فقاعات الترشيح الرقمية !! ...مصر

اخبار عربية بواسطة : (جريده المساء) -

»» كيف تُحاصر الخوارزميات تفكيرنا في واقع افتراضي مصغّر ؟!

بقلم: د.رضا عادل فاضل (أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة منيسوتا الأمريكية، مقررة اللجنة العلمية  بالاتحاد العربي للإعلام والثقافة)

في صباح يوم عادي، تستيقظ وتفتح هاتفك الذكي، المحتوى الذي يظهر أمامك يبدو مألوفاً، مُعدّاً خصيصاً لك كأنّ شخصاً ما يعرف أذواقك وميولك بشكل حميمي،الأخبار التي تقرأها تعكس آراءك، والفيديوهات التي تشاهدها تُعجبك، والتعليقات التي تراها تُشاركك الرأي، يبدو كل شيء متناسقاً وممتعاً، لكن هناك ظاهرة خطيرة تحدث خلف الكواليس: أنت داخل فقاعة، هذه الفقاعة ليست حقيقية بالمعنى الحرفي، لكن تأثيرها على واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي حقيقي جداً، إنها نتيجة حتمية لتطور التكنولوجيا والخوارزميات الذكية التي تدير عالمنا الرقمي بصمت، هذه الفقاعات أصبحت أحد أكثر التحديات الإعلامية إثارة للقلق في القرن الحادي والعشرين، لأنها لا تُشكّل فقط الطريقة التي نستقبل بها المعلومات، بل تُشكّل أيضاً آراءنا وتصوّراتنا عن العالم من حولنا.

يُعتبر الباحث والمنظّر الإعلامي الأمريكي إيلي بارايزر (Eli Pariser)  من أوائل من اكتشفوا هذه الظاهرة وأعطاها اسماً وتعريفاً علمياً واضحاً، في عام 2011، نشر كتابه الشهير “The Filter Bubble” الذي أحدث ضجة كبيرة في أوساط الإعلاميين والباحثين الأكاديميين، ففي هذا الكتاب، قدّم بارايزر فكرة مزعجة وفي الوقت ذاته بسيطة: أنّ شركات التكنولوجيا الكبرى مثل “جوجل” و”فيسبوك” قد أنشأت دون قصد (أو ربما بقصد) محركات قادرة على استشراف تفضيلاتنا وعزلنا تدريجياً في فقاعات معلوماتية خاصة، في الواقع، لم يكن “بارايزر” الوحيد الذي لاحظ هذه الظاهرة، لكنه كان الأكثر براعة في توصيل الفكرة للجمهور العام قبل ظهور كتابه، كان الباحثون يناقشون مفاهيم قريبة مثل “الاستقطاب الإدراكي والانتقائية في استهلاك المعلومات، لكن بارايزر أعطى لهذه الظاهرة الحديثة قالباً جديداً، ربطها مباشرة بالخوارزميات الرقمية وتأثيراتها على المجتمع.

