بقلم : أ.د. خالد فتحى سالم
(أستاذ بيوتكنولوجيا المحاصيل معهد الهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية ـ جامعة السادات)
عندما يصطدم العقل الإبداعي بالجدار الإداري على صفحات التواصل الاجتماعي، وفي أروقة الجامعات، ومختبرات مركز البحوث الزراعية والمركز القومي للبحوث، تدور بهدوء ودون ضجيج معركة علمية وطنية صامتة. مئات الباحثين والعلماء أمضوا عقوداً من أعمارهم يعصرون الخبرة والعلم لاستنباط سلالات ومحاصيل واعدة.
هؤلاء العلماء لم يأتوا من فراغ؛ بل هم نتاج لمدارس عريقة امتدت لأجيال، سافر آباؤها وأجدادها ومؤسسوها في بعثات علمية تاريخية إلى ألمانيا، والولايات المتحدة، ومختلف عواصم أوروبا والصين، ليعودوا حاملين أدوات المعرفة الحديثة.
لكن، وبينما تزخر أدراج الجامعات والمعاهد بأصناف وسلالات محلية ومستوردة متميزة تم العمل عليها لأكثر من عشر سنوات لتكون عالية المحصول، مبكرة النضج، ومقاومة لأقسى درجات الإجهاد الحيوي وغير الحيوي، تقف أمام جدار سميك من “البيروقراطية” المعقدة في لجان واختبارات تسجيل الأصناف.
في المقابل، يطل علينا بين الحين والآخر تقارير ومقالات صحفية تقارن بين الحالة المصرية وتجارب إقليمية وعربية أخرى — مثل تجربة الأردن في توطين صناعة تقاوي الخضر والمبيدات — متسائلة باستمرار عن سر نجاح تلك الدول وتأخر مصر.
ولكن، حين ننظر إلى المشهد من منظور أكاديمي بحت، وبصفتي أستاذاً لتربية المحاصيل وبيوتكنولوجيا المحاصيل، وعملت في برامج متميزة لتربية الأرز والبيوتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية (مروراً بالمدارس العلمية في ألمانيا وغيرها)، نكتشف أن الواقع يحمل تشخيصاً مغايراً تماماً، وأن الأزمة الحقيقية ليست في عجز العقول، ولا في نقص الإمكانات البشرية، بل في شروط الاعتماد وقواعد البيروقراطية، وغياب برامج قومية متكافئة للخضر والفاكهة مقارنة بنجاحات محاصيل الحقل التاريخية.
أولاً: لماذا نجحت مصر في محاصيل الحقل وتعثرت نسبياً في الخضر والفاكهة؟
إذا تأملنا خارطة الزراعة المصرية عبر التاريخ الحديث، سنجد أن مصر حققت معجزات حقيقية في محاصيل الحقل الاستراتيجية (مثل الأرز، والقمح، والذرة، والقطن).
السر يكمن بوضوح في: تراكم المدارس العلمية العريقة: امتلكت أقسام المحاصيل في الجامعات المصرية ومركز البحوث الزراعية برامج قومية متكاملة لتربية النبات منذ عقود طويلة. هذه البرامج لم تكن مجرد أبحاث أكاديمية حبيسة الأدراج، بل كانت “برامج أجيال” تتسلم فيها الأجيال الجديدة الراية من الرعيل الأول، متسلحة بأحدث علوم العصر عبر البعثات والمنح الخارجية المتميزة.
غياب نظيراتها في الخضر والفاكهة والزينة: في المقابل، لم تشهد قطاعات الخضر والفاكهة والزينة نفس الزخم التاريخي للبرامج القومية المستمرة. ورغم وجود محاولات حديثة، إلا أنها لا تدار بنفس النهج المؤسسي المتكامل الذي تميزت به محاصيل الحقل. ونتيجة لذلك، تعتمد السوق المصرية اليوم بنسبة تصل إلى 90% على استيراد تقاوي الخضر لتغطية الاحتياجات الهائلة للسوق المحلي.
ثانياً: المعضلة الكبرى.. “لجان التسجيل” وحصارات البيروقراطية
إن الحديث عن “عدم وجود أصناف مصرية متميزة” هو مجافاة تامة للحقيقة. الحقيقة العلمية الدامغة التي يمكن لأي متابع لمصانع الأفكار والبحوث في مصر أن يلمسها هي وجود عدد هائل من السلالات الواعدة والممتازة التي استنبطها باحثونا بعد كفاح استمر لأكثر من 10 سنوات لكل صنف.
ولكن، عندما يتقدم الباحث بنتاجه إلى لجان تسجيل الأصناف، يصطدم بمعوقات بيروقراطية وإدارية معقدة ومجحفة في كثير من الأحيان، وتفشل أصناف فائقة الجودة في اجتياز الاختبارات لأسباب إدارية أو شكلية بحتة، رغم تجاوزها لاختبارات النقاوة والثبات والانتاجية الأساسية.
الرؤية الإصلاحية الحاسمة:
في نظرنا كعلماء ميدانيين، والكمال لله وحده، يجب تبسيط منظومة تسجيل الأصناف وتخفيف القيود الإدارية المتعنتة. المزارع هو الحكم الأخير، وهو من يحدد إذا حقق الصنف له ربحاً أم لا؛ فإن نجح الصنف وأثبت كفاءته الاقتصادية سيعود المزارع لزراعته طوعاً، وإن فشل سينعزل من السوق بقوى العرض والطلب.
متى اجتاز الصنف اختبارات النقاوة والثبات والإنتاجية (DUS)، يجب إتاحة الفرصة له ليشق طريقه إلى الحقل دون تعقيدات بيروقراطية تخنق روح الابتكار.
