ويظل هذا، بطبيعة الحال، عرضاً تأطيرياً حكومياً يهدف أولاً إلى تقديم المسار الرسمي وحصيلة العمل العمومي. والنتائج المعروضة في شموليتها جديرة بالاعتراف، لكن التحديات البنيوية والمخاطر التي قد تؤثر في هذا المسار، والاختيارات التي قد تترتب عن هذه المخاطر، تظهر كلها بصورة أقل وضوحاً.
يركز العرض بقوة على صمود الاقتصاد، ويرتكز التشخيص إلى حد بعيد على مفاهيم توطيد المكتسبات، وثقة الأسواق، والاستقرار الكلي. وتُعزى الصعوبات بشكل رئيسي إلى صدمات خارجية مثل التوترات الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة، والجفاف أو تباطؤ اقتصادات الشركاء. هذه القراءة مشروعة لكنها غير مكتملة؛ فالأداء المسجَّل نتج بلا شك عن الإصلاحات المفعَّلة، لكن تقييمها ينبغي أن يدمج أيضاً القيود الداخلية، مثل تأخر تنفيذ المشاريع، والفعالية المتفاوتة لبعض السياسات العمومية، وبطء بعض الإصلاحات، والصعوبات المستمرة في تحويل النمو إلى تشغيل.
نمو لا يزال مدفوعاً في الغالب بانتعاش النشاط الفلاحي
يمثل توقع نمو بنسبة 5.3% في 2026 مصدراً للرضا في العرض الذي قدمته وزيرة المالية، إلا أن هذه النتيجة تستدعي تفسيراً حذراً، إذ تعتمد بشكل كبير على إنتاج استثنائي في النشاط الفلاحي بعد عدة مواسم عانت فيه البلاد بشدة من توالي موجة الجفاف. ارتفاع القيمة المضافة الفلاحية يعكس، قبل كل شيء، أثراً استدراكياً مؤقتاً وغير مستدام. الاقتصاد غير الفلاحي يُظهِر نوعاً من الدينامية أيضاً، لكن وتيرته تغدو أبطأ. هذا التمييز جوهري: تحسّن ظرفي في الإنتاج الزراعي لا يكفي لإثبات تحول دائم في الاقتصاد.
يركز العرض أساساً على معدل نمو الناتج الداخلي الخام. ومع ذلك، فحجم الثروة المحقق لا يكفي لتقييم الأداء الاقتصادي لبلد ما. يمكن أن تتعايش نسبة نمو تبلغ 5% مع بطالة مرتفعة، أو دخول راكدة لا تتحرك، أو تفاوتات ترابية مستمرة. لذا، سيستفيد التقييم من دمج المزيد من المؤشرات المتعلقة بالدخل الحقيقي للأسر، ونسب الفقر، والعمل غير الرسمي، والبطالة بين الشباب والخريجين، ومشاركة النساء في سوق العمل، والفوارق بين الحواضر والبوادي.
التشغيل: الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية
من بين كل المؤشرات الاقتصادية، يبدو أن التشغيل هو الأكثر ارتباطاً بمدى فعالية السياسات العمومية. ومع ذلك، لم يخصص العرض لهذا الأمر التفصيل الكافي. ذكر العرض أن معدل البطالة بلغ 10.8% وفق منهجية جديدة، مع الإقرار بأن هذا القياس لا يُقارَن مباشرة بالأنماط الإحصائية السابقة. هذا التغيير المنهجي مبرَّر، لكنه يصعِّب معه تقييم التقدم المحقق.
يربط العرض بين انخفاض التضخم وتحسّن تدريجي في القدرة الشرائية، لكن هذا الاستنتاج بحاجة إلى توضيح. تراجع التضخم يعني ببساطة أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ؛ لكنه لا يدل على عودة الأسعار إلى مستويات سابقة. بعد سنوات من الارتفاع، لا تزال أسعار السكن والتغذية والنقل والطاقة مرتفعة إلى حد كبير. التطور الحقيقي للقدرة الشرائية يتوقف على الفجوة بين نمو الدخل ونمو الأسعار. ويتطلب ذلك فحص الدخل الحقيقي المتاح للأسر، ووزن النفقات الإجبارية، والتأثيرات المتفاوتة للتضخم بين الفئات الاجتماعية.
من منطق الوسائل إلى ثقافة النتائج
أوضح ما في العرض هو استمرار الدولة في تمويل الاستثمار والسياسات العمومية رغم محيط دولي غير مستقر. فقد شهدت الإمكانات المُخصَّصة للحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، والبنيات التحتية، وتدبير الماء، وتنفيذ مخرجات الحوار الاجتماعي تقدماً ملحوظاً. ويعكس ذلك إرادة سياسية واضحة، لكنه غير كافٍ وحده لتقييم فعالية العمل العمومي. فالحكم على السياسات لا ينبغي أن يقتصر على حجم الموارد المعبأة، بل على النتائج المحققة فعلياً.
هل تقلّصت مُدَدُ الولوج إلى الرعاية الصحية؟
هل أصبح الولوج إلى الخدمات أيسر للمستفيدين من البرامج الاجتماعية؟
هل تُنجَز البنى التحتية في الآجال المحددة وبالتكلفة المتوقعة؟
يؤكد عرض الوزيرة مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم، ودعم التشغيل، وتنفيذ نتائج الحوار الاجتماعي، مع إبقاء العجز الميزانياتي في حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعكس هذا توجهاً طموحاً يجمع بين ترسيخ الدولة الاجتماعية والحفاظ على التوازنات الكلية. السؤال الأساسي يبقى حول تمويل هذا الطموح على المدى الطويل. معظم الإصلاحات المفعّلة تولد نفقات دائمة، ولذلك لا يمكن تمويلها بشكل مستدام عبر موارد استثنائية أو ظرفية.