وتُعرّف فقاعة الترشيح بأنها: تلك المساحة الرقمية الشخصية التي يعيش بداخلها كل مستخدم على الإنترنت، والتي يتم تشكيلها بواسطة خوارزميات حاسوبية متطورة تجمع معلومات عن سلوك هذا المستخدم، ثم تختار وتصفّي المحتوى الذي يتم عرضه له بناءً على هذه المعلومات، فالنتيجة النهائية هي أنّ كل شخص يرى نسخة مختلفة من الإنترنت، نسخة مصفاة ومخصصة بناءً على توقعات الخوارزمية حول ما قد يعجبه، دون أن يعرف أنّ هذا الاختيار يجري خلف الكواليس، ولكي نفهم حقاً كيف تحاصرنا هذه الفقاعات، يجب أن ننظر إلى الآليات التقنية التي تعمل بصمت في خلفية الشاشة، ففي البداية، تقوم الخوارزميات بعملية جمع بيانات ضخمة عن سلوكك الرقمي، هذه البيانات ليست مقتصرة على ما تنقر عليه فقط، بل تشمل معلومات تفصيلية جداً: الصفحات التي تزورها، الوقت الذي تقضيه على كل منشور، الفيديوهات التي تشاهدها حتى نهايتها، الحسابات التي تتابعها، بل حتى السرعة التي تتحرك بها عبر الشاشة، كل هذه البيانات تُجمّع وتُخزّن وتُحلّل بواسطة أنظمة حاسوبية متقدمة، وبعد جمع هذه الكميات الضخمة من البيانات، تبدأ الخوارزمية بعملية التصنيف،  وتُقارن نمط سلوكك بأنماط آلاف أو ملايين المستخدمين الآخرين الذين يتشاركون معك بعض الصفات أو الاهتمامات، تخيّل أنّ هناك ملايين من الأشخاص يسيرون في نفس الاتجاه الذي تسير أنت فيه،فالخوارزمية تجد من يسير بجانبك وتُلاحظ نمط حركتهم، ثم تتنبأ بأنّك ستسير في نفس الاتجاه الذي ساروا فيه، فتُرتّب لك الطريق بناءً على هذا التنبؤ.

والآن يأتي الجزء الأكثر براعة وخطورة من العملية، بعد أن تكوّنت الخوارزمية فهماً عن ذوقك وتفضيلاتك، تبدأ بالتنبؤ بما قد تحبه في المستقبل، وهنا يحدث الأمر المثير: الخوارزمية لا تعرض لك فقط ما تحبه، بل تبدأ بإخفاء ما قد لا تحبه، إنها تعرّفت على أنك تميل لقراءة أخبار معينة، فتبدأ بإظهار المزيد من هذا النوع من الأخبار، وفي نفس الوقت تُخفي الأخبار التي قد لا تتفق معها أو لا تتوافق مع تنبؤاتها، هذا الاختيار يجري تلقائياً وبدون أي تدخل بشري، بسرعة الضوء تقريباً، وهكذا تتشكّل الفقاعة تدريجياً، لا تحدث هذه العملية بين ليلة وضحاها، بل تحدث على مراحل صغيرة جداً، حتى أنك قد لا تلاحظ التغيير، كل يوم تشاهد محتوى أكثر توافقاً مع آرائك، كل أسبوع يضيق نطاق وجهات النظر التي تتعرّض لها، كل شهر تجد نفسك تعيش في عالم معلوماتي مختلف تماماً عن عالم شخص آخر على بعد كيلومترات قليلة منك.

لكي نشعر فعلاً بخطورة هذه الظاهرة، دعنا ننزل من مستوى التجريد النظري إلى أمثلة محسوسة من حياتنا اليومية، تخيّل شخصاً يهتم بالسياسة، وبدأ بقراءة مقالات تدعم حزباً سياسياً معيناً، في البداية، كان يرى محتوى متنوعاً على موقع التواصل الاجتماعي، لكن بمرور الوقت، كلما أعجب بالمنشورات التي تدعم هذا الحزب، بدأت الخوارزمية بفهم نمطه، بعد أسابيع قليلة، وجد نفسه يرى فقط المنشورات التي تدعم حزبه، والمقالات التي تنتقد الأحزاب الأخرى، والتعليقات التي تؤيد وجهات نظره، الأحزاب الأخرى اختفت من موجته بشكل تام تقريباً، الآن يعتقد هذا الشخص أنّ معظم الناس يؤيدون حزبه، وأنّ الأغلبية تتفق معه، في حين أنّ هذا ليس إلا انعكاساً للفقاعة التي يعيش فيها.

الآن قد تتساءل: إذا كانت كل هذه الفقاعات موجودة، فلماذا نشعر بالقلق؟ الإجابة بسيطة ومخيفة في نفس الوقت: لأنّ هذه الفقاعات تُعيد تشكيل المجتمع بأكمله بطرق خطيرة جداً!