ثالثاً: دروس مستفادة من مؤتمرات صناعة التقاوي في الوطن العربي
من واقع تنظيم ومتابعة “مؤتمر صناعة التقاوي في الوطن العربي” على مدى السنوات الخمس الماضية، تتكشف أمامنا صورة بالغة الأهمية:
الإرادة والتميز موجودان: أغلب الدول العربية تمتلك وعياً عميقاً ورغبة حقيقية، بل وتفوقاً ملحوظاً في صياغة الرؤى الاستراتيجية لتقاوي المحاصيل.
عقبة التمويل والموارد: ينقص العديد من هذه الدول العربية الشقيقة الإمكانات المادية الضخمة والتمويل اللازم لتشغيل البرامج العملاقة، ورغم ذلك تستغل مواردها المتاحة لتحقيق إنجازات مبهرة.
المعادلة المعكوسة في مصر: في المقابل، تمتلك مصر الموارد الكبرى، والمراكز البحثية العملاقة، والعقول الجبارة، والعلماء الذين تدربوا في ألمانيا وأمريكا وأوروبا والصين، لكنها تعاني من اختناقات في آليات التمويل الموجه وتطبيق مخرجات البحث العلمي، بجانب القيود البيروقراطية.
رابعاً: البيوتكنولوجيا الحديثة والهندسة الوراثية.. مفتاح العصر
بخبرتي الشخصية كأستاذ لتربية المحاصيل وتطبيقات البيوتكنولوجيا الحيوية، ولا سيما من خلال العمل في برامج تربية الأرز المتقدمة وتطبيقات الهندسة الوراثية في ألمانيا، أؤكد أن البيوتكنولوجيا هي طوق النجاة.
إن دمج تقنيات الهندسة الوراثية والبيوتكنولوجيا الحديثة في برامج تربية النبات يمكن أن يختصر سنوات طويلة من التربية التقليدية، ويُنتج أصنافاً قادرة على:
ـ مقاومة ملوحة التربة ومياه الإجهاد المائي.
ـ زيادة الإنتاجية بمعدلات غير مسبوقة لكل قطرة ماء.
ـ توفير الحصانة ضد الأمراض والآفات المستجدة نتيجة التغيرات المناخية.
ولكن هذا يتطلب نقرة زر على مستوى اتخاذ القرار الاستراتيجي!
خامساً: خارطة طريق مصرية خالصة نحو الريادة الإقليمية والعالمية
لكي تتحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة التقاوي (متجاوزة كل النماذج الإقليمية بحكم موقعها وإمكاناتها)، يجب تنفيذ الخطوات العملية التالية فوراً:
الضوء الأخضر للجامعات عبر أكاديمية البحث العلمي: إطلاق مشاريع قومية كبرى وممولة بسخاء من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، بحيث يتم الربط المباشر والتكامل الفعّال بين أقسام تربية النبات في الجامعات المصرية وبين محطات وزارة الزراعة المنتشرة على مستوى المحافظات الجمهورية. هذا التعاون المدمج كفيل بأن ينتج الملايين من الأصناف والهجن الوطنية المتميزة في غضون سنوات قليلة.
غربلة بيروقراطية لجان التسجيل: إعادة هيكلة شاملة للجان تسجيل الأصناف النباتية، واعتماد معايير مرنة وشفافة ترتكز على الإنتاجية والثبات، وإعطاء “شهادة ميلاد” سريعة للأصناف المحلية الواعدة بدلاً من دفنها في مقابر البيروقراطية.
تخصيص برامج قومية كبرى للخضر والفاكهة: إنشاء معهد قومي متطور لتربية واستنباط هجن الخضر والفاكهة والزينة، يُدار بنفس الروح والنهج الناجح الذي أدار معهد المحاصيل الحقلية تاريخياً، لتقليل فاتورة الاستيراد الباهظة التي تلتهم مئات الملايين من الدولارات سنوياً.
توطين صناعة المبيدات والتقاوي بشراكة مع القطاع الخاص: جذب الاستثمارات العالمية والمحلية عبر بيئة تشريعية مرنة تحمي حقوق الملكية الفكرية، وتدعم الشركات الوطنية الواعدة لتتمكن من المنافسة الإقليمية والدولية.
خاتمة المقال: الفرصة قائمة والرهان على سرعة القرار.
إن التجربة تؤكد يوماً بعد يوم أن النجاح لا يقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية، بل بكفاءة إدارتها، وإطلاق طاقات البشر. مصر تمتلك القاعدة العلمية الأضخم في المنطقة، وعلماء أثبتوا كفاءتهم في كبرى جامعات العالم ومراكز أبحاثه المتقدمة.
الفرصة لا تزال قائمة وبقوة، والعقول المصرية قادرة على تحويل التحديات إلى ذهب، شريطة أن تُفك قيود البيروقراطية عن سلالاتنا الوطنية، وأن تُفتح أبواب التمويل والشراكة بين الجامعات ووزارة الزراعة وأكاديمية البحث العلمي.
حينها فقط، لن تكون مصر مستورداً للتقاوي، بل ستكون المصدّر الأكبر للحبوب والهجن والخضر لقلب العالم أجمع..وتحياتي لكل باحث ومخلص يزرع بذرَة أملٍ في تراب هذا الوطن الطاهر.
ظهرت المقالة كيف تتحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة التقاوي؟ أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة كيف تتحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة التقاوي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ كيف تتحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة التقاوي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، كيف تتحول مصر إلى مركز إقليمي وعالمي لصناعة التقاوي؟.
في الموقع ايضا :