ماذا رأينا في ذلك المقطع؟ رأينا جسدا محاصرا، ونفسا يضيق، وصوتا يضعف، وأعينا تراقب، وأيْدِيًا تملك القوة، فيما الحياة تنسحب ببطء من إنسان ظل يعلن عجزه عن التنفس. هل كان يحتاج المشهد إلى مزيد من الصراخ حتى يفهم الواقفون أن الخطر صار وشيكا؟
شاهدتُ المقطع مثلَ غيري فتمنَّيت لو أنني لم أشاهده. بعض الصور تمر أمام العين ثم تختفي، وهذه الصور دخلت الذاكرة بعُنف واستقرَّت فيها مثل جرح مفتوح. رأيت جسدا ملقى على الأرض، وأيدي تحاصره، ووجها يلامس الإسفلت، وصوتا يتضاءل تحت ثقل الخوف والعجز. لم أر مجرما يهدد مدينة، رأيت إنسانا يستغيث بمن يفترض فيهم أن يحموا حياته.
ما أقسى أن يموت المرء وهو يشرح موتَه لمن يقفون حوله. ما أقسى أن يصرخ: «لا أستطيعُ التنفس»، ثم لا يجد في الوجوه القريبة منه خوفا يوازي خوفه، ولا استعجالا يليق بحياة تنسحب أمامهم. كانت كلماته تقريرا فوريا عن انهيار جسده، وكانت حركته المتعبة إنذارا واضحا، وكان صمته الأخير دليلا لا يحتاج إلى مترجم.
كيف حضر الأمن وغاب الأمان؟ كيف وقفت الخبرة الطبية قريبة من الجسد ولم تمنع النهاية؟ التحقيق وحده يحدد المسؤوليات الجنائية، أما الضمير فيعرف منذ اللحظة الأولى أن إنسانا مات بطريقة لا يجوز لأي مجتمع يحترم الكرامة أن يقبلها.
كان عبد الرحيم أكثر من اسم في عنوان إخباري. عاش سنوات طويلة في إيطاليا، عمل، وأنشأ نشاطا صغيرا في التنظيف ونقل الأثاث، وحمل همومه كما يحمل ملايين المهاجرين همومهم في مدن لا تمنحهم دائما الشعور الكامل بالانتماء. كان له أهل ينتظرون صوته، وامرأة عرفت تفاصيل أيامه، وعائلة رأت في المقطع نهاية رجل من لحم وذاكرة وحكايات.
آخر ما رآهُ عبد الرحيم
لا يجوز أن يتحول الغضب على موته إلى اعتداء أعمى، يجب أن يتحول الغضب إلى ضغط قانوني وإعلامي وحقوقي لا يهدأ، وإلى مطالبة بتشريح مستقل، وتحقيق شفاف، ونشر كامل للتسجيلات، وفحص دقيق لتصرفات عناصر الشرطة وطواقم الإسعاف، ومحاسبة كل من يثبت أنه أخطأ أو أهمل أو تجاوز سلطته. العدالة لا تحتاج إلى انتقام، تحتاج إلى حقيقة كاملة لا تحميها الرُّتب ولا تخنقها المصالح السياسية.
لا تخص قضية عبد الرحيم فقير المغاربة وحدهم، ولا تخص المهاجرين وحدهم، ولا تخص مدينة بولونيا وحدها. إنها تختبر معنى الدولة حين تستخدم القوة، وتختبر قيمة الإنسان حين يبدو ضعيفا ومضطربا وغريبا، وتختبر قدرة العدالة على النظر في عيون السلطة من غير خوف. المجتمع الذي يسمح بمرور هذا المشهد من دون مراجعة صارمة يهيئ الأرض لمشهد آخر وضحية أخرى واستغاثة أخرى.
رحم الله عبد الرحيم فقير، وصبَّر أسرته، وأنصفه بعد موته. لعل العدالة تعيد لاسمه بعض ما سلبته منه تلك اللحظات القاسية. لا تستطيع العدالة أن تعيد إليه أنفاسه، لكنها تستطيع أن تمنع تحويل موته إلى رقم، وأن تقول بوضوح إن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة حين يضطرب، ولا يفقد كرامته حين تسقطه القوة أرضا، ولا يصبح جسده مباحا حين يحمل اسما مغربيا في شارع أوروبي.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
حين مَاتَ الصَّوْتُ أمَام العُيون Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة حين م ات الص و ت أم ام الع يون
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين م ات الص و ت أم ام الع يون قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين مَاتَ الصَّوْتُ أمَام العُيون.
في الموقع ايضا :