أولاً: تسبب الفقاعات استقطاباً سياسياً متطرفاً، عندما يعيش الأشخاص في فقاعات منفصلة، حيث يسمعون فقط الآراء التي تتفق مع معتقداتهم، يحدث شيء نفسي معروف يُسمّى الاستقطاب الجماعي أو الجموح الجماعي، كل فرد في الفقاعة يُعزّز آراء الآخرين، الجميع يصبحون أكثر تطرفاً وأكثر ثقة بآرائهم، الآراء المعتدلة والحكيمة تختفي، والآراء المتطرفة تصبح هي القاعدة، هذا ما حدث في الانتخابات الأمريكية والبريطانية وغيرها: اكتشف الدارسون أنّ الناخبين في فقاعات مختلفة كانوا يعيشون بحرفياً في واقعيات مختلفة تماماً.

ثانياً: تُحطّم الفقاعات المناطق المشتركة بين الناس، في الماضي، حتى عندما اختلف الناس سياسياً أو فكرياً، كانوا يشاركون على الأقل حقائق أساسية مشتركة، كانوا يقرأون نفس الأخبار، يشاهدون نفس البرامج التلفزيونية، يناقشون نفس الأحداث،الآن، كل شخص يعيش في واقع مختلف، لا تشاركك الأساس الحقائقي نفسه، عندما تحاول النقاش مع شخص من فقاعة مختلفة، يبدو الأمر كأنك تتحدث لغات مختلفة تماماً، لأنكما بحرفياً تستقبلان معلومات مختلفة.

ثالثاً: تُساعد الفقاعات على نشر المعلومات المضللة والأخبار الكاذبة بسرعة مذهلة، الخوارزميات، في سعيها لزيادة المشاركة والوقت المقضي على المنصات، تُفضّل المحتوى الذي يثير الانفعال والغضب والخوف، الأخبار الكاذبة غالباً ما تكون أكثر إثارة للانفعال من الحقائق، لذلك، في الفقاعات، تنتشر الأخبار الكاذبة بسرعة أعلى من الأخبار الحقيقية، دراسات من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)  أظهرت أنّ الأخبار الكاذبة تصل إلى ستة أضعاف الأشخاص أسرع من الأخبار الصحيحة على تويتر، وأخيراً، تُضعف الفقاعات من المعرفة المدنية والوعي السياسي للمواطن، لا يمكنك اتخاذ قرارات حكيمة بناءً على معلومات جزئية ومصفاة، فالديمقراطية تتطلب مواطنين مطّلعين يفهمون وجهات النظر المختلفة ويستطيعون تقييمها بشكل نقدي، الفقاعات تقضي على هذه الإمكانية.

هنا يأتي السؤال الطبيعي: هل يمكننا الخروج من هذه الفقاعات؟ والإجابة هي نعم، لكنها تتطلب جهداً واعياً على عدة مستويات:

