمجامع العقل حين يتأمل المرء سلوك بعض أعضاء النيابة العامة ممن يمارسون على ملف القضية طقوساً حراسية مبالغاً فيها، فيتعاملون مع أوراقه ومحاضره وكأنها وثائق سيادية فائقة السرية، أو شفرات إطلاق أسلحة استراتيجية يُخشى عليها من التسريب، أو كأنها تعاويذ سحرية حصرية يُمنع على المتهم ومحاميه الاقتراب منها حتى لا تفسد بركتها! فتراهم يحجبون صورة الملف بصرامة مسرحية وابتسامة غامضة، مستندين إلى ذريعة “المنع” كأن الخصومة الجزائية لعبة غموض واختباء يحاول فيها المحقق حبس الأنفاس والتفوق بالشرود والمباغتة، لا معركة عدالة جليّة تتكافأ فيها الأسلحة وتتجرد فيها الأدلة تحت ضوء الشمس؛ وحين يطالب المحامي المغلوب على أمره بنسخة ورقيه ليقرأ ويحلل ويصوغ طلبات البراءة المضمونة بنص القانون، يُجابه بنظرات حذرة وإشارة حازمة تأمره بالاعتماد على ذاكرته المُجردة، وكأن المطلوب منه أن يخوض معركة الدفاع بعيني مجردتين وذاكرة فولاذية تلتقط التفاصيل من الخاطر وتستحضر الأرقام والتواريخ من الغيب! إن هذا التقتير الإجرائي الهزلي يُحيل نص المادة (8) إلى مجرد أمنية شاعرية مطبوعة في كتب القانون؛ إذ كيف يُطلب من المتهم أن يسهم في “الاستيثاق من الحقيقة” وهو ممنوع من رؤية الحقيقة مدونة؟ وكيف يُتاح له التقدم بطلبات نافذة لإثبات براءته إذا كانت أدلة الاتهام مفاجآت مطوية في أدراج المحقق لا يُسمح بدراستها إلا عبر ثقوب الذاكرة الشفهية؟ إن العدالة لا تُدار بأسلوب الألغاز، وتمكين الدفاع من السند المادي للتحقيق ليس منةً يجود بها المحقق، بل هو الشريان الحيوي الذي يتنفس منه حق الدفاع، وبدونه تقف العدالة على قدم واحدة في مشهد يبعث على الأسى والتهكم في آن واحد.
* مادة (9): 1- حق الدفع مكفول وللمتهم أن يتولى الدفاع بنفسه كما له الاستعانة بممثل للدفاع عنه في أية مرحلة من مراحل القضية الجزائية بما في ذلك مرحلة التحقيق.
2- يجب على مأمور الضبط القضائي والنيابة العامة والمحكمة أن ينبهوا المتهم إلى ما له من حقوق تجاه التهمة الموجهة إليه وإلى وسائل الإثبات المتاحة له وأن يعملوا على صيانة حقوقه الشخصية والمالية.
إن النص يكفل حق الدفاع أصالة ووكالة في مرحلة التحقيق، ويلزم النيابة العامة بتبصير المتهم وتنبيهه لوسائل الإثبات، والصيانة الكاملة لحقوقه لا تتحقق إلا بالتمكين المادي من أوراق الملف كافة.
* مادة (40): تنقطع المدة بإجراءات التحقيق الجدية أو المحاكمة، وكذلك بالأمر الجزائي أو بإجراءات الاستدلالات الجدية إذا اتخذت في مواجهة المتهم.
ينطوي هذا النص على غاية إجرائية محورية تتصل بانقطاع التقادم؛ إذ جعل المُقنّن «المواجهة» شرطاً لازماً لاعتبار الإجراء قاطعاً للمدة. ولا تُتصور هذه «المواجهة» القانونية بالمعنى الصحيح، ولا تُوصف بالجدية بحال، ما لم يكن الخصم ومحاميه على بينة تامة بالواقعة وبحقيقة الإجراء المتخذ ومستنداته؛ إذ كيف يُسند إلى إجراء أنه تم «في مواجهة المتهم» وهو يجهل كنهه ومحتواه ومخرجاته المادية؟ إن حجب صور المحاضر والأوراق عن المتهم يُفرغ مفهوم «المواجهة» من فحواه الحقيقي، ويحوله إلى مجرد مواجهة صورية شكلية. ولما كان القانون قد رتب أثراً جوهرياً على هذه المواجهة وهو انقطاع المهل والتقادم، فإن إعمال أحكامها يستلزم منطقاً وعقلاً تمكين المتهم من أوراق التحقيق القاطعة للمدة ليتثبت من جديتها وصحتها ومطابقتها للواقع.
* مادة (73): يبلغ فوراً كل من قبض عليه بأسباب هذا القبض وله حق الاطلاع على أمر القبض والاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهمة الموجهة إليه. يتجلى في هذه المادة أصل أصيل من ضمانات الحرية الشخصية وحق الدفاع منذ اللحظات الأولى لتقييد الإرادة؛ فالنص ينص على وجوب الإبلاغ الفوري، ويثبت صراحة «حق الاطلاع» والاستعانة بمحام والإعلان العاجل بالتهمة. وحق الاطلاع المنصوص عليه هنا ليس مجرد نفثة شفهية أو إشارة عابرة، بل هو تمكين مادي مستمر يضمن للدفاع والمقبوض عليه فهم الأسس الإجرائية التي بُني عليها سلب حريته. وحين يكفل النص هذا الحق فور القبض وفي أشد المراحل حرجاً، فمن باب أولى وألزم أن يستمر هذا الحق ويتسق مع استكمال إجراءات التحقيق عبر تسليم النسخة المادية والأوراق؛ إذ لا يستقيم قانوناً أن يمنح التشريع حق الاطلاع على أمر القبض وسنده، ثم يُحرم المتهم ودفاعه من صور المحاضر والتهمة المعلنة التي يُحاكم بموجبها.
* مادة (122): للمتهم أو المجني عليه أو ورثته أو من أصابه ضرر من الجريمة أو المطالب بالحقوق المدنية أو المسئول عنها ولوكلائهم – طبقاً للقانون – أن يحضروا جميع إجراءات التحقيق وليس لهم الحق في الكلام إلا بإذن من المحقق وإذا كان المتهم مقبوضاً عليه أو محبوساً وجب على المحقق إحضاره. ومع ذلك فللمحقق أن يباشر في حالة الاستعجال بعض إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم ولهؤلاء الحق في الاطلاع على الأوراق المثبتة لهذه الإجراءات ويجوز للمحقق أن يجري التحقيق في غيبة الخصوم كلهم أو بعضهم إذا اقتضى الأمر ذلك وليس لأي من الخصوم طلب إيقاف سير التحقيق بالطريقة التي قررها المحقق وعليه إطلاع من ذكروا على ما تم بمجرد انتهائه. فالاشتراط الجازم هنا بوجوب إطلاع الخصوم والدفاع على ما تم من
إجراءات بمجرد انتهائها يمثل سنداً ناصعاً على أن حظر الاطلاع أو حجب الصور بعد اتخاذ الإجراء هو خروج على الصريح التشريعي. * مادة (125): للخصوم أن يقدموا إلى المحقق أوجه الدفاع والطلبات التي يرونها أثناء التحقيق وعلى المحقق إثباتها وتحقيقها.
ولا يتصور عقلياً ولا قانونياً تقديم أوجه دفاع موضوعية وشكلية حاسمة دون الوقوف المباشر على الأوراق واستحصال صورة مادية منها لتفنيدها بنداً بنداً؛ بيد أن بعض أعضاء النيابة العامة يأبون إلا أن يحولوا هذا الاستحقاق الإجرائي الناصع إلى مأساة هزلية مكتملة الأركان، حين يفترضون – في شطحة مخيالية عجيبة – أن المحامي يمتلك قدرات خارقة للعادة تمكنه من اختراق حجب الأوراق المغلقة وقراءة الأفكار المضمرة في طيات الملف المضموم إلى صدر المحقق! فتراهم يطالبون الدفاع بالتقدم بأوجه دفاعه وطلباته فوراً، وفي الوقت ذاته يضطهدون حقه البسيط في أخذ صورة ضوئية من الأوراق، وكأن الملف قد تحول بقدرة قادر إلى مخطوطة أثرية نادرة يُخشى عليها من اللمس والتآكل، أو كأنه سر من أسرار الدولة العليا يُمنع على أطراف الخصومة الاستعانة به! إنه لسلوك يبعث على الشفقة والتهكم في آن؛ كيف يُطالب محامٍ بصياغة دفاع قانوني متماسك، وتفنيد أدلة الاتهام الشائكة بنداً بنداً، وهو يُمنع من الحصول على الأوراق ويُطلب منه الاعتماد على نظرات خاطفة اختلسها أثناء جلسة الاستجواب، أو على ذاكرة عابرة تجود بها القريحة في مجلس التحقيق؟ إن النيابة حين تحجب صورة الملف عن صاحب المصلحة الأصيل، إنما تفقد التحقيق حيدته وجديته، وتحيل النص التشريعي في المادة (125) إلى مجرد ديكور شكلي يزين كتب القانون دون أثر في الواقع العملي؛ إذ كيف يُلزم المحقق بإثبات وتحقيق أوجه الدفاع التي يرى الخصوم تقديمها، وهو يُجرّدهم في الوقت ذاته من المادة الخام التي يُبنى عليها هذا الدفاع؟ إن العدالة المنصفة لا تُدار بمنطق الألغاز أو بأسلوب “الغميضة” الإجرائية، والتمكين المادي من أوراق القضية ليس منةً يجود بها المحقق، بل هو الركن الركين الذي يبسط للعدالة أجنحتها، وبدونه أُمْسي النص التشريعي قشوراً خاوية تنكشف أمام أدنى تدقيق قانوني حصيف.
* مادة (151): …، ولمن ضبطت عنده الأشياء أن يأخذ بياناً بها موقعاً عليه ممن أجرى الضبط ومن الشهود.
تؤكد هذه المادة حق من ضبطت عنده الأشياء أو المتهم في الحصول على بيان كتابي موقع وموثق بالمضبوطات، وهو صورة صريحة من صور التمكين المادي المباشر.
* مادة (153): تبقى الأشياء التي صدر الأمر بضبطها مضبوطة طالما كانت لازمة للتحقيق أو للفصل في القضية. ولكل شخص يدعي حقاً على الأشياء المضبوطة ولمن له اعتراض على ضبطها أو بقائها مضبوطة سواء كان المعترض هو من ضبطت لديه هذه الأشياء أو كان شخصاً آخر أن يطلب من المحقق أن يسلمها إليه وله في حالة الرفض أن يتظلم إلى المحكمة المختصة التي تفصل في هذا التظلم منعقدة في غرفة المداولة بعد الاطلاع على أوراق التحقيق وسماع أقوال المتظلم إن رأت ضرورة لذلك فإذا كان الشيء المضبوط مما تعد حيازته جريمة في حد ذاتها جاز للنيابة أن تأمر بمصادرته أو إتلافه بعد الاحتفاظ بما يلزم من عينات منه وفقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن.
يرسم هذا النص مساراً إجرائياً وحقاً ممتداً للخصوم والمضبوط عندهم للطعن والتظلم من قرارات الحجز والضبط؛ إذ أتاح للمتضرر طلب استرداد الأشياء أو الاعتراض على بقائها، ورتب له حق التظلم أمام المحكمة المختصة في حال الرفض. وهنا يكمن المفصل القانوني الحاسِم: كيف يتسنى للمتهم أو ذوي الشأن صياغة اعتراض سائغ، أو بناء تظلم قضائي موضوعي أمام المحكمة، دون الوقوف الدقيق والتفصيلي على محاضر ضبط هذه الأشياء وأسباب بقائها ومكان تدوينها في ملف النيابة؟ إن طلب التسليم أو التظلم من الرفض يحتاج سنداً كتابياً وفنياً يبين كنه المضبوطات وأهميتها للتحقيق من عدمه، وحرمانه من صور الملف يسلبه وسيلة الإثبات ويجعل حقه في التظلم المنصوص عليه إجرائياً مجرد حق معطل لا أثر له في الواقع العملي.
* مادة (177): يقصد بالاستجواب علاوة على توجيه التهمة إلى المتهم مواجهته بالدلائل والأدلة القائمة على نسبة التهمة إليه ومناقشته فيها تفصيلاً. ويجب على المحقق أن يكفل للمتهم حقوق الدفاع كاملة وعلى الأخص حقه في تفنيد ومناقشة الأدلة القائمة ضده. وللمتهم في كل وقت أن يبدي ما لديه من دفاع أو يطلب اتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق ويثبت جميع أقواله وطلباته في المحضر.
تقيم هذه المادة دعائم الجلسة الإجرائية الأكثر أهمية في مرحلة التحقيق الابتدائي، حيث ألزمت المحقق بكفالة «حقوق الدفاع كاملة»، وحصرت ذلك بوضوح في حق المتهم في «تفنيد ومناقشة الأدلة القائمة ضده». والتفنيد والمناقشة التفصيلية لمطالب الاتهام وأدلته يستحيل تحققهما على وجه الدقة والحيدة والعدالة اعتماداً على الذاكرة المجردة أو السماع العابر في مجلس التحقيق؛ فالأدلة قد تكون أوراقاً أو تقارير أو أقوالاً تتطلب دراسة متأنية ومقابلة بين أجزائها. وعليه، فإن تسليم صورة كاملة من الملف للمتهم ودفاعه يُعد شرطاً للتمكين من هذا التفنيد، وبدونه يُحرم الدفاع من أخص مقومات الحماية وتُسلب منه أسباب المدافعة المكفولة صراحة بموجب هذا النص.
* بيد أن المفصل القانوني الحاسِم الذي يقطع دابر كل تعلل، ويهدم حجة “المنع والسرية” من أصولها، يتجلَّى في الهندسة التشريعية الباهرة للمادة (180) من قانون الإجراءات الجزائية التي نصت صراحة على أنه: (يسمح للمحامي بالاطلاع على التحقيق في اليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة…).
إن التدقيق الأصولي في عمق هذا النص يكشف عن قاعدة آمرة لا تقبل التجزئة؛ فإذا كان المُقنّن قد فرض على المحقق تمكين المحامي من كشف أوراق الملف والوقوف عليها قبل الاستجواب بـ 24 ساعة ليتأهب للمدافعة، فمن باب أولى وألزم (بقياس الأولوية القطعي) أن يُسلم صورة مادية كاملة من هذه الأوراق ليتمكن من ممارسة حقه في الدفاع الشامل؛ إذ كيف يستقيم عقلاً وقانوناً أن يمنح التشريع حق المعرفة التمهيدية قبل الأسئلة، ثم يُحرم الدفاع من النسخة المادية ليصوغ دفوعه ويستخرج التناقضات؟ إن القول بأن الاطلاع مسموح بالعين وممنوع بالتصوير هو مصادرة على المطلوب، وتأويل عقيم يفرغ النص من غايته؛ إذ كيف يُطالب محامٍ بتفنيد أدلة اتهام وتقارير فنية في قضايا الجسائم بناءً على ذاكرة مُجرَّدة وقراءة خاطفة تحت عين المُحقّق؟ إن سرية التحقيق تقرَّرت في مواجهة الكافة والجمهور، أما المتهم ودفاعه فهما أصل الخصومة، وحجب صورة الملف عنهما تحت شماعة “الممنوع قانوناً” ليس إلا إهداراً صريحاً للمادة (180)، وإخلالاً جسيماً بحق الدفاع يوصم إجراءات التحقيق بالبطلان.
* مادة (182): عند حضور المتهم لأول مرة في التحقيق يجب على المحقق أن يتثبت من شخصيته ثم يحيطه علماً بحقيقة التهمة والوقائع المسندة إليه وتعريفه بأنه حرٌّ في الإدلاء بأية إيضاحات ويثبت أقواله في المحضر. ويجب على المتهم بارتكاب جريمة القذف أو السب بطريق النشر في إحدى الصحف أو غيرها من المطبوعات أن يقدم للمحقق عند أول استجواب له وعلى الأكثر في السبعة الأيام التالية بيان الأدلة على كل فعل مسند إلى موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة وإلا سقط حقه في إقامة الدليل المنصوص عليه في قانون العقوبات.
تستند المادة (182) إلى ركيزة أصولية لا تقبل التجزئة تتمثل في كفالة الإحاطة الشاملة للخصم؛ فالإحاطة بحقيقة التهمة والوقائع لا تتحقق شفاهاً فقط بل بالتسليم المادي لصورة أوراق الاتهام، وبغير ذلك يُمسي التكليف بتقديم أدلة الدفاع خلال آجال محددة تكليفاً بما لا يطاق وحرماناً غير مشروع من أسباب المدافعة.
* مادة (192): يجب على كل عضو من أعضاء النيابة العامة زيارة المنشآت العقابية الموجودة في دائرة اختصاصه والتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية. وله أن يطلع على دفاترها وأوامر القبض والحبس وأن يأخذ صوراً منها وأن يتصل بأي محبوس ويسمع منه أي شكوى يريد أن يبديها له. وعلى مديري هذه المنشآت أن يقدموا له كل مساعدة لحصوله على المعلومات التي يطلبها.
تتجلى الحكمة الإجرائية في هذا النص من خلال تقرير مبدأ الرقابة القضائية الشاملة على مشروعية الحبس، حيث أوجب على عضو النيابة المعاينة، ومنحه الحق في «أن يأخذ صوراً منها» -أي من دفاتر وأوامر القبض والحبس- للتحقق من القانونية. وإذا كان النظام الإجرائي قد حرص كل الحرص على منح عضو النيابة حق الحصول على صور مادية من السجلات والأوامر للتحقق من مشروعية الحبس وتجريد أي إجراء غير قانوني من أثره، فإن ذات المنطق القانوني والسند العدلي يوجب تمكين المتهم المحبوس أو دفاعه من الحصول على صور ملف القضية وأوامر حبسه لتقديمها للجهات القضائية المختصة والطعن في مشروعيتها؛ إذ لا يستقيم أن يُقر التشريع أخذ الصور وسيلة للتحقق والرقابة لمن يملك السلطة، ثم يحرم منها صاحب المصلحة الأصيل المهدد بسلب حريته.
وتأسيساً على كل ما تقدم، يتضح جلياً أن أوراق التحقيق ومحاضر الاتهام ليست دثاراً سِرّياً تُحجب به الحقيقة، ولا ملكاً خاصاً يُضنى في استجدائه الدفاع، بل هي الميزان المادي الذي تقام عليه حيدة التحقيق واستقامة العدالة؛ فتمكين المتهم ومحاميه من نسخة من الملف ليس نافلةً يُستجدى عطفها، بل هو جوهر ضمانات الدفاع العادلة وركنها الركين. وإن أي تعللٍ بالرفض أو توشحٍ بعبارات الْمَنْعِ وَالْحَظْرِ الصورية لا يُمثل إلا اعتلاءً على صريح القانون، ونكوصاً عن أصول المحاكمة المنصفة، واهتزازاً لثقة الخصوم في مجريات التحقيق الابتدائي؛ إذ كيف تُصان حرية الإنسان، وكيف يستقيم ميزان العدل على أرض الواقع، إذا غدا الحق في المعرفة والاطلاع مجرد حبرٍ على ورق تُغلق دونه الأبواب وتُحجب عنه الأوراق؟
yemenat
مشاهدة لماذا يرفض أعضاء النيابة تصوير الملف وتمكين المتهم من صورة منه
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لماذا يرفض أعضاء النيابة تصوير الملف وتمكين المتهم من صورة منه قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لماذا يرفض أعضاء النيابة تصوير الملف وتمكين المتهم من صورة منه؟.
في الموقع ايضا :
- عضو مجلس القيادة الخنبشي يؤكد أهمية تعزيز الخطاب الديني لمواجهة الفكر الحوثي ويشدد على توحيد الجبهة الداخلية
- سفارة بلجيكا بتونس تحتفي بـ70 عامًا من العلاقات الثنائية: شراكة استراتيجية واستثمارات جديدة ترسم ملامح المستقبل
- سفن إسرائيلية وأميركية وسعودية تحت تهديد الحوثيين في البحر الأحمر.. تحذير أوروبي جديد