نجاح الدولة الاجتماعية يعتمد أقل على الإعلان عن برامج جديدة وأكثر على القدرة على ضمان تمويلها دون المساس بالاستثمار المنتج أو استقرار المالية العمومية.
برمجة ينبغي أن تقاوم السيناريوهات غير المواتية
لا ينبغي أن تكتفي البرمجة متعددة السنوات بسيناريو مركزي؛ بل عليها أن تعرض كيف ستتفاعل المالية العمومية إذا ساءت الفرضيات، مثل: تباطؤ أعمق في الاقتصاد الأوروبي، أو ارتفاع دائم لأسعار الطاقة، أو إيرادات ضريبية أقل من المتوقع، أو تفاقم التوترات الجيوسياسية.
وينطبق أيضاً على الفلاحة: اعتماد محصول حبوب متوسط قدره 70 مليون قنطار قاعدة عمل مقبولة لكنها لا تعكس التقلبات المناخية المتزايدة؛ تتابع مواسم الجفاف سيؤثر ليس على القطاع الفلاحي وحده بل سيمتد إلى النمو، والتشغيل القروي، وتضخم أسعار المواد الغذائية، والواردات، والمالية العمومية والموارد المائية.
يُبرِز العرض تقدم الاستثمار الأجنبي المباشر ودينامية القطاعات المصِّدرة، ما يعكس جاذبية متنامية للاقتصاد المغربي واندماجه في سلاسل القيمة الدولية. في المقابل، يظل العجز التجاري مرتفعاً وتنمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، وهو ما يستدعي اهتماماً خاصاً.
كذلك، فإن القيمة الإجمالية للصادرات الصناعية لا تكفي لقياس مساهمتها الحقيقية في الاقتصاد الوطني؛ مستوى الاندماج المحلي، وحصة الموردين المغاربة، والقيمة المضافة المُنتَجة فعلاً في المغرب ومناصب الشغل تبقى مؤشرات حاسمة.
القضية لا تنحصر في جذب مزيد من الاستثمارات أو تعزيز الصادرات فحسب، بل في الرفع من القيمة المستدامة المحقَّقة للاقتصاد المغربي.
الاستثمارات الكبرى والأحداث الدولية: إلزامية الشفافية
ولذلك فحجمها يتطلب تقديماً ميزانياتياً أكثر تماسكاً: فالعرض لا يتطرق إلى الكلفة الإجمالية لهذه الالتزامات، ولا إلى توزيعها بين الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص، ولا إلى الأعباء المستقبلية الناجمة عن الإنجاز والصيانة. لن تقاس جدوى هذه الاستثمارات بإنجازها قبل المواعيد الرياضية فحسب، بل بفائدتها الاقتصادية والاجتماعية بعد انتهاء هذه الأحداث. العرض الشامل لهذه الالتزامات سيعزز الشفافية الميزانياتية ويسهل المتابعة البرلمانية ويسهل من إمكانية تقييم جدواها.
ومع ذلك، تظل هذه النسبة مؤشراً جزئياً وغير كافٍ. تعتمد استدامة الدين على قيمته المطلقة، تكلفته، آجاله، هيكلته حسب العملة وأنواع الفوائد، فضلاً عن مخاطر إعادة التمويل في سياق مالي دولي أكثر تقلباً.
في ميدانَي العجز والديون، قوة التحليل لا تكمن في مؤشر واحد بقدر ما تكمن في تقييم شامل للمخاطر.
التقارير الدولية تعزّز المصداقية المالية لكنها لا تغني عن التقييم الوطني
لكن هذه التقديرات ينبغي وضعها في نصابها الصحيح: وكالات التصنيف تقيِّم أساساً قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ولا تقيس جودة الخدمات العمومية، أو فعالية السياسات الاجتماعية، أو تطور مستوى عيش المواطنين.
خاتمة: جعل البرمجة الميزانية أداة حقيقية للأداء العام
يُبين عرض الوزيرة أن المغرب يسلك مساراً اقتصادياً متسقاً، مستنداً إلى مكتسبات لا يمكن إنكارها: تحسن الإيرادات الضريبية، والتحكم التدريجي في العجز، واستقرار الدين، ومواصلة الاستثمارات الهيكلية وترسيخ الدولة الاجتماعية. ويشكل هذا قاعدة صلبة لفهم التوجهات المتبناة حتى 2029.
هل يتحول النمو إلى خلق مزيد من مناصب الشغل الدائمة، والرفع من الدخل وتقليص عدم المساواة؟
هل تُحسِّن الاستثمارات العمومية فعلاً جودة الخدمات، وتعزِّز تنافسية الاقتصاد وتُقلِّل من الفوارق المجالية؟
هل كل درهم مُنْفَق يؤدي إلى نتيجة قابلة للقياس لدى المواطنين؟
ميزانية 2027–2029 .. بين صمود الاقتصاد وتحدي فعالية العمل العمومي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة ميزانية 2027 ndash 2029 بين صمود الاقتصاد وتحدي فعالية العمل العمومي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ميزانية 2027 2029 بين صمود الاقتصاد وتحدي فعالية العمل العمومي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ميزانية 2027–2029 .. بين صمود الاقتصاد وتحدي فعالية العمل العمومي.
في الموقع ايضا :
- المقررة الأممية لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية : المستوطنون يهاجمون الفلسطينيين والجيش يدعمهم في ذلك عاجل
- “قوات التحالف”: نفذنا عملية رد عسكري متناسبة لأهداف عسكرية مشروعة تابعة للمليشيا الحوثية الإرهابية في الحديدة
- القمة الأفريقية الأولى للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني… ثلاثة أيام صنعت رؤية جديدة لمستقبل أفريقيا الرقمي