على المستوى الفردي، يمكن لكل شخص أن يتخذ خطوات صغيرة لكن حقيقية: أولاً، يجب أن نُدرك أننا داخل فقاعة في المقام الأول، هذا الوعي هو نقطة البداية،  ثانياً، يمكننا بقصد واعٍ أن نبحث عن وجهات نظر تختلف عن آرائنا، هذا ليس سهلاً، لأنّ الخوارزمية لن تساعدنا في هذا، لكنه ممكن، ثالثاً، يجب أن نطور مهارات تحليل ونقد المحتوى، ليس كل ما يظهر على الإنترنت موثوق، يجب أن نتعلم كيفية التحقق من صحة المعلومات والتمييز بين الأخبار الموثوقة والمعلومات المضللة، رابعاً، يجب أن نتحاور مع أشخاص حقيقيين يختلفون معنا في الآراء، الحوار الحقيقي وجهاً لوجه يُعطينا فهماً أعمق للآراء المختلفة بطريقة قد لا يستطيع الإنترنت توفيرها، أمّا على المستوى المؤسسي والحكومي، فالحلول أكثر تعقيداً لكن أكثر أهمية أيضاً، أولاً، يجب أن نفرض شفافية على شركات التكنولوجيا الكبرى، يجب أن تُعلن هذه الشركات كيف تعمل خوارزمياتها بالضبط، وكيف تؤثر على المستخدمين، المستخدمون يستحقون أن يعرفوا أنهم داخل فقاعة، ثانياً، يجب دعم وسائل الإعلام المستقلة والموثوقة كبديل حقيقي للمحتوى المخصص، الصحف والمجلات والقنوات الإعلامية الموثوقة تلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على توازن المعلومات، ثالثاً، يجب أن ندرج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج التعليمية من المرحلة الابتدائية، الأطفال والشباب يجب أن يتعلموا كيفية التعامل مع المعلومات الرقمية بشكل نقدي وذكي، رابعاً، يجب تطوير تشريعات قانونية تحمي الخصوصية وتفرض الشفافية على هذه الشركات، فالاتحاد الأوروبي بدأ بخطوات في هذا الاتجاه مع قانون الخصوصية العام (GDPR)، لكن هناك الكثير بعد يُعمل عليه.

فقاعات الترشيح ليست حادثة عارضة أو مشكلة بسيطة يمكن تجاهلها، إنها تحدٍّ وجودي حقيقي يهدد أساس المجتمعات الديمقراطية والحوار الإنساني الحقيقي، لقد بنينا عالماً رقمياً يُفترض به أن يربط الناس ويُوسّع آفاقهم، لكننا انتهى بنا إلى نفس هذا العالم يُقسّم الناس ويُضيّق رؤيتهم، لم تُصمّم هذه الخوارزميات بنية سيئة بالضرورة، مصمموها كانوا يحاولون حل مشكلة حقيقية: كيفية التعامل مع فيض لا نهائي من المعلومات على الإنترنت؟ لكن الحل الذي قدموه، في السعي لتحسين تجربة المستخدم وزيادة الأرباح، أنتج آثاراً جانبية خطيرة لم يتوقعوها بالكامل في البداية.

الآن نحن في لحظة حاسمة، يمكننا الاستمرار في تجاهل المشكلة وترك الفقاعات تنمو وتعمق الانقسامات، أو يمكننا أن نتحرّك بسرعة، على جميع المستويات، لإعادة تشكيل علاقتنا مع التكنولوجيا الرقمية، هذا لا يعني العودة إلى عصر ما قبل الإنترنت، بل يعني بناء إنترنت أكثر عدالة وشفافية وإنسانية.

الحل يتطلب مسؤولية مشتركة: مسؤولية الشركات التكنولوجية في إعادة النظر في تصميم خوارزمياتها وأولوياتها، مسؤولية الحكومات في سن قوانين تحمي المواطنين، مسؤولية المؤسسات التعليمية في تربية جيل يفهم التكنولوجيا ولا يُسيطر عليه، ومسؤوليتنا جميعاً كأفراد في أن نكون أكثر وعياً وانتقاداً وفضولاً حول المحتوى الذي نستهلكه، الفقاعة التي نعيش بداخلها قد تكون مريحة وآمنة بطريقة ما، لكنها ليست حرة، والحرية الفكرية والمعلوماتية هي إحدى أعظم قيمنا الإنسانية، إنّ الدفاع عن هذه الحرية وإعادة الاتصال الحقيقي بين الناس عبر الحدود والآراء ليس خياراً اختياري، بل ضرورة ملحة لمستقبل أفضل.

ظهرت المقالة فقاعات الترشيح الرقمية !! أولاً على جريدة المساء.

مشاهدة فقاعات الترشيح الرقمية

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فقاعات الترشيح الرقمية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فقاعات الترشيح الرقمية !!.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار